أوبرا وينفري أو حين يعيد النظام إنتاج نفسه بصورة أقل قبحاً

0
0
0
s2smodern

  ليس من المستغرب أن تستلم "أوبرا وينفري" بكل ما تلقّاه خطابها الأخير من تشجيع و بتحويلها إلى أيقونة الشعب الأميركي للديمقراطية ووضعها بمقارنة مع دونالد ترامب، ليس من المستغرب إذاً أن تستلم أوبرا جائزة المخرج "سيسيل بي دوميل".

هذا الرجل عُرِف بنشاطه السياسي المحافظ وعمل في تصميم ثياب طلاب الحربية الأميركية بكل ما يحمله ذلك من فخر خدمة الجيش الأميركي، خدم أيضاً في مجلس "اللجنة الوطنية لأوروبا حرة\لجنة أوروبا الحرة" المناهضة للشيوعية والتي أنشأها عميل للوكالة الاستخبارات الأميركية، وموّلتها الوكالة لتعمل على نشر الفكر الرأسمالي في أوروبا ل"مقاومة" الفكر الشيوعي. برأيي أنها خير جائزة لخير داعمة للامبريالية الأميركية.
فمن فتاة معدمة وابنة عاملة منزل إلى ميليارديرة، اشتهرت أوبرا وينفري كمناصرة الفقراء والمعدمين في أميركا عبر برامج اجتماعية متعددة على التلفزيون، زادت نسبة متابعتها بازدياد التقديمات والمساعدات التي قدّمتها. تستقبل أوبرا في برامجها نماذج محدّدة، أشخاص فقدوا بيوتهم ووظائفهم بسبب الأزمة الاقتصادية، أوعائلاتهم وأصدقاءهم بسبب الإدمان على الكحول، فتواجههم أوبرا بمشاكلهم وتنصحهم وتأخذ منهم وعوداً بأن يكونوا أشخاص "أفضل" وبأن "يحبوا أنفسهم"...ثم تفاجأ الجميع بأنها قدّمت لهم بيوتاً وسيارات وحتى كلب صغير جميل، وقدّمت للجمهور علب هدايا.
هذه هي أوبرا، الحل المباشر الذي تطرحه الرأسمالية لأزماتها المتعدّدة.
أنتم فقراء؟ معدمون؟ تعانون من اضطراب نفسي أو إدمان أو إحباط بسبب فقدانكم لعملكم؟ سنقدّم لكم مالاً، أو سيارة أو بيتاً أو وظيفة. ابكوا أمام الكاميرا واشكروا أوبرا الكريمة المعطاءة التي توزّع الحب على الجميع، لكن لا تسألوا يوماً ماذا سيحصل لجيراكم الذين فقدوا بيوتهم في الأزمات الاقتصادية، أو للملايين من الذين فقدوا وظائفهم. الحلول تُقدّم هنا لأفراد، لعدد منتقى من البؤساء والبائسات، نتابع قصّتهم على التلفزيون لساعة، نتأثّر وننحاز لهم، ثم تأتي أوبرا بالحل السحري، فنرتاح لأن شخصاً واحدا من مئات ملايين البشر المقهورين، حصل على هدية، ونزيل عن كاهلنا النقمة على النظام.
والنظام؟ هل هناك من ذكر لدور النظام؟
لا تذكر أوبرا في حلقاتها التلفزيونية مع بؤساء هذه الأرض إلاً أساسيات الحلم الأميركي: ثقوا بالحلم، تقبّلوه، هو مصنوع من أجل راحتكم ورخائكم. إن كنتم فقراء أو مظلومين، فذلك لتقاعسكم عن العمل بكد وجدية. من النظام الرأسمالي حتى الذكوري، لا تذكر أوبرا الشكل الممأسس للظلم: هي أحداث متفرّقة من الاغتصاب وقمع النساء واستغلال العمّال، أحداث متفرّقة في عالم جميل، كامل، عادل. الظلم والاستغلال لا يحصلان بسبب نظام ما بل بسبب الطبيعة البشرية، بسبب عدد محدود من البشر السيئين الذين إن ابتعدنا عنهم سيكافئنا الحلم الأميركي بطلّته البهية.
في خطابها ذات النفحة الليبرالية الخالصة، خبّأت أوبرا نيّة ترشيحها للانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة سنة 2020. لكن من المضحك أن نقرأ الإعلام الأميركي يفقد عقله أمام هذا الخبر، فيعتبره فرصة النجاة الوحيدة القادمة، محاولاً ارتداء ثوب التقدمية ودعم النساء والملونين، بينما لا تمثّل أوبرا سياسياً إلّا أسوء كوابيس الطبقة العاملة في أميركا.
هذا، دون أن ننسى دور أوبرا المهم في "تسويق" اجتياح العراق وتدميره واحتلاله، وإقناعها للشعب الأميركي بمختلف طبقاته وأطيافه بأن الشعب العراقي يريد أن يتمّ احتلاله. ففي بلد يصنع إعلام النظام المهيمن آراء الشعب السياسية، شكّلت أوبرا أحد أهم أبواق بروباغاندا الحرب على العراق، بحيث استقبلت في تشرين الأول من عام 2002 مجموعة من الصحافيين والسياسيين الداعمين لحرب العراق، ومستشار السياسي العراقي أحمد شلبي (أحد أهم ملفّقي إثباتات حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل، والمتعامل مع العدو الأميركي خلال اجتياح العراق وبعده) ، سائلة إياه: "هل يريد الشعب العراقي من الشعب الأميركي أن يحرّره؟"، فأجابها: "بكل تأكيد".
"يجب أن تكوني قوية" تقول أوبرا للنساء، تماماً كما تقول للعراقيين "كونوا أحراراً" وكأن ثقل أنظمة قمع بكاملها لا تقع على أكتافهم. الحرية والقوة، لا تصنعها سوى شعوب حاربت من أجل حياتها، ونساء رفضت ظلم الآخرين كما رفضت الظلم الواقع عليها. وأوبرا إن أصبحت رئيسة للولايات المتحدة الأميركية، فهي لن تفعل ذلك سوى على ظهور كل الذين قتلتهم حروب الامبريالية الأميركية، والنظام الذكوري الذي أسكت النساء الفقيرات المقتولات المسحولات المغتصبات في شوارع الولايات المتحدة الأميركية، وسمح لميليارديرة باعتلاء عرش العالم.