الاغنية اللبنانية ترسخ خضوع النساء

0
0
0
s2smodern

"كبرانة براسا"، "عم أسس حالي"، "عصبت عليها"، "جمهورية قلبي" ، "البنات الاوادم"، "عم دوّر ع عروس" ،"اذا الله عطاني"، لرميكي ببلاش" ...، ما يختبئ خلف تلك الأغاني الشعبية المعاصرة وغيرها، من أنظمة قيمية إجتماعية ودينية، سائدة في مجتمعنا، تعكس ثقافة وسط شعبي ما زال مؤمناً بالتقليل من قيمة المرأة، لكنها تجاوزت النطاق الشعبي حتى وصلت لتتناول المرأة بصورة قريبة من الواقع، لا حصر لها لتغييره، من الخروج للعمل، تحرّرها من المنظومة القيمية حتى المطالبة بحقوقها فى الدستور والحياة السياسية.
دراسة أجراها د. روي جريجيري، عند عودته من فرنسا عام 2010، تناول فيها صورة المرأة اللبنانية التي تنقلها الأغاني اللبنانية المعاصرة، ساعياً في ورقته الى إلقاء نظرة فاحصة على صورة المرأة المتخلفة والتقليدية في عشرة أغان صدرت بين عامي 2010 و 2014، تظهر أن المرأة ينتهي بها الحال "خاضعة" لإرادة الرجل وتحكماته فى "كلمات الأغاني.
نتائج هذه الدراسة، التي نُشرت في حزيران الماضي في المجلة الأكاديمية "ألترناتيف بوليتيكا"، تحت عنوان "الصورة النمطية للمرأة في الأغاني اللبنانية المعاصرة"، سلطت الضوء على غياب مفاهيم "المشاركة والشراكة والتبادل والمعاملة بالمثل" بين الرجل والمرأة في الأغاني التي تم تحليلها، ليتبين أنها نتيجة لتاريخٍ طويل من الهيمنة على المرأة، تدعمه ركائز أساسية في المجتمع اللبناني، مثل الأسرة، والمؤسسة الدينية، والمدرسة، والدولة.
يصف جريجيري، إستناداً إلى الأبحاث المحلية والدولية، تأثير الموسيقى الشعبية التي "يمكن أن تشكل مفهومنا لهويتنا الشخصية بحيث أن التصنيع الثقافي ينتج اليوم أغنيات شعبية "تجارية" أو "مهينة" سطحية ساذجة.
هذه الأغاني هي نتاج نظام يفضل نشر هذه الأفكار، دون أن ندرك بوعي خطورة هذه الكلمات
التي لا تمنح المرأة قيمة شريكٍ متساوٍ مع الرجل. وبالتالي تعمد إلى نشر العديد من الصور المتخلفة مثل المرأة المهددة بالضرب، وربة المنزل التي تكتفي بالهدايا والإطراء، والمرأة تحت رعاية الرجل، والمرأة بوصفها مملوكة أو سلعة واختصار وجودها في حدود الجسد يشكل أحد أوجه الإهانة لشخصيتها الإنسانية في المجتمعات المتخلفة ذات النزوع الاستهلاكية المبتذلة.
في السياق الموضوعي للبحث، تبين أن المرأة اللبنانية تعاني من إشكاليات تبعاً لدرجة خضوعها للمنظومة الدينية، الاجتماعية والثقافية السائدة، فهي تخضع لظلم مركب بفعل هيمنة سلطة سياسية شمولية توظف العقائد الدينية في إستمرار هيمنتها على المجتمع، ناهيك عن هيمنة الرجل على المرأة وتبعيتها له.
يقول د. جريجيري: "على المرأة أن تبدأ بذاتها عندما تكسر قوانين سارية المفعول، بخاصة وأن غالبية القوانين الوضعية والشرعية المتعلقة بالمرأة تخدم إستمرار سيطرة سلطة الرجل وهيمنته على المرأة.
تعيش المرأة في مجتمعٍ يحقّرها، ويعاملها على أنها سلعة وآلة للعمل وتحقيق المتطلبات، وعليه لن تجد مكاناً لها بالتأكيد، وستشعر بالضعف وغياب دورها وعدم قدرتها على مواجهة الصعوبات بحيث تقبلت الإطار الذي فُرض عليها، وتبنته تحت عنوان "التضحية". هذا ما سيعطي حافزاً للمجتمع والرجل للتسلط عليها، وتهميش دورها أكثر.
نظرة المرأة لنفسها على أنها ستكون "خادمة" لزوجها تعمل بأوامره,، يساهم بإحباط عزيمتها ويغيّر من نظرتها الإيجابية نحو ذاتها. ولا شك أن المسؤول عن تكوّن تلك الصورة لدى المرأة هي العائلة بالدرجة الأولى، حيث تعمل على إرساء قيم وأعراف وأخلاق تضع الفتاة بإطار ضعيف مقابل الزوج. إلا أنه برغم ذلك، لا يمكن لوم العائلة والأم، فهم ورثوا هذه الأفكار على أنها نظم طبيعية لا يمكن المس بها.

لا يمكننا فصل إشكالية المرأة عمّا يعانيه المجتمع في ظل النظم السياسية الاستبدادية والشمولية، فالمرأة تخضع بنفس الوقت لسيطرة مضاعفة من قبل الرجل (أب ، أخ ، زوج) خارج وداخل المنزل، إضافة لخضوعها لمجموعة من الأعراف والتقاليد الاجتماعية العامة المقيدة لحريتها في قضايا الزواج والطلاق والتعليم .
هو هكذا، مجدٌ من وهم: "رئيسة جمهورية قلبي"، واحدة من النماذج التي ساهمت بنشر وترويج الثقافة الاستهلاكية والترفيّة والمظاهرية، لتتحول المرأة من كائن إنساني ذو قيمة أخلاقية وإجتماعية ترى حريتها في إنعتاقها من المنظومة الاجتماعية القائمة على تكريس التبعية إلى كائن إستهلاكي مفرغ من مضمونه الثقافي، وسلعة رائجة ومربحة في أسواق العرض والمنافسة المبتذلة.

  • العدد رقم: 332
`


ماريا الفحل