سمير سكيني: يعيد زرع الأقحوان في الشياح

0
0
0
s2smodern

 أن تكتب رواية في بداية سنواتك العشرين، نوع من مغامرة، خاصة وأنك تدخل في مجال تتربص به أعين الأدباء والمفكرين. هو تحدٍ ربما، أو مجرد إختبار. إلا أن سمير سكيني لم يأبه لما سيُقال وكتب رواية "الاقحوان ينبت في الشياح" (دار الفارابي)، ليعيد فتح دفاتر عائلته وفقدانها لإبنها سمير خلال الحرب الاهلية اللبنانية.


صدفة تفتح الكتاب لتظهر أمامك صورة بالأسود والأبيض، كُتب في أسفلها "سمير مع خطيبته في أحد الاحتفالات". الترسبات الاجتماعية تقودك الى تحليل سريع أن سمير الكاتب، هو حفيد سمير، بطل الرواية. الفضول يدفعك إلى البدء في الرواية، على أن تكملها لاحقاً. لكن محاولتك تبوء بالفشل، لتكتشف هنا، وتعترف أن الرفيق يعرف كيف يكتب رواية.
من صفحة إلى أخرى، من فصل إلى آخر، لا وجود لسمير هنا. يوجد جمال، وشقيقه خالد. وهناك أيضاً الأستاذ "م". بدا واضحاً أن المقصود به الشهيد مهدي عامل. حتى أن سمير قد خصص فصلاً كاملاً لعرض تحليل مهدي عامل لأسباب الحرب.
يوجز سمير حقبة لم يعاصرها، بل فهمها، مثلنا جميعاً، وفق ما سمعه من آبائهم، وما قرأه عن تلك الحقبة. عوضاً عن الغوص بيوميات الحرب، إختار أن يوثق حياة شاب إستشهد وهو في الخامسة والعشرين من عمره، بعد فترة وجيزة من تخرجه من كلية التربية في الجامعة اللبنانية. قدم تفاصيل بسيطة تكسر الصورة النمطية للمثقف. هنا سمير أنيق، يحب ويرقص، حتى أنه رحل وهو في طريقه للاحتفال بنجاحه في الجامعة، برفقة حبيبته.
هم الذين رحلوا بطرق متشابهة، تجعل تفاصيل إكتشاف خالد إستشهاد شقيقه جمال، لحظات موحدة عايشها كثر في الحرب، ورغم ذلك تتشبث بتلك الأسطر القليلة المتبقية من الفصل كي تفرح بأن جمال لا يزال على قيد الحياة، وأنه يحتفل بنجاحه.
ربما لن يعني لك شخص لم تعرفه، فقط لأنه من العائلة. فكثيراً ما تتجمد مشاعرك تجاه أفراد من عائلتك مِن مَن لا يزالون في محيطك. لكن يبقى لمن رحلوا في سنوات الحرب عواطف خاصة، ربما لأنهم أبقوا آخر صورة لهم شباناً شابات تضج بهم الحياة، وما قد تسمعه عنهم يوقد في داخلك سيناريوهات مغايرة للحقيقة، فتتمنى لو عرفتهم. أعاد سمير إحياء السنوات التي عاشها عمه، الذي يحمل إسمه، تحية للذين رحلوا صغاراً، وإستطاعوا أن يحفروا عميقاً في جيل لا يعرف عنهم سوى بضع صور وأقوال وروايات. وجوه آمنت بما نؤمن به اليوم، ولم ترحل كي نرمي خلفنا ما ناضلوا من أجله، إن لم يكن وفاءنا للمبادىء، أقله ليكن وفاءً لأحباءٍ لم نعرفهم إلا بدموع ذوينا.