الحقيقة الجبرانية... في الوجه الآخر لجبران

0
0
0
s2smodern

-1-
كتب ميخائيل نعيمة في كتابه: "جبران خليل جبران":


يصف رحلتهما الى إحدى الشلالات ف إحدى المزارع القديمة في نيويورك، وأثناء العودة توقف جبران وضرب الطريق بعصاه ونادى نعيمة قائلاً:
ميشا انا نبأ كاذب؛ ثم أطرق ينظر الى الشلال صاعقاً...
وهنا يقول نعيمة: لست أذكر وقفة كانت أبعد أثر في نفسي من تلك الوقفة ومن كل ما قاله لي منذ التقينا حتى إفترقنا!...
لكن نعيمة لزم الصمت، لم يقل كلمته في: أنا نبأ كاذب!...
فهل صحيح أنه كان نبأ كاذب؟...
وكيف؟... ولماذا؟...
إننا لن نعثر على جواب في كل ما كتب عن نبؤة جبران مثلما شكرالله الجر في كتابه "نبي أورفليس"...
ومن أجل العثور على جواب الذي يقطع قطعاً ويزيل الشك وكل إرتياب: يجب لزوم ما يلزم أن نقرأ ما كتب رياض حنين في كتابه: الوجه الآخر لجبران...
-2-
في الوجه نقرأ ما يلي:
من الاساطير التي ردتهاعلى مسمعي إحدى العجائز في بشري:
ان رجلاً جاء الى جبران وطلب منه أن يرسم له صورة أبيه الميت ولم تكن له صورة...
فسأله جبران:
- وماذا كان يشتغل أبوك؟
أجاب:
- كان نجاراً.
فقال له جبران عد اليّ بعد أسبوع تكن الصورة جاهزة...
ولما سألتها: "كيف توصل جبران الى ذلك؟...
وهو لم ير الرجل فهل كان يشبه إبنه؟...
قالت: لا بس عرف شو كان يشتغل عرف شو كانت هيئتو!... حدا بقلك نبي!..."
ويتابع رياض حكايته مع نبؤة جبران في إيمان تلك العجوز!...
وكان جبران منذ صغره تبدو عليه امارات النجابة وفيه عطش الى المعرفة؛ يحلم بالدخول الى المدرسة وإقتناء الكتب على أمل أن يصبح شهيراً.
أما والده فكان يريده أن يسير وراء قطعان الماعز والغنم.
وعندما جاء عيد الميلاد سنة 1893 ذهب جبران برفقة والده الى معايدة الشيخ راجي الضاهر وتقديم واجب الطاعة والولاء للمشايخ ورجال الاقطاع!...
وفي الصالون الكبير وسط حشد من أبناء بشري وقع نظر راجي على جبران يسير شيئاً في اذن والده، فنهر خليل يسأله:
شو بدو الصبي ياخليل؟...
بدو يتعلم، الله يديمك يا بيك، جبران بدو منك توصية لمدرسة مار يعقوب!...
فقال البيك ساخراً:
روح يا صبي. روح شفلك شي عنزتين رعاهن في حرش مار سركيس.
لكن الصبي وقف فجأة وصرخ:
بكرا رح فرجيك يا بيك كيف جبران رح يتعلم...
ورح يجي يوم... هونيك في حرش مار سركيس راح تركع وتقول: ها الصبي كان أكبر من صبي.. كان "نبي"
-3-
ومرّت الايام وتبعتها تسع وثلاثون سنة. وإذا جثمان جبران ينقل في إحتفال مهيب من كنيسة يوحنا الى مقبرة الاخير في دي مار سركيس!...وفي ذلك اليوم، وقبل أن يختم ذلك الاحتفال...
وقف البشراويون مدهوشين امام مشهد شيخ عجوز تجاوز التسعين من العمر، يركع أمام الضريح وهو يردد قائلاً:
جبران كان أكبر من صبي... كان "نبي"...
لقد كان ذلك الشيخ راجي الضاهر... وتذكر الحاضرون ما قاله له: جبران!...
وعلينا أن نتذكر ما قاله جبران على لسان خليل الكافر في الارواح المتمردة محرضاً الفلاحين ضد إقطاع التحالف الكنسي والسياسي...
وأن نتذكر أكثر ما هتف به جبران في ليلة العيد:
انا الثورة... أنا العاصفة. ونردد بعده ما قاله السيد المسيح: لقد جئت لألقي على الارض سيفاً لا سلاماً...
*****
لقد كان جبران في مطلع شبابه مناضلاً جعل الكلمة سلاحه فحملها بصدق ووفاء... لكنه ولأسباب... لسنا بحاجة لذكرها، ألقى سلاحه وأرتمنى بكلمته الاخيرة التي كان يحلم أن يقول غيرها، في هياكل طوباوية النبي حيث أضاع: أنا الثورة... أنا العاصفة...
فقال وفي نفسه حزن ومرارة من الاسباب التي دفعته الى أن يقول: أنا نبأ كاذب...
بدلاً من أن يردد: أنا الثورة... ان العاصفة...
لكن حقيقة الوجه الآخر تحتم علينا أن ننظر الى جبران بعين الأنصاف... لا تحريف... لا مبالغة... لا نبؤة مع نبي أورفليس...
لقد كان جبران في بشري كما كان في بوسطن... إنساناً شريفاً... يمحو آثار أنا نبأ كاذب... وأكثر كثيراً تلك النبؤة التوراتية التي الصقوها زوراً على باب قبره في دير مار سركيس!...