ماذا بعد "سبيلبرغ"؟

0
0
0
s2smodern

 تتلو "ليال ضَو"، المقدِّمة الحالية لبرنامج "قدح وجم" للمخرج شربل خليل المُبَث على قناة الجديد، بلكنتها التهكمية المعتادة، خبرا عن مساعي "مبهَمة" لما سُمي ب"حركة مقاطعة اسرائيل" من أجل عرقلة صدور فيلم "The post" للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ في صالات العرض السينمائي اللبنانية.

نستخلص على الفور أن هذه الحملة "التطرفية الشاذة"، "الباغضة للفنون والمناهضة للحضارة"، لا تزال تواظب ممارسة "إرهابها الفكري"، متلطية خلف حجة وهبِهِ اسرائيل مبلغاً هائلا يطال المليون دولار إبّان عدوانها على لبنان في تموز وآب ال2006. هكذا يريد خليل إفهامنا، وهذا هو ما يبتغي تجذيره، بحنكة تبدى على معالمها بعض العطب.

الخبر يبدو مقتضباً ومطوَّقاً بالسطحية، أما "السكيتش" الذي سيتبعه، فلن يدانيه إلا ازدراءً وإسفافًا. هو أيضاً لن يشذ عن وجهة النظر العنصرية، المسخفة لمفهوم المقاطعة وآلياتها، التي عمد المخرج على إرفادها طيلة حلقته.

فور انتهاء المشهديّة القصيرة، يفترّ "جمّ"، النسخة القماشية المصغَّرة عن شربل خليل، ضاحكاً. ثم يعود ليدلي بكيل من أحكامه الاستباقية الجاهزة على الملأ، بفكاهةٍ لن يصعب على أي مُشاهد، أن يجدها بليدة ومصطنعة. في دقائق لاحقة، لن تواتي الدمية أي حكمة حينما تردف ساخرةً:" بالطبع أوافق منع عرض الفيلم، وكل فيلم في السينما. حتى أنني أطالب بوأد الفتيات وحظرهن من قيادة السيارات، لكنني لن أكبح نفسي عن دعم النكاح والمتعة". أمد الابتذال لن ينتهي هنا، يُصرّ خليل على استتمام جميع شروط المحتوى السوقي، وإفراغ كل ما يختمر في جوفه من إساءة، في أغنية عن "شباب هالأيام"، لا تخلو من الإيحاءات الهازئة من قضية المثليين والساعية لتنميط صورتهم.

التعليق الساذج المذكور، الذي بلغ ب"طرافته الزائدة" حدّ الوقاحة، ليس ارتجاليّا، ولا هو مجرد تفصيل ينأى عن أجندات تحريضية وتحويرية يُعد لها مسبقاً. في الحقيقة، هو ليس مغايرا عن ما اكتنفته حلقة "كلام الناس"، التي استضافت المخرج زياد الدويري، من ترويج علني لفكرة التطبيع مع "الكيان الرحيم"، والتشجيع على خلع "جلباب التخلف والرجعية" في سبيل إحقاق السلام واستحقاقه، كما فعل الدويري من أجل ضمان ترشيح أوسكار في فيلمه المثير للجدل الأخير "قضية رقم 23".

على هذه الشاكلة من المونولوجات الاستعراضية، زخرت برامج الشاشة اللبنانية طيلة الأسبوع الفائت، وراحت ترشح بزيتها فوق نار الجدل. أما الرأي العام المعني، فما كان له إلا أن أضحى، مُرغماَ، وقيعة التشرذم والإحباط.

في العادة، وكما الحال في دول الديمقراطيات المُفترضة، التي يدّعي الكثيرون من معارضي المقاطعة مناصرتها، يكون للحق، بوجهتيه الإنسانية والقانونية، حصانة دستورية ووطنية جمعية، تحجم عنه أيّ تداولٍ وتجريح، وتقيه من شرار أي جدلية أو ملاسنة قد تحيق به، أو قد تقوّض من أهميته. لا بل قد يترتّب في بعض الأحيان، عن الطعن في هذا الحق وخيانته، مقاضاة ودواعي قانونية مطولة.

اليوم، في حالة صاحب فيلم "The Post" و "shindlers list"، وعلى الرغم مما يُعهد لهذا الداعم للصهيونية من إبداع فني وريادة وافريْن، الحق معروف وليس هناك عن صدقيته مساءلةً. أما ما تسعى إليه براثن الاحتلال الثقافي وما زالت تسعى دؤوبةً إليه؛ فليس سوى الاجتثاث من عظمة حقنا في مقاومة أدواتها ولو بشكل سلمي، والتشويش على هذا الحق الانساني البحت، غير الديني أو العرقي أو الأيديولوجي كما يتم الترويج له. لا بل هي تدأب أيضا على شيطنة فعل المقاطعة الثقافية والاقتصادية لمنظومتها الطفيلية، التي لطالما أمعنت تهديماً وبطشاً بمن لا ذنب لهم سوى أنهم نشأوا وعاشوا في نطاق أطماعها الجغرافي.

هذا الاحتلال يدرك اللعبة جيدا، لذلك نراه في الأوقات الحاسمة، محركاً بيادقه الداخلية، ومحرضا إياها على تلبية واجبها الاعتيادي: تأليب آراء أكثر الجماهير تضرراً من سياساته وإجراءاته القمعية، وحملهم على تقبله عبر التمسك بديباجة "حرية التعبير المُستَلبة والمقصومة"، وعبر غيرها من ذرائع الليبرالية المستهلَكة.

من هنا، ولو جرت معاينة قصيرة لأكثر المعطيات التاريخية والإنسانية بداهةً، تبدو أي مساجلة في موضوع أحقية المقاطعة، أمرا اعتراضياً وواهياً، لا بل مقلقاً، ويستدعي طرحا لعلامات استفهام كثيرة حول آراءٍ وطروحات عديدة، تحتكر لذواتها "حقوق الإنسان وحرياته"، ثم تعود لتنقضها بكل قِحة، متأبطة رايات السلام المزيف نفسه...!!

كيف للأمر أن يكتنز هذا الكم من الإزدواجية؟ ومن هؤلاء ليخطوا معايير الحق حسب مشيئتهم، ويعبثوا بجوهره الأصيل؟ من هم يصنفون ويقررون عن شعب بأكمله، أعياه الاستيطان باستكباره، وأحكم على استمراريته بالخناق، وهو أعلم بمصائره؟ الواقع وإن أمسى مربكاً وشبه مظلم بالفعل، إلا أنه ليس في ذلك أي مدعاةٍ للتهادن والارتماء في حضيض العار والتطبيع، في حين أنه يتوجب علينا شد الأواصر ومقارعة هذا الأخير بكل ما أوتينا من عزم، أو على الأقل بما استطعنا إليه سبيلا.

على بعضنا أن يدرك أن ليس للإبداع عذرا في حال اعترته نوايا تخريبية وترويض فكري ضمني، وأن الثقافة لم تكن، ولن تكون مجتزأة، ولا منفصلة عن محيطها السياسي وأزماته، لا بل هي قد تكون أشد فتكاً ووطأة من أعظم الأسلحة وأكثرها إهلاكاً، واختراقها بات اليوم أكثر فعالية وخطورة من أذكى الاستراتيجيات القتالية وأكثر المناورات العسكرية جهوزيةً وشمولية.

لذلك فإن الإحتماء بمبدأ العدول عن المقاومة الثقافية، تحت ذريعة تجنب "الإرهاب الفكري" (المختَلَق)، والاستئثار دائما بدور الضحية، ليس إلا بمحاولة فاشلة لتمييع القضية الأم وتشتيتها. أما وبالنسبة لما قد يشوب عملية المقاطعة من ثغرات وصدوع تسلتزم معاينة وإعادة في النظر، فحتماً لن يكون علاجها كامناً في التشهير المشخصن والعشوائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو المنصات الإعلامية، وإلا فإن حقيقة الغرض منه تكون تشويهاً وإعطاباً لا أكثر، وليُعترف بذلك بالفم الملآن، بدل الإسهاب في حجج جوفاء، لا يؤويها منطق ولا يرتضي بها عاقل.