نادي الروّاد يحدثنا عن بيروت

0
0
0
s2smodern

يحاول الخطاب الاجتماعي المهيمن، أن يفصل السياسة عن كل قضايا حياتنا الإجتماعية، كما أن يجب التعامل مع القضايا بطريقة فردية، كالتحرش والتغلب على الفقر، أو أننا يجب توكيلها إلى من يعرف مصلحتنا أكثر منّا، أي إلى مخططي الإقتصاد وخبراء الإدارة مثلاً.

شكل المدينة وعلاقتنا بها هي أيضاً إحدى القضايا التي يتم سلخها عن السياسة، تحديداً عن دور رأس المال وموازين القوى بين أصحاب الرساميل والنفوذ والفئات المهمشة. هكذا، تغدو المدينة شكلاً فقط، ويتم تغريب كل ما يتعلق بالذاكرة، والمعاناة اليومية للناس، والمعاني التي تحملها عنها.
لذلك، قام نادي الرواد بتنظيم جولة في مناطق مختلفة من بيروت، مع المخططة المدينية جنى نخال، للتعرف على دور رأس المال والطبقة العاملة في انتاج شكل بيروت اليوم. ثلاث ساعات، قام خلالها المشاركون بالتنقل بين وسط المدينة، والصيفي، والجميزة، ثم الخندق الغميق والبسطة التحتا والباشورة وأخيراً سوق الأحد، محاولين فهم ما تحمله هذه المناطق من أبعاد سياسية وإجتماعية.
بدأت الجولة من وسط المدينة، ولكن هذه المرة، ليس لأن "سوليدير" هي "القلب النابض لبيروت" وأهم ما فيها. فقد كانت منطقة وسط المدينة هي المنطقة التي تقع داخل سور يمتد من محيط ساحة الشهداء وصولاً إلى جسر الرينغ ثم ما يسمى بساحة رياض الصلح الآن ("عالسور" سابقاً)، حتى باب السنطية الموازي للجهة الغربية للأسواق حاليًا، وقد كانت هذه المنطقة بمعظمها منطقة أسواق متنوعة البضائع يقصدها الناس من مختلف المناطق اللبنانية. تحولت هذه المنطقة، بفعل سياسة إعادة الإعمار إلى ما نعرفه اليوم ب"سوليدير". فبعد هدم منطقة الأسواق خلال الحرب، قامت شركة سوليدير بإعادة إعمارها، متبعة الشكل الكولونيالي الفرنسي. فتمّ بذلك، بالإضافة إلى خلق أسواق لا تناسب إلا أصحاب الثروات، لجعل وسط المدينة مكاناً محصوراً بالسيّاح وبالطبقة البورجوازية، ولإقصاء الفئات الأخرى التي إعتادت إرتيادها قبل الحرب. وكانت عملية الإعمار قائمة على سلب هذه المناطق من أصحابها، باشتراط سوليدير على أصحاب الأراضي والمباني إما إعادة الإعمار وفقاً لنموذجها وبشروط تعجيزية، إما بيعها للشركة. وهنا تتجلى سلطة رأس المال بأبشع صورها في سياسة إعادة إعمار بيروت. ومن السخرية، أن سوليدير اليوم قد أصبحت نموذجاً للإعمار في العديد من الدول العربية الأخرى، حيث شكل المدينة في تغيّر مستمر بفعل رأس المال.
إنتقلت الجولة تالياً إلى الصيفي، وهي المثال على ما يعرف بالمجتمعات المسوّرة(gated communities)، أي المجتمعات المنعزلة عن محيطها والمفصولة طبقياً عنها، والمحاطة بالحراس والكاميرات. كانت هذه المنطقة عبارة عن محترفات صغيرة ومناطق سكنية للطبقة العاملة، إلا أن إعادة الإعمار حولتها إلى منطقة تجارية وسكنية باهظة الثمن. إن التاريخ الذي تحمله هذه المنطقة، قد تشوّه بشكل مدروس وممنهج عبر سياسة إعادة الإعمار الجديدة.
ثم اتّجهت الجولة الى الخندق الغميق. كي نفهم كل بيروت، كان من الضروري أن نفهم "الوسط" أولاً، تحديداً أن نعيد التفكير في منطق الملكية الخاصة ورأس المال. في هوامش وسط المدينة، قصة جديدة لرأس المال. لم تتم إعادة إعمار هذه المناطق أو تطويرها، بل هي تتعرض الآن للمضاربة العقارية، أي يتم خفض أسعارها عمداً لشرائها من قبل أصحاب رؤوس الأموال، وتطويرها ثم إعادة بيعها بأسعار خيالية. وتجريد المناطق من سكانها يترافق بالطبع مع محاولة لطمر التاريخ، فضلاً عن التغيير الديمغرافي. فقد شهدت هذه المنطقة حركات مقاومة، بدءاً منذ فترة الإستعمار وأحداث سنة 1958، وكانت ملاذاً للعديد من النازحين، الجنوبيين والأرمن.
منطقة البسطة التحتا لها حكاية مماثلة. كانت تعرف هذه المنطقة بحوض الولاية، إذ كانت منطقة إستراتيجية مهمة بالنسبة للوالي العثماني. كانت تحتوي البسطة التحتا بسطات لبيع الأنتيكا أقامها أهالي الجنوب، أصبحت الآن محلات أنتيكا، وبعض العائلات لا تزال تمتلك هذه المحلات التجارية حتى اليوم. بعض سكان المنطقة ملاكون، والبعض الآخر مستأجرون. الفئة الأولى تتعرض اليوم لضغوطات من أصحاب الرساميل من أجل بيع أملاكها، أما المستأجرون، فيتعرضون للتهجير القسري، تحت ذريعة قانون الإيجارات الجديد.
أخيراً، قامت الجولة بالتوقف عند سوق الأحد، الذي يمثل حدود بيروت العقارية من جهة الشرق. كانت هذه المنطقة مركزًا أساسياً للمصانع والتي غالباً ما يتم إقصاؤها إلى أطراف المدينة. وتتقاطع هذه المناطق عادةً، مع مناطق اللاجئين والنازحين، كبرج حمود والنبعة والكرنتينا مثالاً في بيروت. كانت هذه المنطقة، ولا تزال حتى اليوم، تجاور أحياء ا لعمال والفقراء، إلا أنها تتحول يوماً بعد يوم إلى مناطق مشجعة للتهجير، في ظل تسليع الأراضي ورأس المال الذي لا ينفك يبحث عن فرص للربح. فقد أصبحت مركزاً مهماً لتدوير الأموال، وتم إنشاء العديد من المراكز الفنية النخبوية فيها. ثم كان من الضروري أن نناقش سوق الأحد، كأحد الأمكنة المنسية غالباً. هذا السوق، الذي يلبي حاجات الناس من مختلف الطبقات والجنسيات، كالكثير من الأشياء الأخرى، لم يولد عبثاً، بل إنطلاقاً من حاجة اجتماعية حقيقية له. وقد نشأ هذا السوق كرديف للأسواق البورجوازية كوسط المدينة مثلاً، بينما تم اعتباره عار على منطقة في طور التحول إلى حي بورجوازي.
إن فهم المدينة، بمناطقها المختلفة والمتنوعة وبتناقضاتها أساسي لفهم سياسة المدينة ودورنا فيها. وفهم العلاقة بين السلطة والمدينة، والتهجير القسري الطبقي، والمضاربة، إضافة إلى حدود المدينة، أيضاً أساسية لإنهاء تغربنا عن المدينة، والبدء بتخيل مدينة تشبهنا. ومن الضروري أن نتذكر أن رأس المال ليس محايداً، ولا يكتفي بالتطوير وإعادة الإعمار، بل أيضاً يعيد الفرز ويخلق اللامساواة والتهميش. فشكل المدينة ليس عشوائياً، ولا يخضع فقط لقواعد الشكل التي يفهمها القلة الخبراء منا. هناك رأس مال ينهش المدينة، يفرض علينا أن نعمل لنعيد حقنا بها.