حسين مروة: الأدب الكفاحي هو أدب الطبقة العاملة

0
0
0
s2smodern

حديث أُجري مع الشهيد حسين مروة في أيار ، العام 1983 في مجلة " حياة العمال " ، وقد طُرح عليه موضوع لم يأخذ حقه (حتى ذلك اليوم ) من المناقشة والبحث ، وهو موضوع المكتبة العمالية في لبنان وكيفية تطويرها باتجاه بلورة أدب الطبقة العاملة الخاص والمتميّز ..

كعادته فتح الدكتور حسين مروة قلبه للطبقة العاملة ومجلتها وأجاب على أسئلتنا بكل صدق وصراحة مقدّماً بذلك مساهمة قيّمة في وضع هذا الموضوع للنقاش بقصد إشباعه وإغنائه، وبالتالي إغناء مكتبته العمالية بالمزيد من الأعمال الأدبية فكان لنا الحديث التالي بعنوان:
كل أدب كفاحي وطني هو أدب الطبقة العاملة
• حياة العمال:
- سؤال: بعد أكثر من نصف قرن على نشوء الطبقة العاملة اللبنانية نلاحظ أنّ مكتبتنا العمالية لا تزال ضعيفة جداً ولا تقتصر إلا على بضعة أعمال فقط . فما هو برأيك السبب في عدم وجود أدب خاص ومتميّز من الطبقة العاملة ولها؟
- جواب: الحرب اللبنانية أوجدت خندقاً أبدع أدباً وموسيقى وغناءً ورسماً ونحتاً ومسرحاً.. ويتبادر إلى ذهني الآن، أن الكلام عن أدب الطبقة العاملة ليس له مفهوم محدّد جامد لا سيما أن الطبقة العاملة اللبنانية يرجع تاريخها كطبقة إلى نحو نصف قرن أو أكثر بقليل. لذلك لابد أن نرى إلى نمو الطبقة العاملة وتطورها كطبقة متميّزة في ظروف لبنانية وفي ظروف عربية كذلك. فإذا نظرنا إلى هذه الظروف، لبنانية وعربية، نلحظ تطوراً ونمواً للطبقة العاملة اللبنانية يسايران النمو والتطورالكفاحييْن اللذيْن رافقا حركة التحرر الوطني العربية. ولهذه الحركة في لبنان نصيب وتاريخ لا يستهان بهما، بل إنّ لهما نصيباً مرموقاً في كفاح الطبقة العاملة اللبنانية. من هنا نستطيع القول إنّ هذه الظروف الكفاحية ذات التوجّه التحرري الوطني فرضت أن يتوجّه كفاح الطبقة العاملة اللبنانية بالأساس نحوالتحرر الوطني بالذات، بالرغم من نضالاتها الاجتماعية المهمة فعلاً وبالرغم من التلازم الموضوعي بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي.
أريد أن أقول إنّ الظروف التحررية الوطنية التي أحاطت بنمو الطبقة العاملة اللبنانية وبتطورها قد وضعت طابعاً معيّناً لنموّها وتطوّرها هو الطابع الكفاحي العام للتحرر الوطني. وبهذا المعنى لا يمكن أن نطلب إلى أدب الطبقة العاملة اللبنانية طابعاً بروليتارياً محضاً يفوق النطاق التاريخي الذي عاشت فيه الطبقة العاملة اللبنانية وكافحت خلاله من أجل قضيتها، وقضيتها في هذه الظروف التي نتحدث عنها قضية وطنية بشكل عام، وتأتي قضيتها الطبقية ضمن تلك أي ضمن قضية الكفاح الوطني.
إنّ كل ذلك يعني أنّ الأدب اللبناني الذي ظهر منذ تكوّن الطبقة العاملة اللبنانية أي منذ تاريخ تكوّنها بعد الحرب العالمية الأولى، إنّ هذا الأدب الذي عبّر بأشكال مختلفة عن القضية الوطنية وعن الكفاح الشعبي والوطني، إنّ هذا الأدب يصحّ لي أن أسميَه بأدب الطبقة العاملة اللبنانية. ولستُ أرى بهذه التسمية خروجاً عن إطار المفهوم الذي حدّدْته فيما سبق لمدلول الطبقة العاملة اللبنانية.
برأيي أنّ كل أدب كفاحي وطني هو أدب الطبقة العاملة لأنّ قضيتها هي قضية وطنية بالأساس أي أنّ قضيتها القاعدة لقضيتها الطبقية هي قضية وطنية. فلماذا إذن نحرم الطبقة العاملة اللبنانية أدبها لمجرد حصرمفهومها بالمفهوم البروليتاري الصرف. إنّ قضية الظروف التاريخية هي التي تحدّد المفاهيم المتحركة المتطوِّرة. لقد بدا لنا أنّ الظروف التاريخية لنمو الطبقة العاملة اللبنانية وتطورها هي ظروف تعطينا الظاهرة الكفاحية التحررية، لذلك أؤكد مرة أخرى أنني أعتبر كل أدب كفاحي وطني واجتماعي صدر في لبنان منذ نحو نصف قرن هو أدب الطبقة العاملة اللبنانية بالذات.
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لماذا نطالب الطبقة العاملة اللبنانية بأدب خاص بها، صادر عنها؟
إن الطبقة العاملة لا تحصر ذاتها في هذا الإطار. ذلك أنّ كثيراً من الكتّاب والأدباء الذين يكتبون أدباً نضالياً هم بالواقع يرجعون في أصولهم الطبقية إلى أكثر من طبقة. فهل ترفض الطبقة العاملة أدب هؤلاء؟ أي ترفض ان يكون أدبهم تعبيراً عنها، أي عن مطامحها وعن قضيتها وعن فكرها الثوري. أعتقد أن الطبقة العاملة اللبنانية أكثر عمقاً وأعمق وعياً من أن ترفض. فهل ترفض مثلاً أن يكون أدب عمر فاخوري أدباً يعبّر عن فكرها ومطامحها لكون عمر فاخوري نفسه ليس منحدراً من أصول طبقية عمالية؟ كذلك السؤال يجري عن رئيف خوري ومحمد دكروب ومحمد عيتاني وحسين مروة وسليم خياطة ويوسف يزبك وكثير أمثالهم. بل لماذا لانقول إنّ شعر الياس أبو شبكة كان تعبيراً عن مطامح الطبقة العاملة اللبنانية وعن فكرها في المرحلة التي عاش فيها الياس أبو شبكة وعايش حركة الطبقة العاملة اللبنانية وشارك في احتفالاتها في كثير من المناسبات؟
لكن هناك قضية أخرى، وهي أنه ليس كل من تحدّر من الطبقة العاملة اللبنانية يصبح بالضرورة أديباً من أدبائها، لأن كثيراً في الذهن من الأدباء من خانوا أصلهم الطبقي، وأصبحوا يمينيين بالفعل، بل رجعيين. وفي ذهني الآن أسماء كثيرة من هذه الفئة من الأدباء، ولست أرى ضرورة لتحديد الأسماء.
لكن هناك قضية أخرى أيضاً: مَن يقول إنّ الطبقة العاملة لا تخلق أدباء من صفوفها يعبّرون عنها مباشرة بأعمال فنّية جمالية تسلك مسالك الفن الصحيح؟ أنا أعتقد أنّ في صفوف أبناء الطبقة العاملة وسائر الفئات الشعبية الكادحة مواهب خارقة قابلة أن تصوغ نفسها أدباً عظيماً كادحاً، لكن ظروف حياتها القاسية والكادحة بمرارة تحول بينها وبين تغذية هذه المواهب بالمعرفة والثقافة التي هي المادة الأصيلة والحقيقية لكل أدب بارع وعظيم.
إن الموهبة الأدبية برأيي ليست مخلوقة مع الإنسان كموهبة خاصة بالأدب، إنما هناك استعدادات خاصة لبعض الأفراد تفوق استعدادات البعض الآخر من حيث رهافة الحس والقدرة على التّخيّل والإبداع. إن هذه المواهب بهذا المعنى لا تزيد عن كونها استعداداً فقط. ولكي تُبدع فعلاً أدباً تحتاج إلى غذاء فكري وثقافي. فما لم يتيسّرلها هذا الغذاء: يجفّ ينبوعها وتذبل دون أن يعلم بذلك أحد، ثم نحسب أنها لم توجد. كم في صفوف الكادحين وأبناء الطبقة العاملة بالخصوص من مواهب أُهرقت وانطمست وضاعت، في حين أنّ هذه الطبقة، وهؤلاء الكادحين محرومون نعمة الإبداع الأدبي والفنّي. فإذا كانت الطبقة العاملة اللبنانية تريد أن يكون لها أدبها الخاص بها، الخارج من أعماقها مباشرةً ، فعليها ان تزيد كفاحيتها الوطنية والاجتماعية لتحرّر تلك المواهب الخارقة بين أبنائها من الجهل والضياع. فإذن، لا بد أن يكون من أهداف نضال الطبقة العاملة الوطني والاجتماعي موضوعياً هو أن تزيل الظروف الاجتماعية والسياسية التي تطمس مواهب أبنائها وأن تفتح المجال أمامهم لتناول الثقافة ن ليكونوا بّلك أدباء مبدعين يحق لهم شرف الانتساب إلى الطبقة العاملة مباشرةً.
على أنني أودّ أن أعود إلى جو هذه الحرب الأهلية اللبنانية التي جعلت من المتحاربين فيها فريقيْن إثنيْن: أحدهما هو المعتدي والثاني هو المعتدى عليه. أما الأول فهو الذي حمل المشروع الطائفي العنصري الفاشي، وأما الثاني فهو الذي حمل راية الدفاع عن حرية الوطن وعن ديمقراطيته وعروبته، دفاعاً عن ذلك تجاه العدوّيْن المشتركيْن: الخارجي والداخلي، أي الصهيونية والأمبريالية أولاً، والفريق الفاشي الداخلي ثانياً. إنّ الحرب بطابعها هذا قد خلقت أبطالاً كفاحيين ضد المشروع الفاشي العنصري الصهيوني الأمبريالي، وهؤلاء الأبطال كانوا في خندقيْن متقاطعيْن: خندق السلاح المقاتل بالبندقية والمدفع والصاروخ، وخندق المقاتل بسلاح الكلمة والنغمة والصورة والتمثال والصوت. أي أنّ خندقاً أوجدته الحرب، أبدع فنوناً كفاحية متعددة، أبدع أدباً وموسيقى وغناءً ورسماً ونحتاً، وأبدع مسرحاً كذلك. حتى الأطفال كم كنا نشهد انكبابهم خلال أصعب الظروف، على رسوم يبدعونها من مخيّلاتهم تعبيراً عن إحساسهم بالحرب. أقول حتى هؤلاء الأطفال خلقت منهم الحرب براعم فنّ جميل. وكم شهدتُ أنا نفسي في معسكرات المقاتلين مواهب كانت تعبّر عن نفسها تمثيلاً وغناءً وموسيقى. هذه كلّها فنون ليست بعيدة عن مجال الطبقة العاملة اللبنانية لأن الحرب ضد الفاشية والصهيونية والأمبريالية أخذت مقاتليها وفنّانيها معاً من صفوف الطبقة العاملة بالخصوص. وكل إبداع من هذا النوع يصحّ أن يكون إبداعاً للطبقة العاملة، باسم الطبقة العاملة ومن أجل مطامح الطبقة العاملة. الأغنية السياسية نفسها التي ارتفعت إلى مستوى اضطر كبار السياسيين - وحتى أوساط الحكم في البلاد العربية - أن تعترف بها، هذه الأغنية السياسية التي تطوّرت هكذا، من أين نبعت؟ ببساطة أقول نبعت من هذه الحرب ومن صفوف الكادحين والمقاتلين في لبنان ضد الفاشية والعنصرية والصهيونية والامبريالية. من أين نبع مارسيل خليفة وخالد الهبروأحمد قعبوروالرسّام النحّات شربل فارس وأمثالهم كثيرون ؟ (وعدم ذكر كثير من الأسماء لا يعني استثناءهم ، بل العتب على الذاكرة).
صحيح أنّ إبداع هذه الأعمال الفنية يتفاوت في المستوى تفاوتاً عظيماً، ولكن ليس المستوى الذي يعنيني الآن بل الذي يعنيني هو أن الظروف التي أعطت هذه المواهب وأظهرتها وكشفت عن قابلياتها الهائلة، قادرة أن تطوّر مستوياتها، كما أنّ ظروفاً أخرى قادرة أيضاً على إظهار وكشف مواهب مستورة لا تزال، وعلى تطويرها ورفعها إلى مستويات متمايزة وممتازة.
• حياة العمال:
- سؤال: ألا تعتقد معي أنّ أدباً عمالياً مميّزاً في ظروفنا السياسية والاجتماعية الراهنة، بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية، من شأنه أن يخلّص الصراع الطبقي فوق الساحة اللبنانية من هذا التشويه الطائفي المفتعَل ويعيد إليه جوهره ومظهره الحقيقي؟
- جواب : لا شك أن الأدب الآتي من الطبقة العاملة مباشرة، أي الأدب الطبقي بطابعه الخاص يأتي عاملاً مهماً جداً في التوجّه الفكري وتوجّه الوعي إلى الجماهير الوطنية بعيداً عن الطائفية وبريئاً من التشويه الذي أصاب الوعي والفكر والأدب كما أصاب الناس وشعبنا خلال هذه الحرب.
أقول لاشك في ذلك، أي لا شك بأن الأدب الطبقي هو أنظف أدب يتنزّه عن الطائفية وعن أشكال التشويه الذي يصيب الوعي البشري. لكن – مع ذلك – أقول إن الأدب الوطني نفسه أيضاً هو أدب بعيد عن الطائفية وبريء من دنسها لأنه يتوجّه إلى قضية الوطن الواحد وقضية الشعب الواحد غير المنقسميْن انقساماً طائفياً بل الموحَّديْن على أساس وحدة الوطن والشعب. فإذا كان لدينا أدب وطني فعلاً شارك في معركة التحرر الوطني، فإن مظهره الحقيقي وطابعه الحقيقي هما كونه أدباً ديمقراطياً لا طائفياً. هذا نظرياً، وكذلك في النظر إلى ما نتج من أدب عملياً خلال هذه الحرب رغم التشويهات الطائفية نراه أدباً يتّسم بالطابع الوطني الديقراطي الموحّد، أي الذي يرى وحدة الوطن والشعب قضية بذاتها تستحق الكفاح من أجل تحقيقها. هذا الطابع نراه فعلاً طابع كل الأدب الوطني الكفاحي الذي نقرأه خلال سنوات الحرب. معنى ذلك أن ليس الأدب الطبقي وحده ، هو البريء والمنزّه عن الطائفية . ولكي نكون في سعة ورحابة وغير متزمّتين، علينا أن نعترف بكل أدب وطني كفاحي بطابعه الديمقراطي اللاطائفي.