بأي فيروز نحتفل؟

0
0
0
s2smodern

قيل إنها سفيرتنا إلى النجوم. وعليه هي بعيدة جداً. لكن قريبة جداً في آن.

في الطريق من قرى المتن الشمالي إلى ساحله، تمرُّ من جانب منزلها في أنطلياس. بيت يحميه سورٌ عالٍ، وبوابة حديد حفر عليها أول حرف من اسمها. إذًا هي هنا. تحاول استراق النظر لعلك تراها، لكن تفشل بإستمرار. لعل هذه هي سفارتها. نادراً ما يخرج أحدهم ليقول "لا أحب فيروز". الحالة شائعة عربياً، وليس فقط في لبنان. يصرّ الكثير من عشاقها على وصفها بالملاك. لكن هذا الإجماع يحمل بعضًا من الريبة. كيف لشخصية عامة أن تحظى بهذا الإجماع. ربما الأمر يعود الى أن فيروز هي عدة شخصيات في إنسان واحد. لا يحمل الأمر أبعاداً سيكولوجية، بل ينعكس في ما إختارت، أو ما اختير لها أن تغني.

في عيدها، بأي فيروز نحتفل؟
فيروز حليم الرومي؟ فيروز الأخوين رحباني؟ فيروز فيليمون وهبي؟ فيروز زكي ناصيف؟ فيروز زياد؟ فيروز ريما؟
في حالات التبعية هذه، ربما لا قدرة لفيروز على الاختيار، لكنها غنت بكامل إرادتها ريبيرتواراً يحمل تناقضاً، ينعكس رضاً عامًا عليها. يمكن الاستماع بعشوائية لأغانيها، فتنتقل بسرعة بين "بحبك يا لبنان" الى "عطيني خمس دقايق بس تسمع عالموسيقى"، ومنها الى "بيت صغير بكندا ما بيعرف طريقه حدا".
هي التي غنت للقدس والشام والعراق والمقاومة الوطنية، لكنها غنّت أيضًا بحضرة اليمين اللبناني في الوقت الذي كان يعيش مخيم تل الزعتر تحت حصار الإسرائيليين وحلفائهم في لبنان، ويشهد واحدة من أفظع محاولات الإبادة. فخلال حصار المخيم عام 1977، الذي دام 54 يوماً، إجتمع ذات ليلة في منزل الرحابنة في منطقة الرابية وفد من حزب الكتائب ضمّ كريم بقرادوني وميشال سماحة، ووفد سوري ضمّ ناجي جميل وعلي جوبا. كانت زياراتهم تأتي بحكم الصداقة. كان منزل الرحابنة يطل على المخيم، وفي الوقت الذي كان يشتعل فيه، كان المجتمعون يضعون موسيقى مصرية بصوت مرتفع، فيما أحدهم يرقص على الطاولات. يومها جلس زياد الرحباني على شرفة المنزل، ولحن على الغيتار مقطوعة تل الزعتر. وكانت هذه الحادثة أول محفز له للابتعاد عن جوّ عائلته. ففي أي منهما كانت أصدق؟ أجبرت على الغناء أو على كرم الضيافة؟
غنت الوطن الحلم. الوطن الرحباني. صورة مثالية لشعب متكافل ومتضامن، لا يعكر صفوه إلا راجح الغريب الذي أتى من بعيد. صورة يحاول جاهداً النظام رسمها في كثير من الأعمال الفنية التجارية والتافهة لدعم السياحة. وأيضاً غنت لصبحي الجيز. غنت للعمال، وبالتحديد لعمال النظافة، الفئة المنبوذة من فئة كبيرة من اللبنانيين. أسقطت المعايير المتعالية، وقالت "رح يبقى إسمي رفيق". لكن أَهي مع السياحة أم مع الرفيق؟
توصف أنها إله. ينبهر جمهورها بفيديو لها تضحك فيه وتبحث عن قلم. حركة طبيعية نقوم بها دون تكلف يومياً، أمّا أن نراها من فيروز فهذا لحدث رائع. في ظل حرصها على البقاء بين النجوم، وإصرار جمهورها على تأليهها، إلا أنها قد تفاجىء ضيوفها بتحضيرها القهوة بنفسها، ففي كتاب الياس سحاب "مع محمد عبد الوهاب"، تحدث عن زيارة قام بها الى منزل عاصي الرحباني برفقة عبد الوهاب، وتفاجىء بفيروز المرأة، "من الظواهر التي علقت بذاكرتي السمعية، من تلك السهرة حتى يومنا هذا، صوت عبد الوهاب وهو يتحدث، وصوت فيروز وهي تتكلم. فالحقيقة أن الفنانة الكبيرة فيروز، أدهشتني في تلك الليلة بساطتها بالتخلي عن دورها كفنانة كبيرة، وإكتفائها بدور ربة المنزل المضيفة. لكني مع هذا الإعجاب، فوجئت بأن صوتها عندما تتكلم، لا يشبه في رقته وشفافيته صوتها عندما تغني، بل كانت الطبقات الصوتية العريضة والخشنة أحياناً، هي المسيطرة".
هي الأم، التي فقدت إبنتها ليال، وتعمل على الاهتمام بإبنها ذي الاحتياجات الخاصة. وهي أم زياد الرحباني أيضاً. بكرها الذي تمرد على إرث الرحابنة في مسرحه وموسيقاه وكلماته، ولاحقاً أدخل فيروز في هذا التمرد، ليصنع لها صورة صادمة ومحببة للجمهور. فيروز ليست واحدة. فالاطار الذي وضعها فيه الأخوان رحباني، نقضه تماماً زياد. من لم يشاهدها تغني، يمكن أن يتخيلها في أدائها لأغاني الرحابنة، جامدة وصلبة على المسرح. أما مع زياد، فيمكن تخيلها تضحك ببساطة، وتتفاعل مع الموسيقى والكلمات. زياد أنزلها من بين النجوم، ووضعها بين الناس. غنت لهم، لوطنهم المتعب. غنت الحب كما هو، وليس ذلك المتخيل. الحب الواقعي، والعلاقات المعقدة.
بعيداً عن الشق الفني، هناك قطيعة باتت معروفة للعموم بينهما، بعد أن أعلن زياد بعضاً من مواقف أمه السياسية، وهي التي قالت عن زياد، نقلاً عن أعرابية، "يا حبذا ريح الولد، ريح الخزامى في البلد، أهكذا كل ولد أم لم يلد مثلي احد". فما كان لريما الا أن عملت على إنتاج البوم لفيروز، عبارة عن أغاني معربة. كثر حمّلوا ريما مسؤولية ضعف العمل، وآخرون إعتبروا أن فيروز غنت بملء إرادتها. وإن فعلت ذلك عن قناعة، فهذا يعود بنا الى دوامة التساؤلات. هي فيروز "كيفك إنت" أم فيروز "ببالي"؟
الخلاف مع زياد يعود لإفصاحه عن حبها للسيد حسن نصرالله. رفضت كل محاولات الصلح، وربما هو نوع من تأنيب أم لابنها المعروف بمشاغباته. لكن في الألبوم الأخير، غنت "imagine" لجون لينون. الأغنية التي قيل إنّ لينون قُتل بسببها، تحمل رسالة سياسية، بل وأكثر، رسالةً أيديولوجية. أن تقوم فيروز بغنائها، فهو نوع من تبنّي البعد الأيديولوجي للأغنية، وهو موقف سياسي أشدُّ وضوحاً من حبها لنصرالله. لكن إن أتى غناء فيروز لأغنية لينون بإعتبارها ترمز الى حقبة فنية، حيث أن الاغاني المنتقاة في الالبوم، برزت في حقبة زمنية، فهي تساهم بإفراغ الأغنية من معناها، وهذه مسؤولية.
هذه التناقضات في خياراتها الفنية شكلت حولها حالة إجماع. ففيها يمكن لكل الأطراف أن يعتبروا فيروز تعنيهم. لكل منا فيروزُه. لكن بأي فيروز نحتفل؟
الأرجح أن نخرج من فيروز في هذا اليوم، ونعودَ لنهاد حداد. فلنحتفلْ بهذه المرأة التي عانت ما عانته، لكنها بقيت وغنت رغم قساوة الأخوين رحباني عليها. غنت بعد موت إبنتها. غنت بعد قطيعتها مع إبنها. غنت لتملأ الدنيا فرحاً، ولم تغنِّ يوماً لفرحها هي، ولا حتى لمأساتها. لنتذكر في هذا اليوم أنها إنسان في المقام الاول، تحب وتكره، تفرح وتحزن. لنتذكر المرأة التي عملت طيلة حياتها على إرضاء الجمهور، ولم تستطع أن تصرخ غضباً، وتبكي علناً، فرحاً أو حزناً. اليوم تطفىء شمعتها ال82، بمفردها، في منزلها في أنطلياس، في وحدة أجبرت عليها الى حد تآلفت معها.
يُطلب منها الكثير، وأعطي لها القليل، قليل حد يمنعها من البوح عن أكثر لون تحبه مثلاً. تشن حملات عليها إذا تسرب للعلن رأيها بأي حدث أو أي شخصية. يطلب جمهورها أن لا ينقل أحدٌ عنها كلاماً لا تريد قوله. لكن إذا خرجت هي وقالته، إلى أي حد سيتقبله؟ حينها ستصبح فيروز واحدة منا، قادرة على قول ما تعجز عنه اليوم. فيروز تملك رأياً بكل الأحداث، وهذا أمرُ بديهيّ. لكن من غير المعقول بقاءها أسيرة جمهور يصرّ على صفتها الالهية، رافضاً الاعتراف بأنها إنسان، ولا يريد منها سوى الغناء. يكتفي بضحكة في فيديو لها أثناء تسجيل عمل جديد، أو حركة "مهضومة" في حفلة. في معرض حديثه عن أمه، قال زياد في إحدى مقابلاته إنها تملك حسَّ فكاهة عالياً. ألا يستحق جمهورها أن تخرج بكل طبيعية وتظهر هذا الجانب منها؟ على الأغلب أنها تفضّله عن كونها سفيرتنا إلى النجوم.