الفنون في مهب الرأسمالية

الفنون في مهب الرأسمالية * مخلّص العالم، ليوناردو دا فينشي، رسم زيتي على الجوز، 45.5*65.5 سم ( 1490 – 1519)
0
0
0
s2smodern

عن لوحة داڤينتشي وغموض القيمة

أقيم منذ أيّامٍ مزادٍ علنيّ لبيع لوحة " مخلّص العالم - Salvator Mundi " ، التي يُعتقد أنّها آخر لوحات الفنان العالمي ليوناردو دا ڤينشي المفقودة. أُنجزت هذه اللوحة في العام ١٥٠٠ تقريباً - ذروة عصر النهضة، بطلب من الملك لويس الثاني عشر، وفُقدت فيما بعد، لتعود وتظهر في العام ١٩٥٨ على أنّها نسخةٍ، لا الأصلية لأحد تلامذة داڤينشي وبيعت حينها ب ٥٩ $. إنتقلت اللوحة بين عدّة أيادي، بأسعارٍ كانت ترتفع مرّة تلو الأخرة، الى أن قام أحد الخبراء الفنّيين بترميمها ليتبيّن انّها فعلاً لوحة داڤينشي الأصلية. وفي حملة دعائية غير مسبوقة، عُرضت اللوحة في أكثر من بلد لاستقطاب الشريحة الأوسع من المهتمّين بالفن، وجمع اللوحات القيّمة ودور العرض وكبار التجّار. إجتازت كل التوقّعات، محطّمةً كل الأرقام القياسية السابقة، حيث بيعت بسعر ٤٥٠ مليون $ (٤٠٠ مليون ثمن اللوحة اضافةً الى ٥٠ مليون للرسوم والضرائب)، فيما لا تزال هوية الشاري مجهولة.

طبعاً هذه الحالة إستثنائية بعض الشيء، إذ إنّ هذا السعر يعود بشكل مباشر الى الحملة الدعائية، الدار التي توّلت عملية المزاد، اعتبار اللوحة آخر أعمال عرّاب النهضة ليوناردو داڤينشي، والأهم هو أن من اشترى اللوحة لم يدفع ثمنها فقط، بل دفع ضمنياً ثمن حيازه لقب "صاحب أغلى لوحة في العالم". ولكن بشكلٍ عام، لما كل هذا الاهتمام باللوحات الزيتية وعلى أي أساس تُضرب أسعارها الخيالية؟
تبدأ القصة مع إختراع وإستخدام الكاميرا وإستغلالها في عملية التسليع اي، تحويل كلّ شيءٍ الى سلعة، ونقصد هنا بالتحديد اللوحات الزيتية (الأوروبية في معظم الأحيان). انّ لوحةً ما، لا يمكن أن تكون الّا في زمانٍ واحد ومكانٍ واحد في اللحظة الواحدة. لكي نراها، كان علينا أن نقصد مكان عرضها ونتأمّلها بأمّ العين. وكانت اللوحة في علاقة عضوية مع المكان هذا، وفي الكثير من الأحيان شكّلت جزءً مكمّلاً للمبنى الذي فيه وُجِدت (كنائس عصر النهضة مثلاً) وكانت تحمل معنى محدد مرتبط بشكل أساسي بهذا المكان (وإن كان هذا المعنى يُفسَّر من عدة مقاربات(.
اما الآن، فاللوحة هي التي تأتي الينا - أو قل بشكل أدّق: إنّنا نرى صورة اللوحة وليس اللوحة نفسها. فإنقطعت اذاً الصلة الزمانية المكانية، وصارت اللوحة الواحدة حاضرة في عدّة ظروف متأثّرة بالبيئة المحيطة. ويكون اللجوء الى هذه اللوحات في معظم الأوقات من أجل التسويق لمنتجٍ ما. وصارت تحمل معنى يختلف من حالة الى أخرى، وإنكفأ نتيجة ذلك المعنى الأساسي. إضافةً الى العوامل التي تؤثّر على كيفية إدراكنا لما نراه، مثل موسيقى نسمعها ونحن نتأمل الصورة، أو إرفاق الصورة بتعليقٍ، أو نصٍ، أو حتى إجتزاءها، ونقل قسمٍ من اللوحة الأصلية فقط. لم يعد المعنى اذاً مرتبطاً باللوحة ذاتها - الموجودة في مكانٍ واحد وزمانٍ واحد - بل أصبح مستقلاً قابلاً للتنقل والتحريف.
في ظلّ هذه المعضلة، يبقى للوحة الأصلية ما يميّزها، فرادتها، أصالتها، إحساسٌ ينتابنا عند رؤيتها. لذا نجد في متاحف الفن كتيّبات ترافق هذه اللوحات وتتضمّن سنين من الأبحاث والدراسات لإثبات هذه الأصالة. إضافةً الى ظروف العرض التقنية والحماية المخصّصة لها. اذاً، لما كل هذا الاهتمام؟
بالطبع، ليس لما تمثّله اللوحة بذاتها ولمضمونها، بل بسبب قيمتها السوقيةmarket value ، المرتبطة بأصالة اللوحة (لسنا نتحدث هنا عن السياحة والكم الهائل من العائدات الذي تؤمنّه اللوحة بل نقصد قيمة اللوحة بالمطلق). ما هي هذه القيمة اذاً؟ ومن أين أتت؟
يشوب الفن هنا شيء من الغموض، "قيمة وهمية" مرتبطة بشكلٍ جذري بالقيمة النقدية للوحة ولكن يتم إظهارها على أنها مرتبطة بالثقافة والحضارة (وهنا دور الايديولوجية البرجوازية في لعب الدور الموضوعي لتمويه حقيقة المسألة). ان هذا الوهم كلّه، ليس في الحقيقة الّا بديلاً لما خسرته اللوحة عندما أتاحت الكاميرا إمكانية إعادة إنتاجها وخلعها من ظرفها المكاني/الزماني المحدّد. إنها حيلة أخرى من حيل ثقافة الأقلية الحاكمة.

عودة الى داڤينشي في الختام لتوضيح مسألة القيمة هذه. يُذكر أن لوحةً له (العذراء والطفل مع القديسة آن ويوحنا المعمدان) كانت بعيدة عن إهتمام الناس، وغير معروفة الّا من قبل طلّاب الرسم. في الستينيات عرض الأميركيون ما يقارب ال ٣ ملايين $ لشراءها. منذ اللحظة هذه، إكتسبت اللوحة نوعاً جديداً من التقدير والإعجاب، أصبحت فجأةً من أشهر أعمال داڤينشي، حتى أنها صارت أكثر اللوحات التي إبتاع السوّاح نسخاً عنها من المتحف. اذاً إكتسبت اللوحة قيمة وهمية بعد أن عُرض مبلغاً مرتفعاً ثمناً لها، علماً أن اللوحة بذاتها لم تتغير قبل وبعد العرض؛ إنها القيمة السوقية.
( للمزيد من التوسّع حول هذا الموضوع، مراجعة كتاب ووثائقيّ: Ways of seeing, John BERGER )