الفنون في مهب الرأسمالية: مرحبا حرية

0
0
0
s2smodern

"لقد إعتمدت هذه المرة موضوعاً حديثاً: متراساً. وبالرغم من أنني لم أقاتل من أجل بلادي، أقلّه عليَّ أن أرسم لها؛ الأمر الذي بثّ فيَّ بعض الروح الجميلة." هذه كانت كلمات الرسّام الفرنسي أوجان دولاكروا في رسالةٍ الى أخيه في ٢٨ أوكتوبر ١٨٣٠ أي، بعد ثورة تمّوز بشهرين ونيّف، تعقيباً على لوحة كان يرسمها تحت عنوان: الحرية قائدة الشعب - Liberty leading people.

بدايةً، فرنسا القديمة
كانت الثورة الكبرى والأولى في العام ١٧٨٠ وإستمرت ١٠ أعوام وأدّت إلى إطاحة النظام الملكي القائم آنذاك من أجل تأسيس "جمهورية علمانية ديمقراطية". في العام ١٨٣٠، كانت الثلاثية المجيدة - Les trois glorieuses لإسقاط هذه الجمهورية التي سرعان ما تحوّلت إلى حكمٍ ديكتاتوريٍ عسكري مشبّع الليبرالية. نتيجة هذه الأحداث وصل إلى الحكم الملك - المواطن لويس فيليب، وسرعان ما انتقل هو الآخر إلى معسكر الديكتاتورية. فكان لا بد، بطبيعة الحال، من ثورةٍ جديدة، فكانت ثورة ١٨٤٨ التي إستمرت ٣ أيام فقط قبل أن تُجهض بالقوة بعد قمع العمّال المنتفضين فيما بلغ عدد القتلى 100000 وتم ترحيل ما يقارب ٤ آلاف معارض. نختم مسكاً مع كومونة باريس - La commune de Paris ١٨٧١ التي كانت أهم التجارب الثورية وأكثرها تنظيماً في ذاك الوقت، خاصةً وأنها كانت الفاتحة العملية الأولى للنظرية الثورية الماركسية. لن ندخل في تفاصيلها، يكفي أن نذكر أنها إنتهت بما عُرف بـ "الأسبوع الدامي"، أعداد لا تحصى من الأسرى والجرحى والقتلى والمجازر بحق الشعب.

في لوحة دولاكروا
سندخل الآن في تفاصيل اللوحة. تصنَّف هذه اللوحة ضمن التيار الرومانتيكي. أنجِزت في العام ١٨٣١ تزامناً مع الثورة، وفيها تجسيد لحدثٍ تاريخيٍ واقعي ورمزي في الآن نفسه. ويظهر فيها أفراد يشاركون في الثورة في شوارع باريس.
نبدأ مع الشخصية الرئيسة: ماريان. ليست شخصاً حقيقياً، بل هي تجسيد مجازي للحرية، رمز، تعبير عن الفكرة التي تقود الشعب في ثورته. من هنا إسم اللوحة. أما صدرها العاري وطريقة رسم الثديين، فهذا يعود إلى الأسلوب المعتمد في العصور القديمة، وتتشابه بشكل كبير مع المنحوتات اليونانية، وفي هذا الفعل تثبيت لفكرة الديمقراطية التي نشأت في الامبراطورية اليونانية.
تحاول ماريان جاهدةً التقدم فيما تدوس على حجارةٍ مكعّبة الشكل مرصوصة فوق بعضها البعض، والحجارة هذه هي هي المستعملة في تشييد الأرصفة الباريسية. وهنا يرينا الرسّام تفصيلاً تاريخياً آخر، ففي أوّل لحظات الثورة، "فرط" الناس الأرصفة وأعادوا تشكيل أحجارها متاريس دفاعية للاحتماء خلفها. أما ماريان، فهي تقفز فوق هذه المتاريس، أي أن الثوار قد أمسوا الآن في وضعية هجومية، متّبعين إملاءات الشخصية الرئيسة، "الحرية"، وهي ترفع ذراعها عالياً إلى الأمام لحثّهم على التقدّم، في يدها العلم الجديد (الأزرق: الحرية، الأحمر: الأخوة، الأبيض: المساواة، شعار الثورة)، ملتفتةً إلى الوراء وترمي نظرةً فيها شيء من الطمأنة والتحريض لإستكمال النضال.
نرى أيضاً جموع الثوار تتقدم من الخلف من بين الغبار المتصاعد، ولكن نميّز ما بين الزحمة ٣ شخصيات لكلّ منها دلالتها الخاصة: على اليسار رجلٌ يرتدي ثيابا، ويحمل أسلحة تدل على أنه من الطبقة العاملة. بقربه رجل يرتدي بزة، ويعتمر قبّعة مرتفعة ويحمل بندقية صيد، إنّه برجوازي. وعلى اليمين مراهق يحمل مسدّسين وحقيبة ويرتدي زيّاً مدرسياً، إنه طالب. وهنا خطورة الثورة في انها عابرة للطبقات والأعمار والثقافة، إنها ثورة يشارك فيها الشعب كلّه.
في الأسفل جثث تعود للثوار والجنود، ونرى مراهقاً آخر يمد يده مستنجداً بماريان. وفي الخلفية على اليمين، كاثدرائية النوتردام - رمز المَلَكية والمحافظة، ولكن يرفرف على أعلاها علم الثورة.
يسيطر على اللوحة مناخ من الفوضى والعنف، وهذا الشعور معزّز بطريقة الرسم بخاصةً، حيث اخترق الرسّام عدة قواعد تقليدية ليعطي مفعول الحركة هذا؛ فنشعر أن اللوحة تصوّر لحظة محدّدة جداً وانها على وشك أن تتحرك في اللحظة التالية.
لهذه اللوحة، إذاً، أهمية كبيرة في الفن بعامّةً، وفي الثقافة الفرنسية بخاصةً، إذ أنها تشكّل منعطفاً من الناحية التقنية وتحمل كمّاً هائلاً من المعاني الظاهرة والمبطّنة وتمثّل في الوقت عينه تغيّراً سياسياً قد وقع في الماضي، ودافعاً معنوياً لكل التحركات الشعبية التي وقعت في ما بعد. فهي، في النهاية، تمثّل لحظة نصرٍ قريب، وتمجّد الشعب ممجدّاً الحرية.
فرنسا-اليوم
بعد هذا العرض الطويل المفصّل نسأل، لماذا مجّدنا التاريخ الثوري الفرنسي؟ لماذا شرحنا اللوحة هذه بالتحديد؟ وهل ما زال نسب اللوحة هذه الى فرنسا الحديثة نسباً متّسقاً؟
لنجيب، سنستأذن من دولاكروا ونضيف تعديلاً بسيطاً على اللوحة. وهنا يتجلّى التناقض كلّه، بين ما ترمز إليه اللوحة والفترة الزمنية التي تعود اليها، وبين الصورة المضافة والقمع والظلم الذي تمثّله والفترة التي تعود اليها. لم نغيّر بالمعنى كثيراً، فمن جهة اكتسب الثوّار الفرنسيون ثائراً أممياً يترأسّهم، ومن جهة اظهرنا التغيير/التدهور الذي شهده مفهوم الحرية إنطلاقاً من القرن التاسع عاشر وصولاً إلى ثمانينيات القرن الماضي ويومنا هذا.
تسقط إذاً، فرنسا وثوراتها وهي تحتجز في سجونها رمزاً من رموز الثورة الفلسطينية.
تسقط فرنسا وحرّيتها وهي ترمي خلف القضبان أسيراً حراً لبنانياً.
تسقط فرنسا وديمقراطيتها وهي الخاضعة للإملاءات والأوامر الأمريكية-الصهيونية.
تسقط فرنسا ووساطاتها العالمية وهي تعتّم على ملف مناضل أممي.
تسقط فرنسا-اليوم، إلى أن تعود لزمنها الثوري المجيد؛ إلى ان يعود جورج عبدالله.