الفنون في مهب الرأسمالية: إغتراب المرأة في الفن بين العصور.

الفنون في مهب الرأسمالية: إغتراب المرأة في الفن بين العصور. Venus with organist and cupid ، 1549 للرسّام الايطالي تيتشانو فيشيليو
0
0
0
s2smodern

من الفراعنة إلى اليونان ثمّ عصر النهضة فتاريخنا الآني، من النحت إلى الرسم ثمّ التصوير فالـ "Photoshop” ، كان الإنسان الموضوع الأساس لهذه الممارسات (بعيداً عن رسومات الحيوانات في الكهوف). غير أن طريقة "عرض" هذا الإنسان قد إختلفت باختلاف طبيعة النظام السياسي/الإقتصادي/الإجتماعي السائد.

سوف يتناول هذا المقال الموسّع/ هذه الدراسة المقتضبة عرضاً يبتدئ مع اللوحة الزيتية الأوروبية أي، عصر النهضة، وصولاً إلى الإعلانات أي، يومنا هذا. على أن يرتكز موضوع البحث على الإنسان عامّةً، لكن على المرأة خاصّةً.
يجدر الإشارة إلى أن بعض المصطلحات، أو حتّى نتائج البحث، ليست ضمن معجمنا المفضّل ولا تمثّل رأياً ذاتياً، إلّا أنّ فيها ضرورةً لنقل هذا الواقع السائد التي ليست هي إلّا نتيجةً حتميةً له.
(اذا رغب القارئ أن يرى ما سوف نتكلّم عنه في القسم الأول، فبإستطاعته مشاهدة هذه اللوحات على الإنترنت تحت عنوان: ""renaissance nude paintings، وهذا ما ننصح به.)

تبدأ الرحلة كما أشرنا مع عصر النهضة، مع فئة محدّدة من اللوحات الزيتية: الرسم العاري. عبر هذه الفئة يمكننا أن نرى كيف كانت تُرى المرأة بما أنّها كانت موضوعها الأساس. وهنا أقول، كانت هذه أبرز خطوات "التغريب الفنّي" للمرأة - أعني الإغتراب الذي عاشته عنوةً عنها، في مجال الفن، من حيث أنها جُرّدت من صفة "الإنسان" نتيجةً لـ "عرضها" عبر اللوحات هذه كمشهدٍ فقط، للتأمّل، لا كشخص بذاتها.
مشهد جسدٍ عاري لمن هم على عكسه، محتشمين. من هنا نبدأ لنلحظ بعد التدقيق تناقضاً حادّاً: يظهر معظم الرجال بكامل ثيابهم، أمّا المرأة فهي عارية تماماً. إنّ هذه المفارقة ليست سوا البُعد الأوّل للّوحة، الّتي تحمل بعداً آخر، مغرّباً أكثر، إذ إن المُشاهد الفعليّ ليس الرجل في اللوحة، انمّا الرجل أمام هذه اللوحة، أنت. وهذا واضح من طريقة رسم المرأة - وضعيتها، موقعها في اللوحة، محيطها، ألوانها، نظراتها... باتّجاه المشاهد وان كان في اللوحة عشيق أو رجل آخر يقف إلى جانبها، فهي لا تبالي لوجوده.
نذكّر هنا بأهمية اللوحة الزيتية في تلك الفترة، نعني قيمتها النقدية لا بما تتضمّنه، بل لدلالتها في ما يتعلّق بالموقع الطبقي للمالك. كانت تنتهي معظم هذه اللوحات معلّقةً في دار أحد الأغنياء؛ أولاً، من أجل إظهار هذا الموقع الطبقي بإظهار قدرته الإقتصادية وما يستطيع شراؤه بهذه القدرة. ثانياً، من أجل متعة هذا المالك [الرجل] الذي سيقوم بعد طول تأمّل بتقييم هذه اللوحة ومضمونها [المرأة] كمشهد، لا كشخص. ثالثاً، للتذكير المستمر بغروره ونفوذه نعني: بعد التدقيق في طريقة "عرض" المرأة، نرى أنها غالباً ما تكون مستلقية، ضعيفة (من حيث الوضعية لا من حيث الجسد، بل على العكس، غالباً ما كان جسدها "ممتلئاً")، خاضعة، بعيدة كل البعد عن الحركة، محدّقة بالمُشاهد [الرجل] وكأنها تسلّمه نفسها. أضف إلى كل هذه التفاصيل طريقة رسم الشعر ومحاولة إخفائه، إمّا خلف ظهرها، إمّا مرفوع للأعلى، إمّا منكمش في منديل... ولهذا الفعل دلالة واضحة: إن الشعر، في عالم الرسم، مرتبط بالرّغبة والسيطرة، بالتحديد بالرغبة الجنسية، لذلك وُجب إخفاء شعر موضوع الرسم [المرأة]، لإخفاء وحذف هذه الرغبة منها وحصرها بالمتفرّج [الرجل].
وهنا عودة إلى مفهوم الإغتراب الذي اكتسب بُعداً آخر بعد أن سُلِبت المرأة رغباتها عنوةً. وهنا بالتحديد قمّة الإحتكار: إنّ المالك [الرجل] يحتكر اللوحة أولاً كعلامة على مكانته الإجتماعية. ثم يحتكر ثانياً مضمون اللوحة [المرأة] معاملاً إياها كأنها مشهد يمتلكه ويتأمّله متى يشاء. ثم يحتكر ثالثاً مضمون المرأة التي هي نفسها مضمون اللوحة، أي رغباتها ومشاعرها لحصر السلطة به وحده.
يجول سؤال ببالنا الآن، هل اللوم على المالك أم على الرّسام (علماً أن جميع رسّامي تلك الحقبة كانوا أيضاً رجالاً)؟ أم على الإثنان معاً؟ فعلياً، موضوع اللوم أشمل بكثير إذ لا يقع على الفرد فحسب بل على النظام برمّته وعلى الوعي الجماعي الذي خضع لهذا النظام وبات يرى في هذا التغريب موضوعاً طبيعياً جداً. يمكننا القول إذن أن هذه اللوحات تعكس وعياً وواقعاً استمرّ لعدّة قرون عانت فيه المرأة - في مجال الفن - أقصى أشكال الإغتراب.
"قُدّم العريّ في اللوحات الزيتية الأوروبيّة على أنّه موضوع مثاليّ، وأنّه تعبير عن "النهضة الإنسانية الأوروبية". لا أريد نقض هذه الحقيقة بشكل كليّ، إلّا أنني حاولت الإضافة إليها بالبدئ أوّلاً من وجهة نظر مختلفة: دورر1، كان مِن مَن آمنوا بوجود "عريّ مثاليّ" واعتقدَ أن بلوغ هذه المثالية يكمن في جمع كتفَي جسدٍ ما - يدَي جسدٍ آخر - ثديَي جسدٍ آخر وهكذا دواليك. إذن هل هذه هي المثالية و"النهضة إنسانية"؟ أم هل هي تجسيد لعدم الاكتراث حول فرادة الشخص وذاته؟ هل تمجّد هذه اللوحات -كما يتم تلقيننا - المرأة التي هي موضوعها أم تمجّد الرجل الذي هو المُشاهد؟ هل من جنسانية داخل إطار اللوحة، أم أمامه فقط؟"2

قد يعتقد البعض أن في طرح دورر شيئاً من المنطق، لكن بعملية تصوريّة صغيرة أستطيع أن أجزم أنّ النتيجة ستكون كارثية. جون برجر كان منطقياً أكثر عندما اتّهمه باللا-إنسانية. أما أنا فأرى أنّه ما فعل سوا أن تنبّأ بالمستقبل البعيد (أعني بحاضرنا) وأن طرحه الخيالي قد دخل حيّز الواقع في القرن العشرين.
ما علاقة ألبرت دورر بالقرن العشرين؟ حسناً، تخيّلي إنكِ (سنلجأ للضمير المؤنث بما أن المثل هذا يتوجّه بشكل مباشر إلى الإناث) تسيرين في الشارع، أو تقودين سيارتك، أو ببساطة أمام شاشة التلفاز، لن تتفاجئي بكمية الإعلانات التي تمرّ أمامك ذلك لأنك اعتدتيها ولكنها حقاً كثيرة. سترين في الإعلان الأول مُنتجاً تجميلياً محدداً، مسكرة مثلاً او عدساتٍ للعين، ومعه صورة عينٍ كبيرة واسعة ملوّنة مع رموشٍ طويلة. بشكلٍ من الأشكال، هذه هي العين المثالية. سترين بعد قليل إعلاناً آخر لمنتج آخر، أحمر الشفاه مثلاً، مع صورة شفتين ممتلئتين مرسومتين بدقة مع لمعة طفيفة ولون صارخ. بشكلٍ من الأشكال، هتان هما الشفتان المثاليتان. وبعد قليل ترين إعلان آخر لمنتج آخر مع صورة أخرى وهكذا دواليك... إلى أن يخيّل لكِ أننا اذا جمعنا كل هذه الأجزاء المثالية سنحصل على الجسد المثاليّ. إلى حدٍّ كبير، أرى أن في هذا الأمر تشابه مع طرح دورر حول العريّ المثالي. غير أن الفرق طفيف في طريقة الـ "عرض" بين عصر النهضة وزماننا هذا وذلك لاختلاف النظام المسيطر في كلٍّ من الحالتين. ففي القسم الأول رأينا كيف عومِلت المرأة كغرض، كمشهدٍ بالتحديد. أمّا في هذا القسم، فسوف نرى كيف ما زالت تُعامل كغرض، لكن كسلعة بالتحديد وما هذا إلّا ممارسة من ممارسات النظام الرأسمالي الذي يسلّع كل شيء - حرفياً كل شيء، وهنا نتكلّم عن تسليع الإنسان وتحديداً المرأة، وفي المقابل عن أنسنة السلعة التي تكتسب قيمةً ما فوق حسية على حساب قيمة الإنسان، وهذا أساس الاغتراب عند ماركس.
هذا الأسلوب من الدعاية لا يتوقف عند تسليع المرأة فحسب، بل يعرض على المتفرّج نموذج المرأة المثالية ويقنعنا أننا نستطيع بلوغ هذه المثالية ما ان نشتري ونستعمل المُنتج المعروض. غير أن هذا النموذج أقرب إلى السوريالية منه إلى الواقع، فهو يأتي على شكلين، إمّا أجزاء من الجسد منفردة كلّ على حدا فنرى في الإعلان فقط العينين او الشفتين او الساقين وهذا ما عرضناه سابقاً؛ امّا ان يكون في الإعلان جسداً كاملاً، ولكن بعد أن يمرّ تحت مجهر المؤثّرات البصرية وبرامج مثل الفوتوشوپ لتعديل علّة هنا، وإخفاء شوائب هناك، ثم تكبير الصدر والشفتين أو تنحيف الخصر... وتقديم نموذج لا يقابله شيء في الحياة الواقعية.
يكفي أن نتخايل الحياة النموذجية المعروضة في الإعلانات لنرى مدى ابتعادها عن الواقع: "تُصوّر الإعلانات عالماً خرافياً فيه أوّلاً الجميع من البشرة البيضاء، ويبلغ فيه عدد الرجال ضعف عدد النساء، وكل هذه النساء فتيّات وجميلات. ٨٠٪ من النساء في الإعلانات هنّ ما دون الـ ٤٠ عاماً - وهذا بعيد كل البعد عن العالم الحقيقي. بالاضافة إلى عالمٍ فيه الجميع متباين الجنس، وما زالت فيه الأسرة على شكلها النمطي (رجل وزوجته + طفل) حيث يقصد الرجل عمله وتبقى الزوجة في المنزل لتهتم بالطفل، فعلياً هذا الشكل يمثّل ١٢٪ فقط من الأسر الأميركية. إضافةً إلى عالمٍ خالٍ من المقعدين ومن ذوي الإحتياجات الخاصة عقلياً وبدنياً. وأخيراً عالم لا يتكلّم فيه الناس إلّا عن السلع - وهذا أغرب ما في الأمر. نحن محاطين بكل هذا، وبالرغم من أننا نعلم أنّه ليس حقيقياً وأنّه وهماً، من الصعب ألّا نقارن نفسنا وحياتنا بهذه النماذج. ليست هذه الّا واحدة من ميزات الدعاية. ميزةٌ أخرى هي أن مجال الإعلان يشكّل صناعة يفوق حجمها ١٠٠ بليون دولار سنوياً! "3
تذكّرنا هذه الإعلانات باستمرار كيف نبدو، او بالأحرى كيف علينا أن نبدو، وتتجذّر هذه المفاهيم في لا وعينا. نحاول إذن أن نبلغ هذه المثالية عبر شراء المنتجات ونظنّ ان هذا طريقنا إلى السعادة. فتصبح السعادة بذاتها سلعة. علماً اننا فعلياً نزيد انفاقنا عبر شراء واستهلاك سلع ليست ضرورية ولا نفع أساسي لها، فنصبح بذلك أكثر فقراً وسرعان ما سنكون أكثر تعاسةً، جرّاء بحثنا عن السعادة في السلع والاستهلاك. وهذه حقيقة ما نحن عليه: مجتمع مستهلك تعيس، يحمل في لا وعيه نماذج زائفة عن السعادة وأفكار مناهضة للمرأة اكتسبها عبر دعاية همّشت المرأة وشيّأتها.
سنورد الآن بعض الأرقام لنفهم حقيقةً مدى تدهور المجتمعات نتيجة هذه العبثية في التماثل مع هذه الصور الوهمية4: يمر أمامنا يومياً ١٥٠٠ إعلان. نمضي سنة ونصف السنة من حياتنا نشاهد الإعلانات. يُصرف أكثر من مليون دولار في الساعة لشراء مستحضرات التجميل؛ وجرّاء استخدام هذه المستحضرات، يصير وجهنا قناعاً يخفي وجهنا الفعلي الذي به نخجل بعد أن نقارنه مع وجه العارضة في الإعلان. ١ من ٥ طالبات جامعيات تعاني من مشاكل غذائية، ٨٠٪ من النساء تعتقدن أن وزنهنّ زائد عن المطلوب (وهذا "الوزن المطلوب" هو تحديداً الوزن الذي تمليه علينا الإعلانات)، ٨٠٪ من الفتيات (٨-١٠ سنوات) تعتمدن على حمية غذائية للتنحيف، وكل هذا لأن النساء اللواتي نراهنّ في الإعلانات هنّ في غاية النحافة، فنقتنع عنوةً أن هذا هو شكل الجسد المثالي. وصل الأمر عند بعض المراهقات إلى تجويع أنفسهنّ حتى الموت - حرفياً، في محاولة بائسة لبلوغ هذا القدر من النحافة. الّا ان هذا القدر هو محض خيال وليس له مثيل في عالمنا الحقيقي. فمعظم هذه الصور قد مرّت عبر الفوتوشوب قبل ظهورها في الإعلانات. بلغ الأمر انّ في احد الدعايات، وبعد التعديل والتنحيف، ظهر حوض العارضة أصغر من رأسها بأشواط وهذا مستحيل بيولوجياً!
أضف إلى ذلك الشعارات الساذجة ذات الدلالات الإباحية المعتمدة في الإعلانات والتي من شأنها تهميش صورة المرأة وتسطيح العقل وتحريف فكرنا عن المشاكل اليومية الأساسية ليصير شغلنا الشاغل معرفة ان كنّا حقاً سنحصل على علاقة جنسية مباشرةً بعد استخدام هذا العطر او هذه السيارة! نجد الأمر مضحكاً للوهلة الأولى ونظن ان العبارات والدلالات المستخدمة طريفة او لا تؤثّر فينا ولكن مجددّاً، إنّها تنطبع في لا وعينا وتؤثّر كل التأثير على تصرّفاتنا. يكفي أن نراجع مستوى الفكر والوعي الجماعي ونظرتنا للمرأة منذ أوائل القرن العشرين وحتى الآن، ثم نربط كل هذا بالإعلانات وبالمواد المقدمة دعائياً وحتى بالمناهج التعليمية، بمعنى آخر أن نربط وعينا بتطور الإيديولوجيا المهيمنة، عندها يتبيّن لنا ان هذا الوعي لا يتطور فعلاً بل يتدهور نحو حدودٍ حرجة جداً.
سنتوقّف في هذا القسم عند هذا الحد، لكن هذا لا يعني أن مساوئ الدعاية الحديثة تتوقف هنا. سنعرض سريعاً عناوين عريضة لم نأتِ على ذكرها في ما سبق، على أن نوسّعها في مقالٍ لاحق. من نتائج هذه الدعاية مثلاً: تشجيع العنف خاصةً ضد المرأة (الاحصاءات خير دليل على ارتفاع نسبة تعنيف وقتل واغتصاب النساء تحديداً) وهذا بسبب الدعايات التي يظهر فيها الرجل القوي مسيطراً على المرأة الضعيفة. تسليع الأطفال في الإعلانات، وبظاهرة جديدة تسليع الرجال أيضاً. حتّى انّ هذا التسليع لا يتوقّف عند الإنسان عموماً، بل يسلّع حتّى القيم والمشاعر والمبادئ. كما أنّ هذه الدعاية تتوجّه إلى الجيل الشاب بشكل خاص وتشجّعه مثلاً على التدخين باللجوء إلى مفاهيم زائفة جداً: باتت السيجارة رمزاً للحرية والإستقلالية، في حين انّها تستعبد المدخّن وتخضعه للإدمان (وهنا نلاحظ الإفراط في إستخدام مصطلح الحرية في دعايات السجائر: Gauloise: liberté toujours, Marlboro: no more maybe ). ولكل نقطة ممّا أتينا على ذكره للتو بحثٌ آخر.
ذكرنا في أوّل المقال أن طريقة "عرض" الإنسان (أقلّه في الممارسات البصرية) قد اختلفت باختلاف طبيعة النظام السياسي/الإقتصادي/الإجتماعي السائد. ماذا قصدنا بذلك؟ بعد هذا العرض الطويل، هذه خلاصة ختامية: في المجتمعات القَبلية، اي في نظام المشاعية البدائية، لم يكن الفن قد بلغ حداً مرهفاً من التطور بعد لكن بعد مراجعة ما اكتُشف من منحوتاتٍ بدائية5، نرى ان المرأة تظهر فيها مع مبالغة في خصائصها الأنثوية وذلك دلالةً على الخصوبة والنسل الذي يعود إلى الأم ومكانتها الإجتماعية على رأس هذه القبائل وإعتبارها حينها "الآلهة-الأم". بعد هذه الفترة أي، مع بدايات العبودية، وانتفاء المشاعية البدائية، دخل مفهوم جديد على المجتمعات وهو الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، من جهة خلق هذا المفهوم طبقات حاكمة وأخرى محكومة، ومن جهة أخرى أدّى إلى احد أكبر انتكاسات البشرية وهي خسارة الحق الأمومي (والقول لفريدريك إنجلز) وإلى تغيّر شكل العائلة. وهذه كانت بدايات التغريب للمرأة (للإنسان بشكل عام على المستوى الإقتصادي لكننا نتكلم هنا عن المجال الفني بالتحديد). لذا ننتقل إلى عصر النهضة والنظام الإقطاعي حيث كان التقسيم الطبقي جليّاً (بين اقطاعيين وأقنان)، ونرى انعكاسات هذا النظام العديدة، ومنها تغريب المرأة في الفن، الأمر الذي عرضناه في القسم الأول. إلى ان يبلغ هذا الاغتراب قمّته في عصرنا الآني كنتيجة حتمية للنظام الرأسمالي. من هنا نقول أن تسليع المرأة وتجريدها من صفة الإنسان لم يكن ظاهرة دائمة الوجود، وليست محصورةً في الفن او في الإعلانات فقط، بل هي انعكاس صريح لهيمنة ايديولوجيا السوق والاستهلاك. إذن، لا يكون التخلّص من هذه المشكلة عبر دحضها بذاتها فحسب، بل يكون بمواجهة السبب الذي خلق هذه المشكلة في الأساس أي عبر التخلّص من هذا النظام الرأسمالي وإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والبحث عن النظام الإنساني البديل الذي سيعيد إلى المرأة اعتبارها معاملاً إيّاها كشخصٍ، كانسانٍ، كفردٍ أساسيّ في بناء وتطوّر هذا المجتمع، لا كمشهدٍ او سلعة.


1 البرت دورر (1471 – 1528) رسّام ألماني وأبرز منظريّ النهضة الألمانية.
2 جون برجر (1926 – 2017) ناقد فنّي، رسّام وروائي. عرف بمساهماته في موضوع طريقة النظر والنقد. والغقتباس من وثائقي Ways of seeing .
3 جاين كيلبورن (1943 - ) ناشطة رائدة في مناهضة الأساليب الدعائية خاصةً في ما يتعلّق بموضوع تهميش صورة المرأة، والاقتباس من ندوة بعنوان still killing us softly في العام 1987.
4 انّ هذه الأرقام تمثّل واقع الولايات الأميركية المتحدة في العام 1987. نعلم انّ هذه الأرقام قديمة بعض الشيء لكن لجأنا اليها بعد أن استحال العثور على احصاءات دقيقة وحديثة لواقعنا اللبناني، فاستعنّا ببعض ما ذكرته جاين كيلبورن في ندوتها في العام 1987 وذلك لتوضيح الصورة فقط. مرّ على هذه الأرقام 31 عاماً، تخيلوا إذن أرقام اليوم!
5مثل: تمثال فينوس ولندروف

  • العدد رقم: 332
`


سمير سكيني