جيم جارموش : مهاجر غريب في هذا العالم

0
0
0
s2smodern

 "لا شيء مبتكر أو مبدع. إسرقْ من أي شيء يشجع الإلهام أو يثير مخيلتك. إلتهمْ الأفلام القديمة، الأفلام الجديدة، الموسيقى، الكتب، اللوحات، الصور، القصائد، الأحلام، المحادثات العشوائية، المعمار، الجسور، علامات الشوارع، الأشجار، السُحب، المسطّحات المائية، الضوء والظل. إختر فقط أن تسرق مما يخاطب روحك مباشرة. إذا فعلتَ ذلك، فإن العمل الذي ستنجزه (والسرقة) سيكونان أصلييْن. أن يكون الشيء أصلياً هذا لا يقدر بثمن، ولكن الأصالة والابتكار والإبداع أمور غير موجودة. ولا تعبأ بإخفاء السرقة، بل إحتفل بها إن أردتَ ذلك. في جميع الحالات تذكّر ما قاله جان لوك غودار "الأمر لا يقاس بمِن أين أخذتَ الأشياء ولكنْ إلى أين ستذهب بها "
- جيم جارموش، مجلة موفيميكر، العدد ٥٣، ٢٢ يناير، ٢٠٠٤

كنت أظن أنّ الكتابة عن "جيم جارموش" سوف تكون سهلةً بالنسبة لي، ربما لأنه من أقرب المخرجين إلى قلبي، ولكنّ الحال كان مختلفاً. هو الذي عرف كل أنواع البشر، صادقهم، خرج معهم، عاش معهم، شاهدهم يتصرفون بطرقهم الصغيرة. الأماكن التي أمضى فيها وقتاً، وأشعرته بالفضول، بعد فترةٍ ذهب هذا الشعور تماماً، ولم يعد المكان جديداً. هنا يحين موعد الذهاب، الذهاب إلى مكانٍ جديد.
يقول توم وايتس: "السر لفهم جارموش يكمن في أنّ شعره شاب وتحول للرمادي عندما كان في عمر ال ١٥. لذلك أشعر أنه مهاجرٌ في حياة المراهقة. وهو منذ ذلك الوقت مهاجرٌ غريبٌ في هذا العالم، مفتونٌ بما يراه، وكل أفلامه تتحدث عن ذلك".

"إنه عالم حزين وجميل"
عندما سُأِل جيم جارموش "ماذا تنصح المخرجين الشباب؟" كان جوابه أنه شخصياً مازال يتعلم ويبحث عن الجواب.
"اختاروا أفضل الأشخاص لكي تعملوا معهم"، "ابقوا أفكاركم منفتحة ولا تمشوا مع السائد".
المخرج العنيد، رائد السينما المستقلة، الذي لم يرضخ للعروض السخية التي تقدمت له من هوليوود ومن أكبر شركات الإنتاج، وأصرّ على العمل منفردًا، وبطريقته الخاصة.
جارموش المخرج الأميركي من مواليد عام ١٩٥٣. كان يريد أن يصبح شاعرًا، حيث بدأ بدراسة الأدب في نيويورك، ومن ثم تحوّل إلى السينما. هو المولع بكلّ أنواع الفنون: الاخراج والكتابة والموسيقى. حيث قام بكتابة جميع أفلامه.
هو الذي لا يعجبه شيء، وفي نفس الوقت منفتح على كل شيء. يختار فقط ما يناسبه.
هو في بحث دائم، وفي نفس الوقت صاحب أسلوب محدّد في العمل من حيث البناء الدرامي، ونوعية الممثلين الذين عمل ويعمل معهم في أفلامه، إلا في بعض الحالات التي حاول فيها تقديم أفلام مختلفة عن أسلوبه "الجارموشي" المعتاد.
حائز على العديد من الجوائز خلال مسيرته، بالرغم من عدم غزارة إنتاجه، فمسيرته التي إمتدّت لأكثر من ٣٠ عاماً، قام خلالها بإخراج 12 فيلماً روائياً، وفيلمين وثائيقيين. السياسة غائبةٌ كلياً عن أفلامه على حساب الانحياز الواضح للفئات المهمَّشة والمشاكل الاجتماعية. أفلامه تطرح العديد من القضايا الفلسفية والأسئلة الوجودية. السخرية والكوميديا لا تغيب عن أفلامه.

الترحال والحركة الدائمة للشخصيات من سمات معظم أعماله، يحرص دائماً على تقديم الأماكن والمدن التي يزورها من وجهة نظر شخص غريب عنها. مع أفلامه نجول في شوارع وأزقة العديد من المدن.
معظم أعماله عبارة عن مجموعة أفلام قصيرة تشكّل معًا فيلمًا كاملاً. يجمعها زمان أو مكان أو قضيةٌ مشتركة. فمثلاً فيلم "قهوة وسجائر" الذي هو عبارة عن ١٢ فيلماً قصيراً صوّرهم جارموش على مدة ١٦ عامًا، مع عدد كبير من الممثلين. يجمع بينها الجلوس في المقهى والأحاديث والقهوة والسجائر. في "ليلة على الأرض" نرى خمسة أفلام - أحداث تجري في وقتٍ واحد في خمس مدنٍ مختلفة (لوس أنجلوس، نيويورك، باريس، روما، هلنسكي) وفي سيارات الأجرة. في فيلمه الأخير "باترسون" نرى ٧ أجزاء مقسمة على أيام الاسبوع. "القطار الغامض" يتألّف من ثلاث قصص تحصل في نفس الليلة في مدينة ممفيس، يجمع بينها فندق تقضي فيه الشخصيات الأساسية بعض الوقت.
قدم جارموش عددًا من الأفلام المختلفة عن أسلوبه المعتاد. فيلم "الرجل الميت" (من بطولة النجم جوني ديب) الذي ينتمي إلى فئة أفلام الغرب الأميركي، قصة "ويليم بليك" المحاسب الشاب الذي يأتي إلى الغرب من أجل وظيفة. هذا الفيلم مختلفٌ كليًا عن الأسلوب المعتاد لأفلام الغرب. و"طريقة الساموراي" الذي يقدّم لنا قصة قاتل مأجور يعمل لحساب المافيا الإيطالية، ويتبع لقوانين الساموراي القديمة. وفيلم "العشاق فقط تركوا أحياء" الذي يقدم لنا قصة حب "رومنسية جدا" بين مصاصيّ دماء. في هذا الفيلم تظهر المغنية اللبنانية "ياسمين حمدان" وهي تؤدي إحدى أغانيها في مقهى في مدينة طنجة المغربية، حيث تدور بعض أحداث القصة. وفي "أزهار محطمة" قصة "دون جوان" تصله رسالة مجهولة تُعلِمه أن لديه إبنًا، فيقوم بزيارة كلّ عشيقاته السابقات لمعرفة هويّة مرسل الرسالة.
في أفلامه نجد تنوعاً موسيقيًا فريدًا. من الجاز، إلى الروك، فالبلوز، والهيب هوب والموسيقى التجريبية. تعامل مع جون لوري في "أغرب من الجنة" و"القطار الغامض". مع توم وايتس في "ملاحق من القانون" و "ليلة على الأرض". مع نيل يونغ في "الرجل الميت" حيث قام "يونغ" بتسجيل الموسيقى مباشرة خلال مشاهدة الفيلم.
قدم جارموش فيلمين وثائيقيين. الأول "سنة مع الحصان" عن نيل يونغ وفرقته "الحصان المجنون"، والثاني عن "The Stooges" "أعظم فرقة روك اند رول في التاريخ" حسب ما يقول جارموش في بداية الفيلم.
أول ظهور له في عالم السينما كان في فيلم "عطلة دائمة"، كان فيلم تخرّجه من الجامعة. تبعه بفيلمٍ "أغرب من الجنة"، الذي يعتبره البعض من أهم أعماله، وقد قدم خلاله رؤية سينمائية جديدة من حيث عدم إعتماد تسلسلٍ منطقي لتطور القصة، والتركيز أكثر على الشخصيات وتطورها. وليس مصادفة أن يكون هذا العمل من ضمن قائمة المخرج الياباني الكبير "اكيرا كوروساوا" لأفضل مئة فيلم.
الإنطباع المشترك الذي يخرج به كلّ من يشاهد هذا الفيلم، أنّ باستطاعته هو أيضاً أن يقوم بكتابة وإخراج الأفلام، وذلك بسبب البساطة التي يتّسم بها. لكن هذه البساطة تخفي وراءها شيئًا مختلفًا تمامًا.
يقول جارموش أنه بسبب عدم وجود موادّ أفلامٍ كافية اضطرّ أن يصوّر لقطة واحدة أو "تايك" واحد لكل مشهد، ولكي يحلّ هذه المشكلة، ابتكر طريقة جديدة في المونتاج، وهي القطع بشاشة سوداء بين كل مشهد "مثل التنفس". كلفة إنتاج الفيلم كانت منخفضة جداً وأمّنها جارموش عبر قرض من البنك لشراء سيارة.
جارموش، الذي يجيد التلاعب بالحبكة، ولا يدعنا نخرج بنتيجة واضحة من أفلامه. البعيد عن الإبهار البصري. يعوضنا عن ذلك بمشاهدة توم وايتس وأيغي بوب يجلسان في المقهى ويتبادلان الحديث ويشربان القهوة وبعض السجائر. أليست هذه هي المتعة؟

أفلام جيم جارموش:
عطلة دائمة 1980
أغرب من الجنة 1984
ملاحق من القانون 1986
قطار الغموض 1989
ليلة على الارض 1991
الرجل الميت 1995
سنة الحصان 1997
طريق الساموراي 1999
قهوة وسجائر 2002
ازهار محطمة 2005
حدود السيطرة 2009
العشاق فقط تركوا أحياء 2013
باترسون 2016
Gimme danger 2016