يبدو كل شيءٍ قاتماً في لبنان، ولا تنتهي لائحة المصائب التي يغدقها علينا نظامنا منذ عقود، من الفساد والبطالة والهجرة والانقسامات المذهبيّة وقمع الحريات وتغليب القطاع الخاص على العام في كل الميادين بدءاً من الصحة والتعليم وصولاً إلى الأمن نفسه. دينٌ عام وسياسات اقتصاديّة تضرب قطاعات الإنتاج لمصلحة فئةٍ صغيرةٍ من المصرفيين وكبار تجّار العقارات إلى جانب الرأسماليّة الطفيليّة المتمثّلة بأولئك الذين عبروا من خلال مواقعهم القياديّة في السلطة السياسيّة إلى عالم المال والمليارات، وهم في الأغلب أمراء حرب وزعماء ميليشيات.


أما وقد أعلنت المواجهة مع السلطة، فلم يبقَ أمام قوى الإعتراض إلاّ أن تتحد، وأن تبني موازين قوى جديدة تستطيع من خلالها صناعة خرق في بنية هذا النظام المتخلف.
إن المهام المطروحة أمام قوى التغيير كثيرة، حيث أن هذه السلطة لم تنتج إلاّ الأزمات والتخلف، مما جعل المواطن اللبناني يعاني الويلات في حياته اليومية ومصيره ومستقبله. وها هي السلطة التي حرمت اللبنانيين من سلسلة الرتب والرواتب على مدى عشرات السنين، تحاول اليوم تمويل السلسلة من جيوب المستفيدين منها ومن جيوب عموم فقراء لبنان، بينما يتم استثناء المصارف والشركات العقارية الكبيرة، وعلى العكس، تقوم الدولة بدفع أموال طائلة لهذه المصارف وبأشكال عدة وكان آخرها ما سمي بالهندسة المالية، التي أمنت للمصارف أرباحاً طائلة على حساب اللبنانيين ومعيشتهم.

زغردي يا انشراح ... مر قانون الانتخابات وصوت المعارضة صرخة في واد...
مر قطوع قانون الإنتخابات على البلاد بسلام، وبات بإمكان النسوة أن تزغردن وبإمكان الرجال أن يطلقوا الرصاص في الهواء ابتهاجاً، فلن تحصل أعمال عنف طائفي ولن تتجدد الحرب الأهلية وسنعود إلى التعايش الوطني بين مختلف العائلات اللبنانية، ألا يستحق ذلك أن نحتفل والرصاص في البلاد يطلق لمجرد نجاح طفل بشهادة البريفيه؟

أكّدت أطياف واسعة من القوى والشخصيات الديمقراطية والمنظمات المجتمعية والنقابية على العديد من الجوانب السلبية في قانون الانتخابات الذي صدر بعد سنوات طويلة من مماطلة أطراف الحكم. وأهمّ هذه السلبيات:
ترسيخ ميل القوى الحاكمة نحو مواصلة التفتيت الطائفي والمذهبي بخلاف ما كان أقرّه دستور الطائف قبل نحو أربعة عقود لجهة وجوب تجاوز الطائفية في العملية الإنتخابية، مع الإشارة إلى إحتمال إرتداء هذا الميل أبعاداً خارجية ترتبط بعملية التفتيت المنهجية التي ترعاها الإدارة الأميركية راهناً في غير بلد عربي؛

مع كل يوم جديد، مشكلة جديدة تضاف إلى سابقاتها. وإذا ما كانت مشكلة قانون الانتخاب، من تأجيل إلى آخر، وتطغى على الحياة السياسية في البلاد، فإن مشكلات أخرى عديدة تقلق الناس وتتعلق بصلب حياتهم، منها تلوث الأنهار والمياه والهواء والبحر، وسلبياتها على الغذاء، ومشكلة النفايات والكهرباء ومياه الشفة، وأزمة السير ومسألة النقل العام، إلخ... وكأن هذه المشكلات المقلقة ليست كافية، فيضاف إليها ما يشاهده اللبنانيون على شاشات التلفزة، صبحاً ومساءً، من مشاهد لمآتم شباب وصبايا وأطفال أحياناً، قُتلوا برصاص عشوائي طائش، أو بسلاح متفلت، بيد من يستسهلون اللجوء إلى جريمة قتل لأسباب سخيفة، ولأناس غالباً لا يعرفونهم، وأحياناً ضمن العائلة الواحدة.

في مفارقة ربّما لم تشهدها التشريعات في أية دولة في العالم، يتأخّر إقرار القانون الإنتخابي إلى الأيام الأخيرة المعدودة التي تسبق إنتهاء ولاية المجلس النيابي الحالي الذي مدّد لنفسه مرّتين متتاليتين وسيقدم على تمديد ثالث لدواع “تقنية". فبعد ما يزيد عن ألفين وتسعماية يوم من عمر هذا المجلس، وبعد مئات المطوّلات التي تعد بإنجاز القانون الإنتخابي العتيد الذي سيحقّق عدالة التمثيل وصحّته، وبعد إستنفاذ كل المهل الدستورية، الواحدة تلو الأخرى، يتمّ الوصول إلى قانون ربع الساعة الأخيرة، مثقلاً بالشروط والشروط المضادة، وبالرغبات الفئوية، وبالتفاصيل التي تفرغه من أبعاده التغييرية.

الصفحة 1 من 3