الصورة بين الاستغلال والموهبة

الصورة بين الاستغلال والموهبة مروان طحطح
0
0
0
s2smodern

بكل خفة يظهر رئيس حزب الكتائب سامي الجميل متنقلاً بين أكوام النفايات التي تكدست على شاطىء كسروان، على إثر العاصفة الأخيرة.

قدمت العاصفة هدية إنتخابية مجانية للجميّل، فقبل إلقاءه خطاباً يحمل فيه مجلس الإنماء والاعمار ووزير البيئة والحكومة المسؤولية عما حدث، إلتقط مراسل قناة الجديد آدم شمس الدين صورة للجميّل متفقداً النفايات على البحر.

في تحليل الباحث رولان بارث للصورة، يقول أنها تحمل ثلاث مستويات/ رسائل، وهي تقرأ ثقافياً. الرسالة اللغوية، وهي الإسم، وتقسم الى الجملة المرفقة مع الصورة ودلالتها. التعريفات التي رافقت الصورة تقدم لنا هذه الرسالة: سامي الجميل، سياسي، ورث الزعامة أباً عن جد. الرسالة الثانية هي غير المشفرة، الصورة تعكس ما يحدث في الواقع، تأثيرها يأتي في طريقة ترتيب عناصر الصورة وهي موضوعة بالشكل المطلوب، ونحن هنا أمام زعيم شاب، يقدّم نفسه كقطب معارض للسلطة، يقف بين أكوام النفايات ليسأل ويحاسب. تناقض الزعامة والسير بين النفايات رسالة مثيرة للفئة الشابة. أما الرسالة الثالثة وهي الصورة المشفرة التي علينا اكتشافها، وهنا نستخلص الرسائل. هنا تلعب الألوان المهيمنة والخطوط الدور الأبرز. عناصر الكآبة تجتمع بصورة الجميّل، من تداخل الألوان العشوائي، انحناءة رأسه التي تضيف بعضاً من الغضب على الصورة، حتى البحر الذي يظهر بلون أزرق ممزوج بالبني. فيما تظهر النفايات في مقدمة الصورة.

قبيل الانتخابات ترتفع وتيرة المزايدات السياسية، لكن هذه الصورة لها وقع آخر، فهي وإن كانت جامدة، فهي قادرة أن تقدم خطاباً جماهيرياً، فهي تقول لنا "هذا نحن وهذا واقعنا". أزمة النفايات ترواح مكانها منذ عام 2015، فيما أقطاب السلطة قادرون على إستغلالها بشتى الطرق.

تقودنا هذه الإشكالية للبحث في قيمة الصورة الفعلية مع إنتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوّل الصورة الى أداة تجارية، ووسيلة إتصال تهدف الى بيع رسائل إنتخابية. هذه المواقع أقنعت روّادها بأن من يحمل هاتفًا ذكيًا بات تلقائيًا كاتبًا وشاعرًا ومصورًا. هذه الخفة سمحت لكل مقتنٍ لكاميرا محترفة أن يدعّي بأنه مصور. ولا يحتاج سوى لصفحة خاصة به على فايسبوك، فيستطيع إذذاك تذييل الصور باسمه خوفًا من السرقة. وغالبًا ما يترافق تحميل الصور بتعبير "بعدستي". موقع انستغرام مخصّص للصور، خلق مجتمعاً للمصورين لنشر اعمالهم، فبات كمعرض افتراضي. أما فايسبوك، فهو يولي الصورة الاهتمام الأكبر، إذ أن أول ما يطلب عند إنشاء حساب جديد هما صورة شخصية وصورة للغلاف، إلا أنه بات يهدف لتوثيق حياة يومية لمستخدميه.

ومبدأ الفن للفن، بتشعباته العديدة يصل الى الصورة كأداة. إلا أن ما يرسخ من فنون في ذاكرة الشعوب غالباً ما ينطلق ويتضمن فكرة أو أيديولوجيا. فالصورة بحسب بارث قادرة على تحريك وصنع الوعي، وكسر جمود الزمان والمكان. وسائل لتواصل أفسحت المجال لأي كان أن يحول الفن إلى سلعة. وبات الهدف الأساس هو الحصول على العدد الأكبر من المتابعين ولو اضطر الشخص أن يصور عروس واقفة على إشارة السير.

لكن هذه السرعة واللامبالاة بماهية الصورة، لم تطل الجميع. شذى شاهين، شابة عشرينية. تحمل دكتوراه في هندسة الإلكترونيات والاتصالات. من يتابع صفحتها الخاصة على الفايسبوك يلاحظ شغفها بالتصوير. تنتقل بعدستها بين طبيعة قريتها بينو العكارية ومنازلها ، إلى ضواحي باريس وآثار روما وسكان فيينا.

بدأت شاهين التصوير عام 2012، يوم دخلت أول كاميرا ديجيتال المنزل، من باب الحشرية والاكتشاف. بعدها انكبت على قراءة كتب ومقالات ومشاهدة فيديوهات تعليمية على يوتيوب عن تقنيات التصوير. في الوقت نفسه بدأت تضع الصور على الفايسبوك.

في البداية كان تفاعل الناس معها لافتًا، هنا بدأت تشعر بأن هناك شيئاً جديداً في صورها. ومع الوقت بدأت تنشر على مواقع مختلفة، فأيقنت أنها تمتلك موهبة. لا هدف محددا لشذى فيما تلتقطه عدستها، فهي تصور ما تشاهده، بمعنى ما تعكس نظرتها للمشهد أمامها وتختبر مدى قدرتها على إظهار ما تراه هي للناس. إذ تحاول من خلال الصور النظر من زاوية جديدة، من جهة، وترى كيف يمكن ان يظهر ما تراه بالعين المجردة على الكاميرا، من جهةٍ أخرى.

لا تلجأ الى وضع إسمها على صورها، "لا مانع لدي من ان يستخدم الناس صوري، لكنّني أفضّل أن يستأذنوني، وأقوم أحيانًا بإرسال صور لي لأشخاص يستخدمونها في مشاريع معينة". تعزو الأمر الى السهولة بأخذ أي كان صورة من صفحتها ونسبها لنفسه، "وحصلت كثيرًا، ربما لسهولة تحميلها على الفايسبوك ولاحقًا الاحتفاظ بها وإعادة نشرها. فالناس لا تعطي أهمية لحقوق النشر".

هناك عدد كبير من الأشخاص والمواقع التي تحمّل صوراً وتضعها دون ذكر المصدر، دون أن يكون هناك أي مجال لضبطهم، يقول مروان طحطح في حديث مع النداء. فالناس العاديون يقومون بهذا الأمر عن قلة معرفة واهتمام بذكر إسم المصور."عادةً نطلب ممن نعرفهم ذكر الإسم، وغالبًا ما يتفاعلون بطريقة إيجابية. في النهاية يتعلق الأمر بثقافة الصورة واحترامها. جلّ ما يمكن أن نفعله هو أن ننشر الوعي عن أهمية نشر إسم صاحب العمل الفني."
طحطح مصور صحفي بدأ التصوير بشكل محترف عام 2000 وتنقّل بين عدّة صحف. تعلّم التصوير من خاله، ودرس لاحقًا في المركز الثقافي الروسي. لا تغريه الطبيعة ولا المساحات الخضراء، بل يركّز في صوره على المدن، وبخاصةً بيروت، "ربما لأنني ولدت وكبرت فيها". تظهر العاصمة بصوره كما هي، من أبنيتها الشاهقة حتى أرصفتها، ومنازلها التراثية وقاطنيها.

أنشأ صفحة خاصة لصوره عام 2012 إلا أنّه لم يفعّلها، ثم عاد ونشط فيها منذ عامين. يومها لم يكن يهتم بالفايسبوك بشكلٍ عام، إلا انه بات مقتنعا بأنه لم يعد بمقدور أحد القفز من فوقه. يتعامل معه كمصور يحاول إظهار الصور وماهية فن التصوير ولا يهتم بعدد المتابعين، "أن يبقوا 800 شخص حقيقي أفضل من آلاف يتم شراءهم".

بالتزامن مع إعادة تفعيل صفحته الفايسبوكية، انشأ حسابا على موقع انستغرام. يتبع استراتيجيتين مختلفتين على الموقعين، إذ أنه لا يضع صورا كثيرة على الفايسبوك، إنما ينشط على إنستغرام لأنه مخصص للصور، ويتسم بالحرفية، إضافة إلى انه سريع وسهل. "ما أشاركه على إنستغرام يختص الصور فقط، ولا أضع صورا شخصية بل ما قمت بتصويره".

بدورها ترى شذى بأن إنستغرام مفيد للمصورين أكثر، إذ أن المتابعين هم إمّا مصوّرون أو هواة تصوير من أنحاء العالم. فالتفاعل هناك اكبر ويمكن للمتابعين ان يزدادوا بسبب الهاشتاغ، "لا اضع إلا ما قمت بتصويره؛ فالمهتمون بالتصوير يتابعونني، أما على الفايسبوك، معظم من يتابعونني هم اصدقائي وعائلتي". بشكلٍ عام انعكست وسائل التواصل إيجابًا عليها، فمكنتها من معرفة رأي الناس بصورها ممّا شجّعها لإكمال ما بدأت به كهواية. لكنها تلفت إلى أن هذه الوسائل أفسحت المجال للجميع، وبات هناك فائض من الصور.

"إن انعكاساتها مرتبطة بكيفية التعامل معها"، يقول طحطح. فالتصوير لا يهدف لجمع المال، هو فن بالدرجة الأولى. والتطور التكنولوجي بات حتمياً لكنه يحرص على أن لا يذوب فيه، بل يستغله لإيصال عمله. حتى مع التطور التقني في مجال التصوير، يبحث عن المعدات التي تخدم الهدف الذي يعمل عليه.

اعطت التقنيات الحديثة ومواقع التواصل شرعية للجميع للتصوير وتعديل الصور، لكنها لا تلغي دور المصورين. فبحسب طحطح، يبقى للمصور رؤية خاصة ولمسة خاصة،. هذه الطفرة لن تلغي قدرة المصور على تقديم مادة مختلفة. ربما بعد 20 عامًا سيتحول الجميع إلى مصورين صحافيين، حينها سيتميز المحترفون الذين سيعملون على مشاريع أو ملفات محددة لن يستطيع الأفراد العاديون القيام بها. فهو مثلاً يفضل تصوير آثار الحرب وليس أحداثها، لأن آثارها أسوأ بأضعاف منها وهو يقول بأنه من الصعب أن يقوم أي كان بالعمل على هذا الملف، "ينافسوننا بالسرعة ولكن ليس في الموهبة". يبقى التحدي المستقبلي لمن يريد ان يتميز بتقديم شيء جديد.

يرى طحطح بأن المتابعين لن يستطيعوا التمييز بين ما يعدّ صورة محترفة، وبين الصور التي تعدل على تطبيقات الهاتف، إلا أن المصور صاحب موهبة ستتمتع صوره دائمًا بميزة خاصة. أما شذى فقد لاحظت أن الناس تتفاعل أكثر مع الصور الطبيعية. فهم قادرون على التمييز بين لقطة جميلة وبين لقطة معدّلة. وهذا لا يمنع من استخدام برامج التعديل مثل الفوتوشوب وlightroom.، إلا أن هذا التعديل يعدّ احترافيًا. ويمكن للناس مثلاً أن يميّزوا الصور المعدلة على الانستغرام فهي لا تزال بدائية، مقابل ما يمكن فعله على فوتوشوب مثلاً.

يجمع كل من شذى ومروان على أن الصور الشخصية تحظى دائمًا بتفاعلٍ اكبر. في آخر زيارة له الى باريس، حيث نشر مروان صوراً من هناك، ثم عاد ووضع صورة مع والدته واعتبره أمرًا عاديًا، ليتفاجىء بعدد اللايك الذي نالته الصورة الشخصية بحيث لم تحصل أي من صوره غير الشخصية على هذا الكم من التفاعل. يعلّل طحطح الأمر على أن الصور الشخصية تؤثر دائمًا اكثر، "فربما تحول الفايسبوك إلى موقع بحت ترفيهي".