كوبا تواصل نهجها الثوري مع الرئيس الجديد

0
0
0
s2smodern

 ليس عجباً أن يحظى انتخاب رئيس جديد لجمهورية كوبا، خلفاً للرئيس راوول كاسترو، باهتمام كبير على صعيد واسع في العالم.

فهذا الاهتمام يعود للمكانة التي تحتلها هذه الجزيرة الواقعة على تخوم الولايات المتحدة، الذي شكل انتصار ثورتها وثباتها، تمرداً على هيمنتها وخرقاً لجبروتها ومساساً لهيبتها، ومثالاً ساطعاً يعزّز ثقة شعوب تلك القارة بنضالها وقدرتها على الانتصار. والعامل الأساسي الآخر لهذا الاهتمام يتبدّى في كون الرئيس الجديد المنتخب ميغيل ديَّاز كانيل، هو من جيل ما بعد انتصار الثورة. وإن أبرز ما تنطوي عليه هذه العملية، التي جرت بصورة طبيعية ووفقا للدستور الكوبي، هو أولاً ، مبدأ تداول السلطة في أعلى موقع فيها. ثانياً، إن الرئيس الجديد الذي انتخبته الجمعية العامة الوطنية (مجلس النواب) في 19 نيسان 2018، يأتي ولأول مرّة من خارج القادة التاريخيين للثورة الكوبية. ثالثاً، كون العملية الانتخابية هذه تشكل مظهراً لرسوخ النظام والثورة والاستقرار في كوبا، على رغم الظروف والتحديات التي تحيط بها، وخلافاً لرغبات ونوايا سلطات واشنطن وأدواتها في القارة، وحملاتها الدعائية والتحريضية ضد كوبا. فقد ترافق انتخاب الرئيس الجديد مع جوٍّ من الإرتياح الشعبي، لأن معظم الكوبيين يعرفون تاريخه النضالي والسياسي ونجاحاته، بدءاً من دوره القيادي لاتحاد الشبيبة الشيوعية في منطقة سانتاكلارا (وسط كوبا) ثم في القيادة الوطنية للشبيبة، وصولاً إلى المواقع القيادية في الحزب الشيوعي الكوبي، والمواقع الرسمية في الدولة، وعلى الأخص كنائب أول للرئيس راوول كاسترو.
وليس جديداً أن تتوهَّم إدارة واشنطن بقدرتها على إضعاف واحتواء كوبا ونهج قيادتها الثوري، إما بالمزيد من تشديد الحصار الاقتصادي الذي فرضته على الشعب الكوبي، بغرض تجويعه وتحريضه لإسقاط السلطة الثورية من الداخل، أو أن تنهار كوبا عندما يغيب قائد ثورتها فيديل كاسترو، أو مع انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن توقعاتها وآمالها قد خابت. وها هي كوبا تواصل نهجها الثوري مع القائد راوول كاسترو الباقي أميناً عاماً للحزب حتى المؤتمر المقبل عام2021 . وكل الوقائع والمعطيات تبيّن مواصلة الرئيس ديّاز كانيل نهج الثورة الكوبية.
والمعروف أن الشعب الكوبي الذي واجه الأساليب والسياسات العدوانية لدوائر واشنطن، وحصارها الاقتصادي، وجميع أنواع التحديات، بالصمود والتقدم ولو البطيء، يتميز بمستوى عالٍ من الوعي السياسي، والمعروف أيضاً ان النسبة العالية من خريجي الجامعات في كوبا، تضاهي أكثر البلدان تقدّماً في العالم. وبالإضافة الى ذلك فإن الشعب الكوبي وأوسع الطاقات والكفاءات لأكثريته الساحقة، هم منخرطون في تنظيمات جماهيرية وسياسية، من الحزب الشيوعي الكوبي ودوره الكبير، الى اتحاد الشبيبة الشيوعية، واتحاد النساء، ونقابات العمال، واتحاد المزارعين، إلى لجان الدفاع عن الثورة المنتشرة في كل أرجاء كوبا مدناً ومناطق وأرياف. وهذه التنظيمات وتجربتها الغنية، جعلت الشعب أكثر قدرة على المشاركة في رسم توجّهات السلطة، وهي الركائز الأساسية الثابتة للمجتمع والنظام والدولة، وأكثر تمسكاً بالنهج الثوري الذي حقق له مكاسب وطنية في التحرّر من التبعية لواشنطن، وإنجازات إجتماعية كبيرة الأهمية، شملت جميع الكوبيين، وبخاصة في مجالات الصحة والتربية والتعليم بجميع مراحله، والسكن وغيره، إضافة الى طليعية كوبا في إلغاء التمييز على أساس اللون والعرق وإحلال المساواة بين الرجل والمرأة.
إن كوبا التي واجهت وتواجه صعوبات ومخططات عدائية من جانب الولايات المتحدة، قد انتهجت سياسة مبدئية للتضامن مع الشعوب المناضلة من أجل حقّها في الاستقلال والسيادة واختيار طريق تطورها. وإن شعبنا اللبناني والفلسطيني والعربي بعامة، يعرف ذلك بالتجربة... فكوبا مثلاً، هي البلد الوحيد في العالم، الذي قطع علاقته بإسرائيل منذ عدوانها على العرب (مصر- فلسطين- الأردن- سوريا) في حزيران عام 1967، وحتى اليوم.
وهذه السياسة التضامنية لكوبا الثورة، والانجازات التي حققتها لشعبها وصمودها في وجه كل الضغوط والتحديات، قد أكسبتها مكانة مرموقة عالمياً، جعلت الرئيس الأميركي السابق أوباما، يقرُّ بفشل سياسة عزل كوبا، ودفعته لإقامة علاقات معها وزيارتها قبل انتهاء ولايته.
ومع ان الحملة الهجومية للإدارة الأميركية للرئيس ترامب وجون بولتون والمتطرفين في سلطته، تتصاعد ضدّ شعوب أميركا اللاتينية، ولضرب نجاحات الخيار الاستقلالي الديمقراطي اليساري، خصوصاً ضدّ النهج البوليفاري التشافيزي الآن، الذي يواصله الرئيس نيكولاس مادورو في فينزويلا، وتلفيق التهم لمنع الرئيس العمالي في البرازيل لولا داسيلفا، من الترشح للرئاسة، لأن فوزه، سيكون مضموناً، فإن كوبا تدرك أنها لن تكون مستثناة من هذه الحملة، لكنها تثق بشعبها الذي تغلّب بصموده على المخططات العدائية، واصبح أكثر تجربة وتمسكّاً بإنجازاته، وبمسار تحقيق الاشتراكية، ومواصلة الخطوات الإصلاحية الّلازمة. التي تلبّي حاجاته في ظروف كوبا الخاصة.