سينما الزمن غير الجميل: تاركوفسكي، كيشلوفسكي، كوستوريتسا

0
0
0
s2smodern

  يقول أندريه تاركوفسكي: هدف الفن هو تحضير الإنسان للموت والارتقاء بروحه حتى تكون قادرة على فعل الخير.


الموضوع في غاية البساطة - بالنسبة لي بالحد الأدنى- الأشياء الجميلة هي الأشياء التي أراها جميلة. مهما حاولنا وضع وتصنيفات ومقاييس، يبقى الأجمل هو ما تراه عيناك جميلا. لا يوجد موضوعية هنا ولا ديموقراطية ولا رأي أغلبية ولا تقييم، كل هذه الأمور تسقط أمام الرأي الفردي في الجمال.
الأجمل غالباً ما يحرّك مشاعرنا. مشاعر الفرح أو الحزن أو النوستالجيا. ربما ما أراه أنا مضحكاً لا يراه آخرون كذلك، وقس على ذلك.
في عالم السينما، هذا العالم الذي تمدد وكبر وما زال يكبر، مئات الأعمال سنوياً (ربما أكثر). الربح المادي طغى على الإبداع والجمال. شركات الانتاج والتوزيع حدّدت للجمهور ما يجب عليه أن يشاهد. ومن يحاول تقديم أعمال خارج مظلتهم سوف يجد صعوبة كبيرة في ترويج أفلامه وإيصالها للجمهور.
البحث عن أعمال جميلة خارج "هوليوود" ليس بالأمر الصعب. هنالك العديد من المخرجين العظماء لم تطأ أقدامهم أرض ميعاد السينما وقدموا لنا الكثير من الأعمال الخالدة التي لا يمكن أن تجد لها مثيلاً في أفلام هوليوود (هذا لا يعني حتماً أنه لا توجد أفلام جميلة وجديرة بالمشاهد).
تاركوفسكي، المخرج السوفياتي، الذي لفت الأنظار باكراً في فيلمه الأول "طفولة إيفان"، هذا العمل الذي يحتوي على أجمل قبلة في تاريخ السينما. في الغابة وفوق أحد خنادق الحرب وتحت صوت الرصاص يسرق الضابط قبلة من "ماشا".
"تكمن أهمية الفن أنه يحمل شوقاً إلى المثال".
في فيلمه الوثائقي "رحلة في الزمن" يقدم تاركوفسكي نظرته للحياة والسينما، من خلال أحاديث طويلة تتمنى أن لا تنتهي مع الكاتب الإيطالي تونينو غيرا. في هذا الفيلم وجدت حلا للغز طفولتي المتمثل بلوحة موجودة في منزلنا. هذه اللوحة الغريبة لشاطئ ليست سوى مكان في جنوب ايطاليا زاره تاركوفسكي أثناء قيامه بالبحث عن مواقع لتصوير فيلم "الحنين".
من تاركوفسكي ننتقل إلى كريستوف كيشلوفسكي، المخرج البولندي، الذي عمل لفترة طويلة من مسيرته في الأفلام الوثائقية التي كانت في الغالب عن مواضيع إجتماعية وإنسانية. قرر كيشلوفسكي الغوص في النفس البشرية والانتقال الأفلام الروائية لأنه حسب اعتقاده لا يملك الحق في استغلال مشاعر الناس العاديين وانفعالاتهم في لحظات معينة.
"قصة قصيرة عن الحب" الذي هو جزء من سلسلة من عشرة أفلام عن الوصايا العشر. يرجع بالحب إلى المفهوم الأولي والخالص. ربما أجمل مشاهد هذا الفيلم هو نهايته. عندما تجلس ماغدا مكان تومك وتشاهد نفسها في المنظار المكبر الذي كان يراقبها من خلاله.
أما "فيلم قصير عن الموت" يقدم أقوى حجة ضد عقوبة الإعدام. لا يبرّر كيشلوفسكي ارتكاب فعل القتل هنا، لكنه يقدم لنا مقارنة سيكولوجية بين القاتل والجلاد.
في "الحياة المزدوجة لفيرونيك" الذي تتزامن أحداثه مع التغييرات السياسية الكبيرة في بولندا أواخر الثمانينبات. مشهد موت فيرونغا على خشبة المسرح وهي تغني حيث نرى كيف كانت روحها تخرج من جسدها في تناغم جميل مع الموسيقى المرافقة للمشهد.
أما أمير كوستوريتسا، المخرج اليوغوسلافي العنيد، الذي بنى لنفسه بلدة يعيش فيها بعدما فقد مدينته سراييفو في الحرب. فقدانه لمدينته ليس بالمعنى المادي هنا. فهو يعتبر أن سراييفو التي ولد فيها ونشأ وقام بإخراج أفلامه الأولى اختلفت ولم تعد كما كانت. وما زال يرفض زيارتها، وأيضا نقمته على المهرجانات السينمائية العالمية ومعاييرها الغير منصفة جعلته يؤسس مهرجانه السينمائي الخاص.
"الحرب ليست حربا الا عندما يقتل الأخ أخاه"
أشهر أفلام كوستوريتسا هو "تحت الارض". عمل ملحمي تاريخي يحكي تاريخ يوغوسلافيا منذ بداية الحرب العالمية الثانية حتى اندلاع الحرب الأهلية وتقسيم يوغوسلافيا. في جوّ تراجيدي- كوميدي لا يخلو من السريالية والرمزية. موسيقى "غوران بريغوفيتش" كانت من العلامات الفارقة في هذا الفيلم.
الحرب كانت موضوع فيلم آخر لـ كوستوريتسا، هو "الحياة معجزة". يحكي قصة عائلية صربية تعيش في الريف البوسني وقت اندلاع الحرب. الفرح والحزن نجدهم سوياً في عدد من مشاهد الفيلم. أكثر المشاهد تأثيراً هو مشهد مبادلة الأسرى حيث يضطر "لوكا" لمبادلة حبيبته البوسنية "صباح" لإطلاق سراح إبنه الجندي في الجيش اليوغوسلافي.
قدم كوستوريتسا أعمالا خارج موضوع الحرب منها "زمن الغجر" الذي تدور أحداثه في ضواحي سراييفو الفقيرة. يدخل المخرج هنا إلى عالم الغجر الجميل، من يومياتهم وعاداتهم الاجتماعية. يقدم لنا احتفال عيد الربيع "النوروز" بطريقة جميلة جداً.
الفيلم الوحيد الذي صوره كوستوريتسا خارج يوغسلافيا كان "حلم أريزونا". كوميديا سوداء تتأرجح بين الاحلام والواقع، بين السريالية والواقعية. دخل كوستوريتسا في حالة نفسية صعبة أثناء تصوير هذا العمل حيث توقف لمدة ستة اشهر عن التصوير والسبب كان بعده الاضطراري عن بلده. يمكنني أن أقول بكل ثقة أن هذا هو فيلمي المفضل على الاطلاق، لم أشاهد في حياتي فيلماً مشابهاً له.