محطة المرّ في كوكبٍ آخر

0
0
0
s2smodern

 يبدو أن الساعات التي نقضيها على مقاعد جامعاتنا ندرس "الإعلام" وأخلاقياته، لم تعد مجدية اليوم بعد تصريح ميشيل المرّ، المدير الفني لقناة ال mtv، عن أن محطته الإعلامية تطال جمهوراً معيناً من طبقة إجتماعية معينة وذي مستوى علمي عالي، لا تطاله باقي محطات التلفزة.

تشعر للوهلة الأولى أنك قد أضعت وقتك في دراسة أخلاق المهنة، وتخالها سقطت عن غيمة أفلاطونية لا مجال لها لتتحقق. لكنك سرعان ما تتلقّى صفعةً تعيد رجليك على أرض الثبات، لتذكّرك بحقيقتهم التي لم تتغير يوماً، وعلى أكبر التقدير أنت من غفل عنه في المرحلة السابقة.
لا شك أن إعلامنا اليوم مريض يكاد يلتزم فراش الموت، ولا شك أن ال mtv ليست المحطة الوحيدة التي تناست مواثيق الشرف والأخلاقيات، بل انها تحتل الصدارة. بتعريفها، وسائل الإعلام، هي وسائل جماهيرية تتوجّه إلى جميع فئات المجتمع وتحمل مسؤوليات تجاه هذه الجماهير. لكن لقناة المرّ ومديرها رأياً مغايراً، إذ انهم يعدّون برامجهم ونشراتهم لطبقة معيّنة من الشعب، وهي الطبقة ذات القدرة الشرائية الكبيرة. ولعلهم غفلوا أننا في عصر أصبح التلفاز فيه بمتناول الجميع حتى الفقراء الذين يشكلون ثلث سكان لبنان، حسب آخر إحصاءات أجراها البنك الدولي، أي أن ثلث سكان لبنان يعيشون بأقل من 3000 ليرة لبنانية في اليوم الواحد، لكن هذا لا يهم ميشال. تشعر للحظة أنك قد تذهب للقائه لتخبره أن ثمة هوّة بين محطته والطبقة الفقيرة التي لها حقٌّ عليه بأن يحيطها بالمعلومات اللازمة، وبمصطلحات تألفها هذه الطبقة، وبأن لا تكون إعلاناته تتمحور حول القصور والفيلات، وبأن ثلث سكان لبنان لا يعنيهم من التقى بمن بقدر ما يعنيهم سعر رغيف الخبز اليوم، و الأهم أن لهذه الطبقة حقٌّ بأن تجد إنعكاس حالتها على هكذا محطات لايصال صوتها للقيّمين على البلد. الا أن ال mtv مغيّبة عن الواقع ومغتربة عنه، فإذا كان المرّ لا يعلم بقهر شعبه مصيبة، ولكن إذا كان يعلم ويصرّ على إعلانات العطور الفرنسية مصيبة أكبر.
و قد درسنا وراء المقاعد أيضاً أن الإعلامية لا يجب أن تظهر على شكل "جسد"، أي يجب ألّا تضع المشاهدين في ريبة بين الإنتباه على المضمون أو الشكل. و لا شك أن صور المذيعات اللبنانيات عموماً، ومذيعات ال mtv خصوصاً قد بدأت تتردّد إلى ذهنك. وصف ال mtv بالكوكب هو أدّق وصف وأكثرهم إنصافاً لهكذا محطة، فليست أخبارها فقط منعزلة بل شكل مذيعاتها "من غير كوكب" حتى أن نساءَنا باتت تشكّ بملامحها أمام المرآة. "يلا انتِ حلوة بكرا بياخدوكي ال mtv" هذه من أكثر النكت سذاجة تتعرّض لها طالبات الإعلام، لكنها واقعية إلى حدٍ ما، فالشعب اللبناني ينتظر النشرة الإخبارية على محطة المرّ، ولا يسمع منها شيئاً، لكن المرّ أصلاً لم يقدّم مادة إخبارية قديرة لأنه يعلم أنه أجلس أيقونة جمال وراء الشاشة مع شعرٍ مصفّف ووجه باربي، مع فتحة عند الصدر لتخبرهم أن إنفجاراً قد وقع اليوم. لا أعلم حقاً ما العلاقة بين نشرات الطقس وعارضات الأزياء، في بعض الدول تلبس مذيعة الطقس ثياباً للثلج لتخبرك أن عاصفة ثلجية مقبلة، أما على قنواتنا، وبخاصة ال mtv، تحتار ما إذا كانت المذيعة تحاول ان تخبرك بعاصفة مقبلة... أم هي بطريقها إلى سهرةٍ في الكازينو.
ما يستحق الذكر فعلاً هو إصرار المرّ على أن متابعي ال mtv يجب أن يتمتعوا بمستوى علمي معين، أنا شخصياً لم أستغرب هذه المقولة بل محوت من ذاكرتي كل ما تعلمته عن أن الإعلام يجب أن يراعي المستوى الثقافي للشعب، ويجب أن يستخدم مصطلحات تتلاءم مع الأمي حتى، لا داعي لهذه المعلمومات بعد اليوم لأن ال mtv غيّرت المعادلة، وأصبح الشعب يراعي المستوى الثقافي للمحطة الإعلامية. انا قد وصلت إلى التعليم الجامعي ولكني لا أفهم مصطلحات تمرّ بشكلٍ دائم على محطة المرّ، ولا أفهم لغة اللسان "الأعوج"، و لست محبة للرياضيات لكي أحلل و أجمع ما تقوله إعلامياتكم، نحن لسنا ضد الثقافة والعلم، لكننا لا نعيش فوق الغيوم مع ستائر مقفلة فوق أعيننا، واجبكم أنتم أن تراعوا ما نحن عليه، وأن ترتقوا بنا ثقافياً بدلاً من برامجكم الهزلية. من تذوب كرامته ثماني ساعات تحت أشعة الشمس لا ينتظر منكم "اتيكيت الجلوس" لأنه سيرتمي ليلاً بكل "وحشية" على فراشه، من يغضب على ذلّه ويترك رزقه ليتظاهر ضد فسادٍ أصبحتم جزءاً منه لا ينتظر "اتيكيت التظاهر"، من يسهر الليل يطالع في الكتب العربية ومن يحصل على شهادة جامعية لا يستحق أن يشعر بغباء أمام شاشتكم - المفرنجة - الإفرنجية.
لا أعلم ما نفع برنامج "بموضوعية" اذا كنتم تمتنعون عن بثّ ما يخالف سياستكم، لا أعلم ما نفع التبجّحات عن الحرية إذا كنتم قد إعترضتم على صفحة El 3ama لأنها إنتقدتكم. بينكم وبين جمهوركم هوّة أخلاق، الشعب اللبناني لا يسعه أن يأكل الكافيار يومياً ولا أن يرش عطراً بمئتي دولار، لا يمتلك جميعنا كنبة ايطالية وخزانة ممتلئة بالمجوهرات، تنازلوا عن إعلانات البنوك والقروض ومحلات الثياب الكاسرة لعظام الفقراء وأحلامهم. نحن الشعب هنا ازيحوا الستائر، نحن كل ما لا تبثّوه على محطتكم.