الفاشية الجديدة ازدهرت قبل "ترامب"

0
0
0
s2smodern

مع وصول الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إثر فوزه على منافسته مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، انتشرت مخاوف حقيقية في أميركا وحول العالم من تداعيات هذه المرحلة خاصة أن ترامب رفع خلال حملته الانتخابية شعارات شعبوية اتسمت بالعنصرية والذكورية والفوقية الفظة.

وعلى الرغم من صوابية هذا الموقف العفوي ضد رئيس لا يتوانى عن التعبير بوقاحة مفرطة عن حقيقة أفكاره وتطلعاته، إلا أن ذلك لا يعني أن الرؤساء الأميركيين الآخرين المتعاقبين وعلى رأسهم الرئيس السابق باراك أوباما ووزيرة خارجيته كلينتون هم أقل تطرفاً وعدائيةً تجاه شعوب العالم. وفي هذا السياق عاد مصطلح "الفاشية الجديدة" للتداول في قطاعات إعلامية وسياسية وشعبية واسعة لوصف الحالة السياسية التي يمثلها ترامب وأشباهه في فرنسا وبريطانيا وعدة دول أوروبية ممن يريدون ترحيل المهاجرين والتضييق على المسلمين والتراجع عن بعض التقديمات الاجتماعية كالتغطية الصحية وغيرها.

غير أن "الفاشية الجديدة" التي نتكلم عنها اليوم بدأت معالمها وأدواتها بالتمظهر قبل سنوات عديدة على يد الإدارة الديمقراطية السابقة والعهود التي سبقتها. فهذه الفاشية تتجلى في مرحلتنا التاريخية من خلال التنظيمات التي يطلق عليها "التنظيمات الإرهابية" مثل داعش والنصرة والقاعدة والفروع المتولدة منها، والتي تمارس القتل والقمع والترهيب العشوائي والواسع على كافة الفئات المختلفة عنها عقائدياً أو سياسياً كما فعلت النازية والفاشية قبلها منذ عقود. وهذه التنظيمات ليست مجرد جماعات متطرفة فوضوية، بل هي منظمات شديدة الاحتراف والكفاءة والفعالية.

مخطئ من يظن أن داعش ونظائرها هي تعبيرات شعبية عفوية عن حالة من الاضطهاد والظلم الذي ينعكس ويتحول إلى تطرف عنفي رفضي. لقد برز جلياً خلال السنوات الماضية المستوى العالي من التدريب الذي يمكّن هذه التنظيمات من تملك أعلى درجات المهنية والاحتراف في العسكر والتعبئة والتحريض كما في الإعلام الذي يبدأ من الفيديو الهوليوودي ولا ينتهي باستثمار الفايسبوك والتويتر لمصلحة التنظيم والسياسة. وهذا إن دل على شيء، فهو يشير إلى أن هذه الجماعات قد خضعت لجولات وصولات من الإعداد البشري والمهني وصولاً إلى التجهيز والتسليح والتمويل والاحتضان وفتح الحدود والأقمار الاصطناعية وكل ما توفر من أدوات الدعم. وعند اتضاح هذه الصورة، لا يعود السؤال عن الجهات التي تقف وراء هذه التنظيمات صعباً. هي إحدى الأذرع التي تشغلها الأجهزة الأمنية التابعة للبنتاغون والإدارة الأميركية من خلال حلفاء أو مشغلين إقليميين حيناً وبشكل مباشر أحياناً أخرى.

ولا شك أن في مرحلة إدارة الرئيس أوباما الذي لم يزج جيوشه نظرياً في أية حرب جديدة، شهدت ازدهاراً قلّ نظيره لهذه الجماعات على أنواعها حيث فتحت لها المخازن والحسابات والحدود والهواء والشاشات حتى صارت ما صارت عليه. والرئيس "السلمي" الحائز على جائزة نوبل للسلام هو الرئيس الذي في عهده تم تدمير بنية الدولة والمجتمع في ليبيا واليمن وسوريا بشكل أساسي استمرت معه حملة تدمير العراق من خلال الحلفاء حيناً ومن خلال الأذرع "الإرهابية" التي تستحق عن جدارة صفة "الفاشية الجديدة" في معظم الأوقات والأماكن.

إذاً، الفاشية الجديدة سبقت ترامب بسنوات، لأنها السمة العامة التي طبعت سياسة باراك أوباما الخارجية لعقد مضى. لقد ولدت الإدارات الأميركية المتعاقبة الفاشيات الجديدة ورعتها إدارة أوباما إلى أقصى الحدود في مشهد تاريخي سوف يترك آثاراً سوداء لسنوات طويلة مستقبلاً.

مما لا شك فيه أن النظام الرأسمالي العالمي اليوم يعيش في أزمة لم يشهد لها مثيلا منذ 3 عقود، وهي تتهدد مستقبل هذا النظام. فمنذ أزمة العام 2008 وحتى اليوم، ورغم مرور 9 سنوات عليها، لم تستطع الرأسمالية تخطي تداعيات أزمتها فظلت نسب النمو متدنية جداً ومعدلات البطالة مرتفعة وسط ارتفاع العجوزات والمديونية إلى أرقام قياسية. ووسط هكذا أزمات يحتاج النظام إلى الحروب على أنواعها. ليس فقط من أجل تصدير السلاح والسيطرة على الموارد بل من أجل إقناع أبناء الدول الرأسمالية نفسها "بالتضحية من أجل الوطن" عبر دفع المزيد من الضرائب والتخلي عن بعض الامتيازات. وبالتالي تحاول الرأسمالية إيجاد حلولها على حساب شعوب العالم أولاً وعلى حساب شعوبها ثانيةً من خلال خطاب الحرب حيناً وخطاب العنصرية والكراهية والتفاني لملصحة الوطن أحياناً.

إن النقلة النوعية التي أحدثها الرئيس أوباما كانت في الانتقال من آليات الحرب المباشرة التي ازدادت كلفتها مع انتشار التكنولوجيا العسكرية، إلى آليات الحرب بالواسطة عبر التنظيمات الفاشية الجديدة كما في منطقتنا وتحديداً في سوريا والعراق وليبيا أو في أوكرانيا مستنسخاً تجارب من سبقه من رؤساء أججوا الفوضى والانقلابات والعصابات الإجرامية في أميركا اللاتينية في الثمانينيات والسبعينيات.

الفاشية الجديدة في هذا الإطار هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لأزمة النظام الرأسمالي ووسيلة للسيطرة والتوسع ومواجهة الخصوم، وهي استثمار ضخم في السياسة والإعلام والإدارة والتدريب والعسكرة يراد منه إرباك جميع الخصوم واجتراح مشاهد جيوسياسية جديدة مناسبة لهذا النظام الرأسمالي العالمي. وبهذا المعنى، الفاشية الجديدة ليست مستجدةً مع الرئيس الجديد المتعجرف دونالد ترامب، بل هي امتداد لسياسات سابقة مرتبطة بالإدارة الأميركية نفسها إلى جانب حلفائها وعرفت أقسى مراحل ازدهارها على يد إدارة أوباما.
• مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني

  • العدد رقم: 306
`


عمر الديب