إحتلال عفرين "يحرر" مشروع تقسيم سوريا

إحتلال عفرين "يحرر" مشروع تقسيم سوريا الخريطة من إعداد جريدة الاخبار اللبنانية
0
0
0
s2smodern

خلال الحرب السورية الممتدة طوال سبع سنوات، بكل آلامها وتحدياتها، بكل هزائمها وانتصاراتها، ومنذ تحرير حلب من الفاشيين الجدد، لم يكن هناك أهمية لمنطقة كأهمية منطقة عفرين (ذات الغالبية الكردية). ففي الكثير من المعارك كان مفهوماً ومبرراً أن ينسحب الجيش السوري من منطقة ما، ليعزز وجوده في منطقة أخرى لها الأولوية لناحية الاهمية الجغرافية والسياسية، كما حصل مثلاً ماحصل في ادلب ودمشق. لكن الأمر لا ينطبق على عفرين. ففي هذه المنطقة اجتمعت الكثير من العناوين الاستراتيجية. حتى يمكننا القول انه مع احتلال عفرين أعيدت الحياة الى مشروع التقسيم الذي ناضل الشعب السوري لسنوات طوال منعاً لتحقيقه.


هكذا، اعادتنا التقديرات الخاطئة التي اتاحت للنظام التركي إحتلال عفرين، الى مربع التقسيم الاول، من خلال تمكين الاحتلال التركي من وصل مناطق سيطرته ببعضها، واتاحته إمكانية وصلها بمناطق سيطرة الاحتلال الأمريكي قريباً، جغرافياً وسياسياً.
فعفرين، لم تكن مدينة حرب كباقي مدن سوريا. فقد أثمر صمودها أمام غزوات داعش والنصرة وكل الفصائل التي تأتمر تركياً، نوعاً من الهدوء لسنوات، في محيط مشتعل بكل المقاييس. هكذا، اصبحت هذه المدينة الفلاحية ملجأ للعديد من النازحين السوريين من "مناطق الحرب" في الداخل السوري، دون تمييز بين القوميات والاديان وحتى الانتماءات الايديولوجية. لذا، يصبح السؤال الأول المهم: لماذا شنت تركيا هذه الحرب على عفرين؟ ولماذا الان؟

فعفرين لم تكن تشكل تهديداً لأي طرف، حتى لتركيا. فعلى مدى السنوات السابقة، لم تشن أي عملية عسكرية او أمنية نحو الاراضي التركية انطلاقاً من عفرين! على الرغم من ذلك، حشد الاتراك كل قواهم وجمعوا كل مرتزقتهم، وشنوا هذه الحرب التي ذكرتنا بماضيهم الفاشي المتمثل بالابادات العرقية اوائل القرن الفائت. واذا أضفنا الى هذا المعطى التواجد الضخم لوحدات حماية الشعب الكردي في منبج والقامشلي والحسكة وكل الحدود التركية شرق الفرات، لتأكدنا ان الهدف ليس ضرب وحدات حماية الشعب في منطقة عفرين، بل وصل مناطق سيطرة تركيا ومرتزقتها ببعضها: في ادلب وأريافها مروراً بعفرين واعزاز والباب وصولاً الى جرابلس. ولاحقاً ستعمل تركيا للسيطرة على منطقة منبج باتفاق مع الامريكي، لتكون هذه المدينة ضحية جديدة لتسويات دولية (كما حصل في عفرين، حيث كان الروس والايرانيين مشاركين في الصفقة، حسب المعطيات المتوفرة، أقله بالمعنى الميداني والسياسي)، ولكن هذه المرة بالاتفاق مع الأمريكي. وهذا ما سيستفيد منه الفاشي التركي حصراً ومن خلفه المشروع التفتيتي، كيف؟
إن إستكمال هذا السيناريو، أي سيناريو ربط مناطق سيطرة الاتراك بمناطق سيطرة الامريكان، مسألة وقت، حيث أن عفرين كانت العقبة الاصعب، كونها كانت عائقاً جغرافياً وسياسياً امام ترابط مناطق سيطرة الاحتلال التركي، في ظل وجود نوع من الغطاء الروسي الذي لم نكن نتوقع ازاحته بسهولة. ليس حباً بالقوى التي تسيطر على عفرين، بل لان الروسي لا مصلحة له في إعادة إحياء مشروع تقسيم سوريا. اما في منبج فالامريكي استهلك كل ما يريده من ورقة الاكراد، وهو في صدد اعادة ترتيب أوراقه، ولنا عودة لهذا الموضوع.
اذا، في حال استكمل هذا السيناريو، فانه سيحول خريطة السيطرة في سوريا الى ثلاث قطع لا يستهان بحجم كل واحدة منها. ولكن الاخطر سيكون إن عاد التركي ليخلّ بالتزاماته مع الروس كما فعل في كثير من المحطات، فيلتف ليضم اوراقه الى اوراق الولايات المتحدة! عندها ستنقسم السيطرة على الجغرافيا السورية الى قسمين متساويين تقريباً، بدءاً بإدلب-عفرين-الباب-منبج، يضاف اليها كل منطقة شرق الفرات المتصلة جغرافياً بتلك المناطق المسيطر عليها أمريكياً، بالاضافة الى التنف. هكذا، ستعادل مساحة هذه المنطقة ان تم وصلها، مناطق سيطرة الدولة السورية تقريباً، وهذا ما سيعيدنا الى مربع التقسيم الاول.
كل هذا السيناريو التقسيمي ما كان ليطرح لولا سيطرة التركي على عفرين. وهذه أول دلالة على الاهمية الاستراتيجية لهذه السيطرة بهذا التوقيت. فعفرين كانت شوكة في خاصرة مشروع التقسيم وليس العكس.
ماذا عن شرق الفرات، ومقولة الاكراد خونة؟
من المعروف أن "التحالف" الامريكي - الكردي نشأ بعد معارك كوباني. فبعد اقتحام تنظيم داعش الارهابي لأحياء المدينة التي صمدت لاكثر من شهر، وقاتل فيها الكرد قتالا أسطورياً، إستغل الامريكي وضعية الكرد الذين كانوا يحتاجون لتدخل أي طرف لانقاذهم، خاصة من قبل سلاح الجو. يومها لم يكن الروسي "على السمع"، والجيش السوري كان في حالة لا يحسد عليها. هكذا تحولت الولايات المتحدة الى "المنقذ"، وهذا ما لم نكن نتمناه بالطبع. الا أن الولايات المتحدة وبصفتها البنيوية التي تجعلها عدوة كل شعوب العالم، من المستحيل أن تقدم هكذا "مساعدة" لأسباب إنسانية أي دون مقابل ميداني! فكان التحالف الذي أصبح من بعده الكرد الذراع العسكرية الاساسية والقوية للامريكي، وخاضت بهم معظم معاركها في سوريا غرب وشرق الفرات ضد داعش، ما مكنها من السيطرة على كامل شرق الفرات وصولاً الى الحدود العراقية بكل ما تحمله تلك المنطقة من ثروات طبيعية من نفط وغاز وغيره. فهل كان الاكراد مذنبون؟ بالطبع ليس دورنا التبرير للأحزاب الكردية تموضعهم مع الامريكي، فقد أثبتت الاحداث أن هذا التموضع خطيئة كبرى، وهاهم يدفعون ثمنها، الا أننا نتخذ موقع محلل أحداث وقعت فعلياً، بغض النظر إن كان ذلك يعجبنا أم لا، لذا فإن الذنب الاساسي للكرد أنهم أساؤوا التقدير، فذهبوا بعيداً في هذا التحالف. الا انه يسجل لهم أنه وعلى الرغم من غرقهم في التحالف الامريكي، الا انهم لم يطرحوا يوماً فكرة دولة مستقلة. هذا هام. اكتفى الأكراد بموضوعة الكونفدرالية، وهو طرح سابق أصلاً لتحالفهم مع الأمريكي (راجعوا مقالتنا السابقة المعنونة "عفرين تقاوم" حول ان الاكراد السوريين بمعظمهم يرفضون فكرة الاستقلال، موضحين خلفيات الموقف الفكرية والتاريخية).
ربما قام الآكراد بذلك لعدم تمكنهم من قراءة تقاطع المصالح الدولية، والتي حذرنا منذ اليوم الاول لتحالفهم هذا بأنهم سيكونون ضحيتها الاولى إن لم يقوموا بمراجعة سريعة. واليوم أيضاً، كما قبل احتلال عفرين، تطرح عليهم هذه المهمة: على الاكراد مراجعة موقفهم وعلاقتهم بالامريكي، وقطع هذه العلاقة والعودة الى موقعهم الطبيعي الى جانب الشعب السوري وليس الى جانب عدوه الاول أي الولايات المتحدة.
بهذا المعنى لا يمكن تصنيف الكرد كخونة، فهم الى اليوم لم يقطعوا علاقتهم بالدولة السورية، وخاصة في الحسكة والقامشلي، حيث الكثير من المرافق الاساسية لا تزال بيد الدولة السورية، رغم سيطرة الاكراد على معظم تلك المناطق. كما أن موقفهم كان مؤثرا جداً خلال معارك حلب الشرقية، حيث وقفوا الى جانب الجيش السوري في معاركه هناك، بالاضافة الى المساعدات الدائمة لمنطقتي نبل والزهراء خلال الحصار، كل هذه المعطيات وغيرها تجعل من مطلقي تلك الاتهامات بحق الأكراد في موضع المتسرع بأقل تقدير.
حسناً، ماذا عن الامريكي؟
الولايات المتحدة تعمل بشكل جدي وبسرعة لا بأس بها على الانتهاء من ملف الاكراد، الذي سيكون عنوان المقايضة مع الاتراك .مقايضة ستؤدي الى جمع مناطق السيطرة التي تحدثنا عنها سابقاً. ومن المعلوم ان الولايات المتحدة تعمل على انهاء "قوات سوريا الديمقراطية" التي يعتبر المكون الكردي الاساس فيها، وذلك من خلال شق صف الاكراد: عبر إستمالة بعض قياداتهم ليعلنوا ولاءاً مباشراً للامريكي أولاً، وثانياً وهو الاهم، "إعادة تدوير" إرهابيي داعش الموجودين اليوم شرق الفرات بحماية القوات الخاصة الامريكية. فهناك يتم تجهيزهم وتدريبهم في معسكرات خاصة في منطقة الشدادي وغيرها، لتقديمهم لاحقاً بمسميات أخرى مثل "جيش سوريا الجديد" أو ربما تحت مسميات عشائرية من عشائر الشدادي والرقة والطبقة وغيرها. هذه القوات الفاشية تتناسب تماماً مع مخططات الولايات المتحدة، فلها تجربة ناجحة معهم في العراق، وسيكون ولائهم بالكامل لها دون أي خلفيات، والاهم أنها تكسب بذلك نظام اردوغان الفاشي الى جانبها، من خلال بيعه ورقة الاكراد.
لماذا تركتم عفرين وحيدة؟
خلال متابعتنا لما جرى ويجري في عفرين، كان كل حريص على سوريا يتساءل: ما الذي يجري هناك؟ وبأي ثمن بيعت عفرين؟ وهل حلفاء سوريا هم من باعوها؟
ولكن بعيداً عن التفاصيل والاشاعات المسماة تجاوزاً "صحفية" (حيث ان بعض المواقع تنسج روايات خرافية غير مسبوقة) وبالنظر الى المعطيات التي قدمناها، وإن استبعدنا نظرية الصفقة، يصبح من الغباء السماح للفاشي التركي ومرتزقته باحتلال عفرين.
فمن قاتل ضد التقسيم لسنوات وقدم ما قدم، كيف يهدي هكذا هدية لاعداء سوريا وشعبها؟ كيف يسمح للمشروع التقسيمي أن يحيا من جديد؟ كيف يسلم حياة مئات آلاف السوريين لفاشي مثل أردوغان ومرتزقته؟
أما من يتحمل مسؤولية مواجهة المحتل التركي؟ فبكل وضوح: هذه مسؤولية كل وطني سوري، لا بل كل شخص وطرف يرفض تقسيم سوريا، وكل مدافع عن حق الشعب السوري بحياة كريمة، هذه ليست مسؤولية الكرد وحدهم، بل كان علي الجميع مواجهة ذلك لا ان تترك عفرين وحيدة لتواجه الفاشية التركية.
لذا فإن احتلال عفرين وصمة عار على جبيننا جميعاً، ستبقى الى أن تأتي المقاومة وتمحوها بتحرير عفرين وكل المناطق المحتلة في سوريا، منهية بذلك الاحلام الامريكية بالتقسيم.
سألتُ إحدى الرفيقات الكرديات وهي من القامشلو (كما تلفظها) وموجودة حاليا في منبج، عن وضعهم ومعنوياتهم، قالت لي "معنوايتنا عاليةً جداً، لقد مررنا بالكثير من المحن سابقاً، وكانت جميعها مفتاحاً لنصر لاحق".
في لبنان خلال الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، وفي اليوم الاول لدخولهم لأحيائها بعد حصار طويل، قال الشهيد "مهدي عامل" للرفيق الراحل محمد دكروب ما معناه: "إنه التناقض، الاحتلال سيولد المقاومة، والمقاومة ستجلب النصر حتماً، إنتظر.. إنها مسألة وقت".
وفعلاً، بعد ساعات قليلة بدأت عمليات جبهة المقاومة وكان التحرير والنصر.
واليوم، الآن هنا، بعيد احتلال عفرين، نحن بإنتظار بدء عمليات المقاومة، وهي حتماً ستجلب لنا النصر في عفرين، وكل اخواتها في سوريا.