سمير سكيني

سمير سكيني

0
0
0
s2smodern

في الخط الجماهيريّ

0
0
0
s2smodern

من قراءةٍ طبقيةٍ لوقفةٍ احتجاجية، وصولاً إلى الغياب النسبيّ للحزب، مروراً بالماركسية الكلاسيكية؛ تطبيق المفاهيم النظرية على الواقع واستخراج العبر.

0
0
0
s2smodern

مدخل إلى عالم الدمى
كنا في العام ١٩٧٩ والحرب طاحنة تغدق علينا بجحيمها، لا تكتفي بتدمير الملموس فقط، بل تسعى حتّى وراء أحلامنا، نحن الأطفال. وسط هذا الدمار، كان لا بدّ من إيجاد متنفّس، مهرب من الواقع الأسود، علّنا نستعيد ما خسرناه من طفولةٍ في أنفسنا.
كان دكروب في التاسعة من عمره حين تعرّف ولأوّل مرّة على الدمية. كان ذلك في بيروت، النادي الثقافيّ العربيّ، مع نشاط مسرحيّ تديره مهى نعمة. اصطحبه والداه لهذا المكان، وصار يتردد لوحده كل سبت إلى هناك - مشاركاً في المسرح مع مهى من جهة، ومشاهداً ملتزماً لفرقة السنابل من جهة أخرى.
فالبرغم من اشتداد الحرب ومن سنيه الّتسع، كان كريم يملك ما يكفيه من الوعي لتدبير أموره خارج المنزل، كما أن كان أهله يملكون ما يكفي من الجرأة للتأمين على ولدهم الصغير، خاصةً مع غياب كل أشكال التواصل حينها. كانت هذه أوّل خطوات استقلالية كريم ومغامراته في العالم الخارجي واختلاطه بأصدقاء جدد، خارج الإطار المدرسيّ. "صار هذا النشاط بالنسبة لي المتنفّس، أذهب لوحدي بالسرفيس، ألتقي باقي الأطفال، الحرية الأولى.. مسرح الدمى." سرعان ما أدرك كريم أن علاقته هذه مع الدمى سوف تطول، لا بل انّها ستقوم بتشكيل حياته في ما بعد. كانت آخر مسرحية تُعرض "بدو يكبر سالم" في قصر الأونيسكو، قبل أن يُدّمر عقب الاجتياح الاسرائيلي، ثم عُرضت في مسرح بيروت لمدّة شهرين في العام ١٩٨٣. "تجربتي اذن قديمة مع خشبة مسرح بيروت". تدهورت الأوضاع أكثر، ثمّ غادرت مهى نعمة وانطفأ هذا النشاط.
في العام ١٩٨٥، كان كريم الشاب ناشطاً في اتّحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، من ثمّ في نادي الروّاد - نادي ذو طابع اجتماعي/ سياسيّ/ ثقافيّ في رأس النبع. درّب كريم مجموعة صغيرة من الشباب وقرّر ان يدير اوّل عمل له (من النص، فالاخراج والموسيقى، فصناعة الدمى، ثمّ العرض). انتهى التحضير وكان العرض الأوّل في الملجأ، على محور رأس النبع. " كنّا نضع أغراضنا في سيارة النجدة الشعبية وننتقل بالعرض بين مناطق المحاور ونقدّمه للأطفال في الملاجئ، شياح، رأس النبع، الليلكي... كانت هذه من أجمل التجارب في حياتي. عشنا أيام حلوة جداً، مجبولة بالفن والنضال والمخاطر. أذكر مرّة انطلقت السيارة محمِّلةً الديكور، ثوانٍ قليلة وسقطت قذيفة مكان السيارة. فرقت على ثانية!"
من بعد تجربة الملاجئ، انتقل إلى المركز الثقافي السوڤيتيّ (المركز الثقافيّ الروسيّ اليوم). كان هذا المركز الوحيد في بيروت الغربية الذي يقدّم نشاطات ثقافية بشكلٍ عام، وعروض مسرحيّة بشكلٍ خاص. ألّف دكروب مسرحية جديدة وعرضها هناك ولاقت نجاحاً كبيراً. امتلأت الصالة، نُقِلت على تلفزيون لبنان، كُتِب عنها في الصحف. كان حقّاً نجاحاً باهراً بالنسبة لشاب في السابعة عشرة من عمره.

الاحتراف
على وقع هذا النجاح، قدّم المركز للمخرج الشاب منحة دراسيّة في الاتّحاد السوڤيتيّ، موسكو، معهد غيتس - إخراج في البداية ثمّ تخصّص في مسرح الدمى في لينينغراد. كانت مسرحية التخرّج التي قدّمها مقتبسة من حكاية كتاب كليلة ودُمنى. مجدّداً، لاقى هذا العمل نجاحاً واسعاً واختير لتمثيل الاتحاد السوڤيتي في فرنسا في مهرجان Charleville Mezieres (من أهم مهرجانات الدمى في العالم). "كانت هذه هديّتي للتخرّج، حملت مسرحيّتي وفرقتي الروسيّة، واقتحمنا فرنسا!".
في العام ١٩٩٣، قرّر كريم المتخرّج حديثاً العودة إلى لبنان نهائياً، حاملاً كل خبراته وطموحاته. قبل هذا بفترة قليلة، كان نوڤيكوڤ (المسؤول عن منحة كريم في ما مضى) قد قرّر انشاء مسرح دمى في لبنان برعاية المركز الثقافي السوڤيتي (بالتعاون مع جمعية الصداقة اللبنانية السوڤيتية). على أثر هذا القرار، تم اختيار مجموعة شابة للذهاب إلى مسرح كراسنادار للتدرّب على مسرح الدمى هناك (حيث عمل كريم فترة وجيزة قبل مغادرة الاتّحاد). ثمّ عادت هذه المجموعة وقدّمت المسرحية التي تدرّبت عليها. مجدّداً ومجدّداً، اعتُبرت عملاً ناجحاً. إلى أن كانت انطلاقة دكروب الرسمية مع مسرحيّته الشهيرة "شو صار بكفرمنخار". أعني حقّاً، من منّا لم يشاهدها مرّة واحدة على الأقّل؟ "أتذكّر وقتئذٍ كنت قد عدت حديثاً إلى لبنان، أحمل معي كماً هائلاً من الأفكار أنوي تطبيقها في بلدي. الّا أنني اصطدمت بالواقع، أو بالأحرى مع نمط التفكير هنا. كان من الصعب أن أنقل أفكاري وسط هذه الأجواء، ولم يتقبّلها الآخرون على أيّ حال. حتى أن الممثلين نفسهم ما كانوا مؤمنين بنجاح المسرحية حتّى لحظة الافتتاح." كان العرض الأوّل في المركز الثقافيّ الروسيّ ونجحت على كل المستويات (فنياً، مالياً...) وكانت حجر الأساس في مشروع دكروب طويل الأمد: مسرح الدمى اللبناني (الذي تأسّس رسمياً في العام ١٩٩٦ وانطلق من مسرح المدينة)، وكرّت من بعدها سبحة المسرحيّات. مع الإشارة إلى الدور الذي لعبه وليد، أخيه الأصغر، الذي كان دائماً مبدعاً في كل ما يتعلق بالسينوغرافيا والديكور، والذي تخرّج أيضاً من المعهد نفسه.
بالرغم من كل ما سبق، لم يكتفِ دكروب بما حقّقه حتى الآن. أراد أن يدفع مشروعه إلى العالمية. مستفيداً من علاقاته الواسعة في عالم المسرح، أقام المهرجان الدوليّ للدمى في العام ١٩٩٨/١٩٩٩، في لبنان، بمشاركة فرق عالمية، في مسرح المدينة/ مونو/ المركز الثقافيّ الروسيّ... وختاماً في شارع كليمنصو. وكان بالمناسبة مهرجانٍ مجّانيّ، نُظِّم ٣ مرّات على التوالي، ثمّ تحوّل إلى مهرجان متنقّل تحت إسم كاراڤان، بهدف دعم لا مركزية الثقافة، تفعيل المكتبات العامة في القرى، والإشارة إلى دور البلديّات في تفعيل العمل الثقافيّ.
في كل هذه الفترة، كان هدف دكروب تأسيس مسرح دائم للدمى في لبنان يعتمد نظام الـ repertoire .
"انّ هذا المشروع بدأ يتحقّق لكنه صعب بعض الشيء، فهو بحاجة إلى متابعة ومؤسسة وتمويل وإدارة.. وهذا ما يجعله صعباً خاصّةً في ظل غياب الدعم والاهتمام لهذه المشاريع في لبنان، غير أننا ما زلنا مستمرّين، مكتفيين ذاتياً، ومحافظين على المستوى ذاته من الجودة في الوقت تفسه.

حول دور المسرح في مرحلة ما بعد الحرب
“يقول أوغستو بوال (ممثّل ومخرج مسرحيّ برازيليّ يساريّ): كل مسرح هو بالضرورة مسرح سياسيّ. وعندما نُسأل عن سر نجاح مسرحنا، يكون الجواب ببساطة لأنّه مسرح سياسيّ، حتى لو كان مسرح أطفال. اذ أن أهم موضوع في مسرحنا هو "الحرية"، حرية الفكر، ومحاولة اخراج الأطفال من صيغة التعاطي الأبوي. تميّز مسرحنا هو هو سر نجاحه، إذ انه يختلف عن المسرح التقليديّ العربيّ للأطفال الذي يعتمد صيغة "أطفالنا يجب أن ... - نريد تعليم أطفالنا عن ... - نريد تلقين أطفالنا القيم "، مع الاشارة الى أن أغلب هذه القيم لا يتقبّلها الأطفال أصلاً لأنها ذات طبيعة عقائدية وذات طابع فئويّ او طائفيّ، وليس كما نعالجها هنا على أنها قيم انسانية عامة، توعّي الأطفال، يتعلّمون منها وبالمقابل نتعلّم منهم. أما بالنسبة لدور المسرح بعد الحروب، فهنا أقول أن انخراطي في عالم المسرح سببه الأساسيّ يعود لمواكبتي الموجة الذهبية للمسرح السياسي في فترة الحرب الأهلية (مثل روجيه عسّاف أيّام مسرح الحكواتي، زياد الرحباني، فرقة السنابل... ناهيك عن الموسيقى والفنون التشكيليّة والأدب المقاوم، أي كل أشكال فن الحرب). كانت هذه تمظهرات نضال ثقافي يعمل تحديداً على إثبات الهوية. اذ أن الحرب الأهلية في لبنان كانت ذو بعدين: الأوّل طبقيّ، والثاني قوميّ في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية؛ ولو اتّخذت لاحقاً شكلاً طائفياً لكنها بقيت هي هي من حيث الجوهر. وهنا أرى تميّزاً لليسار في منطقتنا عن اليسار في باقي البلاد، اذ أننا لا نُعنى بالصراع الطبقي فحسب، بل نحمل أيضاً قضية مركزية: فلسطين. وكان الغرض من الحرب ضرب هتَين القضيتيّن (الطبقية والهوية الوطنية). وهذا ما عالجه المسرح السياسيّ في لبنان في تلك الفترة وهذا ما تأثّرت به، وما زلت حتى اليوم أحمل هذه القضية.
بعد هذه المرحلة، كانت حرب الـ ١٩٩٦. كان هذا عاميَ الثالث في لبنان بعد التخرّج. كنت ذلك الشاب المتحمّس الطموح الذي يحمل مشروعاً كبيراً في عالم المسرح. وإذ تشتعل حرب الـ ٩٦ وتخلق عندي سؤالاً وجودياً: ما دوري في هذا المجتمع؟ كيف أتصرّف تجاه الحرب؟ هل أريد أن أستمر بأحلامي المسرحيّة الزهريّة وأنا أرى يومياً جموع النازحين والمهجّرين بسبب الحرب؟ سرعان ما وجدت الجواب على أسئلتي وقرّرت أن أقيم عروض ترفيهية صغيرة مع فرقتي في مدارس بيروت التي تأوي مهجّرين. حاز هذا المشروع على اهتمام منظّمة اليونيسف التي كلّفتنا بمشروعٍ مشابه: إقامة هذه العروض في ١٠٠ قرية مواجهة للشريط الحدوديّ. بالتعاون مع متخصّصين وأطبّاء نفسيين، كان هدف هذا المشروع رصد الاضطرابات النفسية عند الأطفال بعد الحروب، وكانت هذه من أغنى التجارب في حياتي. صدر في ختامها تقرير يشخّص نسبة محدّدة للاضطرابات النفسية عند الأطفال، الّا أنني رأيت أنّ فيه خطباً ما، أو بعض المبالغة، إذ انه يقتصر على الجانب النفسي/ الطبي للطفل فقط دون الأخذ بعين الاعتبار الجانب النفسي/ الاجتماعي. سجّلتُ ملاحظتي الّا أنها لم تلقَ اهتمام المعنيين بحجّة أنني مخرج مسرحيّ ولا علاقة لي بعلم النفس. وكان هذا الجواب افتتاحاً لرحلتي الطويلة في عالم علم النفس وبدأت الدراسة كي أثبت في ما بعد صحّة رأيي.
بعد حرب الـ ٢٠٠٦، كان عملنا مشابهاً إلى حدّ كبيرٍ مع ما سبق مع اختلاف يقتصر على تقدّمنا وتوسّعنا في الخبرة بعد مرور ١٠ سنوات من العمل المسرحيّ والنفسيّ."

عن أهمية الدمية
يرى دكروب أن أهمية الدمية تكمن في كونها وسيلة للتواصل وفق معادلة: شخص-دمية-شخص عندما يكون التواصل صعباً او محدوداً بين الشخصين، فهي تلعب دور الوسيط الميسّر لهذه العملية وبالاتّجاهين. مع الإشارة إلى أن الدمية ليست محصورةً بعالم الأطفال، بل تلعب دوراً أيضاً في العلاقة مع الراشدين وللسبب عينه. ويكون التواصل مبنياً على نظرية بالغة الأهمية في علم النفس (طوّرها دونالد وينيكوت): نظرية المجال الانتقالي التي تنطلق من علاقة الطفل بأمِّه مباشرةً بعد الولادة وكيف يبحث هذا الطفل عن بدائل أو صيغ ذاتية لملئ فراغ الأم عند غيابها عنه ولو للحظات. "تكون هذه البدائل عادةً عبارةً عن أي غرض محيط بالطفل مثل مخدّة او شرشف... ولهذا الغرض اخترعوا الألعاب في ما بعد، نتيجةً للحاجة هذه، ويكون هذا البديل بمثابة الملكية الأولى للطفل بعد أمّه ويكون الوسيط الذي يلجأ له كل طفل عند غياب حنان الأم. وعندما نقول كل طفل نعني بشكلٍ من الأشكال البالغين أيضاً بما أنّهم كانوا أطفالاً. وعليه، فإنّ لهذا الوسيط أهمية كبرى عند كل انسان. لذلك، فإنّ الدمى لا تحاكي الأطفال فقط، بل الراشدين أيضاً بما أن فئة كبيرة منهم تحتاج في مرحلة من المراحل لتعبئة نقص عاطفيّ ما. وعند اللجوء إلى الدمى بشكلٍ مدروسٍ وسليم، نستطيع مخاطبة هذه الحاجة مباشرةً".

***

كريم فخر الدين دكروب (٢ تشرين الثاني ١٩٦٩)
مخرج، أستاذ جامعيّ في الجامعة الوطنية اللبنانية (منذ العام ١٩٩٦)، مدير جمعية خيال لمسرح الدمى ومعالج نفسيّ متخصّص في "تنشيط النفس-اجتماعيّ في المجتمعات التي مزّقتها الحروب"، يعمل في عيادته الخاصة وفي جمعيات أخرى (منها منظّمة أبعاد)، ويعمل على تدريب المتأثّرين بالحروب والكوارث على استخدام الفنون كوسيلة للتواصل وتنشيط النفس-اجتماعيّ، في لبنان وعدّة بلدان أخرى.
أخرج أكثر من ٢٠ مسرحية.

عرض repertoire الفرقة يضمّ ٨ مسرحيّات تعرض بشكل أسبوعيّ على مدار السنة كل سبت الساعة ٤:٠٠ بعد الظهر على مسرح دوّار الشمس (وكل خميس الساعة ٥:٣٠ في الصيف).
حاز هذا المسرح على عدّة جوائز عالمية آخرها جائزة مهرجان شانغهاي في الصين، وأخرى في براغ، في القاهرة والأردن... اضافةً إلى تكريم كريم دكروب في عدّة مناسبات آخرها من وزارة الثقافة في القاهرة.

0
0
0
s2smodern

من الفراعنة إلى اليونان ثمّ عصر النهضة فتاريخنا الآني، من النحت إلى الرسم ثمّ التصوير فالـ "Photoshop” ، كان الإنسان الموضوع الأساس لهذه الممارسات (بعيداً عن رسومات الحيوانات في الكهوف). غير أن طريقة "عرض" هذا الإنسان قد إختلفت باختلاف طبيعة النظام السياسي/الإقتصادي/الإجتماعي السائد.

0
0
0
s2smodern

 المقدّمة التقليدية: كان العام ٢٠١٧ حافلاً بالنشاطات والمناسبات الثقافية الفنية...

0
0
0
s2smodern

عن لوحة داڤينتشي وغموض القيمة

أقيم منذ أيّامٍ مزادٍ علنيّ لبيع لوحة " مخلّص العالم - Salvator Mundi " ، التي يُعتقد أنّها آخر لوحات الفنان العالمي ليوناردو دا ڤينشي المفقودة. أُنجزت هذه اللوحة في العام ١٥٠٠ تقريباً - ذروة عصر النهضة، بطلب من الملك لويس الثاني عشر، وفُقدت فيما بعد، لتعود وتظهر في العام ١٩٥٨ على أنّها نسخةٍ، لا الأصلية لأحد تلامذة داڤينشي وبيعت حينها ب ٥٩ $. إنتقلت اللوحة بين عدّة أيادي، بأسعارٍ كانت ترتفع مرّة تلو الأخرة، الى أن قام أحد الخبراء الفنّيين بترميمها ليتبيّن انّها فعلاً لوحة داڤينشي الأصلية. وفي حملة دعائية غير مسبوقة، عُرضت اللوحة في أكثر من بلد لاستقطاب الشريحة الأوسع من المهتمّين بالفن، وجمع اللوحات القيّمة ودور العرض وكبار التجّار. إجتازت كل التوقّعات، محطّمةً كل الأرقام القياسية السابقة، حيث بيعت بسعر ٤٥٠ مليون $ (٤٠٠ مليون ثمن اللوحة اضافةً الى ٥٠ مليون للرسوم والضرائب)، فيما لا تزال هوية الشاري مجهولة.

طبعاً هذه الحالة إستثنائية بعض الشيء، إذ إنّ هذا السعر يعود بشكل مباشر الى الحملة الدعائية، الدار التي توّلت عملية المزاد، اعتبار اللوحة آخر أعمال عرّاب النهضة ليوناردو داڤينشي، والأهم هو أن من اشترى اللوحة لم يدفع ثمنها فقط، بل دفع ضمنياً ثمن حيازه لقب "صاحب أغلى لوحة في العالم". ولكن بشكلٍ عام، لما كل هذا الاهتمام باللوحات الزيتية وعلى أي أساس تُضرب أسعارها الخيالية؟
تبدأ القصة مع إختراع وإستخدام الكاميرا وإستغلالها في عملية التسليع اي، تحويل كلّ شيءٍ الى سلعة، ونقصد هنا بالتحديد اللوحات الزيتية (الأوروبية في معظم الأحيان). انّ لوحةً ما، لا يمكن أن تكون الّا في زمانٍ واحد ومكانٍ واحد في اللحظة الواحدة. لكي نراها، كان علينا أن نقصد مكان عرضها ونتأمّلها بأمّ العين. وكانت اللوحة في علاقة عضوية مع المكان هذا، وفي الكثير من الأحيان شكّلت جزءً مكمّلاً للمبنى الذي فيه وُجِدت (كنائس عصر النهضة مثلاً) وكانت تحمل معنى محدد مرتبط بشكل أساسي بهذا المكان (وإن كان هذا المعنى يُفسَّر من عدة مقاربات(.
اما الآن، فاللوحة هي التي تأتي الينا - أو قل بشكل أدّق: إنّنا نرى صورة اللوحة وليس اللوحة نفسها. فإنقطعت اذاً الصلة الزمانية المكانية، وصارت اللوحة الواحدة حاضرة في عدّة ظروف متأثّرة بالبيئة المحيطة. ويكون اللجوء الى هذه اللوحات في معظم الأوقات من أجل التسويق لمنتجٍ ما. وصارت تحمل معنى يختلف من حالة الى أخرى، وإنكفأ نتيجة ذلك المعنى الأساسي. إضافةً الى العوامل التي تؤثّر على كيفية إدراكنا لما نراه، مثل موسيقى نسمعها ونحن نتأمل الصورة، أو إرفاق الصورة بتعليقٍ، أو نصٍ، أو حتى إجتزاءها، ونقل قسمٍ من اللوحة الأصلية فقط. لم يعد المعنى اذاً مرتبطاً باللوحة ذاتها - الموجودة في مكانٍ واحد وزمانٍ واحد - بل أصبح مستقلاً قابلاً للتنقل والتحريف.
في ظلّ هذه المعضلة، يبقى للوحة الأصلية ما يميّزها، فرادتها، أصالتها، إحساسٌ ينتابنا عند رؤيتها. لذا نجد في متاحف الفن كتيّبات ترافق هذه اللوحات وتتضمّن سنين من الأبحاث والدراسات لإثبات هذه الأصالة. إضافةً الى ظروف العرض التقنية والحماية المخصّصة لها. اذاً، لما كل هذا الاهتمام؟
بالطبع، ليس لما تمثّله اللوحة بذاتها ولمضمونها، بل بسبب قيمتها السوقيةmarket value ، المرتبطة بأصالة اللوحة (لسنا نتحدث هنا عن السياحة والكم الهائل من العائدات الذي تؤمنّه اللوحة بل نقصد قيمة اللوحة بالمطلق). ما هي هذه القيمة اذاً؟ ومن أين أتت؟
يشوب الفن هنا شيء من الغموض، "قيمة وهمية" مرتبطة بشكلٍ جذري بالقيمة النقدية للوحة ولكن يتم إظهارها على أنها مرتبطة بالثقافة والحضارة (وهنا دور الايديولوجية البرجوازية في لعب الدور الموضوعي لتمويه حقيقة المسألة). ان هذا الوهم كلّه، ليس في الحقيقة الّا بديلاً لما خسرته اللوحة عندما أتاحت الكاميرا إمكانية إعادة إنتاجها وخلعها من ظرفها المكاني/الزماني المحدّد. إنها حيلة أخرى من حيل ثقافة الأقلية الحاكمة.

عودة الى داڤينشي في الختام لتوضيح مسألة القيمة هذه. يُذكر أن لوحةً له (العذراء والطفل مع القديسة آن ويوحنا المعمدان) كانت بعيدة عن إهتمام الناس، وغير معروفة الّا من قبل طلّاب الرسم. في الستينيات عرض الأميركيون ما يقارب ال ٣ ملايين $ لشراءها. منذ اللحظة هذه، إكتسبت اللوحة نوعاً جديداً من التقدير والإعجاب، أصبحت فجأةً من أشهر أعمال داڤينشي، حتى أنها صارت أكثر اللوحات التي إبتاع السوّاح نسخاً عنها من المتحف. اذاً إكتسبت اللوحة قيمة وهمية بعد أن عُرض مبلغاً مرتفعاً ثمناً لها، علماً أن اللوحة بذاتها لم تتغير قبل وبعد العرض؛ إنها القيمة السوقية.
( للمزيد من التوسّع حول هذا الموضوع، مراجعة كتاب ووثائقيّ: Ways of seeing, John BERGER )

الصفحة 1 من 2