تمايل... فإنّ الجسد أبلغ من الكلام

0
0
0
s2smodern

قد يحتاج الإنسان إلى الحروف والكلمات للتعبير والتواصل لفكّ رموز التعبيرات عن عاطفة أو إحساس أو ثقافة ما، لكن وفي بعض المواضع يصمت اللسان ويتوقف الكلام ويحتاج الإنسان إلى أشكال أخرى تفك رموزها بوسائل غير الكلام.


من أبلغ اللغات في الأنساق الثقافية، الاجتماعية والدينية هي لغة الجسد حينما يتمايل ليعبر عن شعور ما فنجده وسيلة لشحن العزائم قبل الحروب وقبل الخروج إلى الصيد أو للتعبير عن الحزن أو الفرح. هذه الحركات المتمايلة التي تؤديها أجزاء الجسد والتي أسست لمفهوم الرّقص قد نحلت من رحم الطبيعة التي هي المدرسة الأولى للإنسان. يعتبر الرقص أحد وسائل التمييز بين المجتمعات، فمن خلال الرقصات يمكن تحديد هوية الراقص أو المجتمع أو العرق أو الديانة التي ينتمي إليه، إلى جانب التعبير عمّا يحمله من موروث وتاريخ، لم يتوقف الرقص في حدود التاريخ بل أعادت المجتمعات إنتاجه في سياقاتها كتعبير على التجذر والانتماء من جهة ومواكبة لعصرها وتحولاته الثقافية.
لقد مثل الرقص في تونس مكون ثقافي أساسي يعبر على تاريخها وما استخلص منه من هجنة ثقافية تترجم تعدد الحضارات التي مرت عليها ليغدو موروثا يتقاسم الفضاء الثقافي مع مخرجات الحضارة المعاصرة الموسومة بالتحديث وأحد الوسائل المعبرة على رفض القوالب الدينية المستوردة والمنتجة في مجتمعات ذكورية تمقت الجسد وتعبيراته لتختزله بين السرّة والعجيزة.
ساهم التطور التكنولوجي في ترسيخ المدارس العديدة للرقص، وبقي الموروث الذي تفرضه العادات والتقاليد المجتمعية في تونس التي ساهمت الدولة على حفظ ذاكرتها من خلال وزارة الثقافة التي عملت على تأصيل تاريخ البلاد الفني لتحدث الفرقة القومية للفن الشعبي سنة 1960. لكن في بدايات التسعينيات من القرن الماضي انتشرت مدارس الرقص التي أنشأها راقصون ممن انتموا إلى هذه الفرقة الحكومية لتصل إلى حدود اعتماد الرقص في المناهج التعليمية ما قبل المرحلة الابتدائية (أي المحاضن) وصولا إلى إحداث "ديبلوم وطني للرقص" في اختصاصات الكلاسيكي، المعاصر والتقليدي (يوليو 2018) والذي تمنحه وزارة الثقافة. وتدوم مراحل التعليم 9 سنوات وبداية من سنّ 6 سنوات ليصبح الجسد في هذا الوقت جزءً من مخازن البلاد الثقافية.
بعد 14 جانفي 2011 ومع عودة انتشار القوالب الدينية المستوردة والمقاطعة للفنون وخاصة الرقص من خلال إغلاق عدد من نوادي الرقص خاصة في الجهات الداخلية، عبر تهديد أصحابها وباعثيها والمشرفين عليها على اعتبار الرقص مجون وإخلال بالأخلاق. إلا أن ذلك لم يتمكن من الصمود أمام مجتمع يمثّل فيه الجسد أحد أبرز التعبيرات على الحرية كما لم يتمكن من محو الذاكرة حيث نجد أنه في المناسبات (زواج، ختان، نجاح في المناظرات التعليمية الوطنية...الخ) تقام محافل الرقص التي تمزج بين المعاصرة والتراث حيث أن الأخير لا يغيب عن أي مناسبة مهما كان نوعها كتعبير على الأصالة والانتماء. فلا يمكن البتة أن نجد محفلا إلا وتخللته رقصات الفن الشعبي التونسي التي وبتنوعها تعبّر على الانتماء الجهوي له، فيختلف من جهة لأخرى معبّراً عن تاريخها ومنشئها.
رشدي بلقاسمي هو أحد الشباب الذي عمل على حفظ الموروث الثقافي التونسي. تجوب رقصاته كل جهات البلاد، فيحدّثنا عبر كل رقصة عن تاريخ جهة بعينها ويحدّد لنا طبيعتها وتكوّن مخيالها وبيئتها التي نشأت فيها، ليغدو منارة فنية تمكنت من تأصيل الرقص الشعبي واعتباره ماض وحاضر ومستقبل أو هو جزء من الهوية الثقافية التونسية. في نفس الوقت، مكّنتنا رقصاته من الوقوف على الفجوة الثقافية التي خلّفها نظامي الاستبداد والتي ظهرت روافدها بعد الثورة من خلال اعتبار الفنون عدوة الأخلاق، مما جعله يتعرض لهجمات طالت رقصاته التي تمّ اعتبارها أنثوية وخادشة للذكورة لا للرجولة في حين أنه يساعد على فهم السياقات المحلية المتأرجحة بين الانغلاق والانفتاح ويدعوا إلى المصالحة مع الجسد.
لقد عبّر رقص "رشدي بلقاسمي" عما يختلج العديد من خجل وبعّد في المسافة بين الروح والجسد ليرسخ عدم صوابية النظرة المجتمعية التقليدية للرقصـ بتصنيفها له مذكراً أو مؤنثاً. رغم ازدحام سوق الفنّ بالراقصين يظل "رشدي بلقاسمي" بلوحاته الفنية الراقصة يعبّر على فلسفة الجسد وحمولتها الثقافية التي تعمل على تحرير العقول من خلال تحرير الجسد في تناغم بين الماضي والحاضر .
منذ أيام ثارت ثائرة منتقديه عن اختياره لشريكة حياته المحجّبة، كتعبير على تعارض أفعاله مع خياراته، ملمحين إلى استغرابهم من هذا الاختيار على أساس أن ميوله الفنّية لا تتماشى والدين الإسلامي ويجب أن تكون خياراته متحررة مثل جسده. وإن كان هذا الرأي يدعوا إلى الغرابة فإنّ استهجان صنّاعه يدعوا إلى الصدمة من فئة مجتمعية لا تكبح جماحها في التعبير عن حالة الانفصام التي تعيشها لمجرد تأويلات ساقها إسلام ذكوري.
رغم ادعائهم بالانتماء للحداثة، يعيب الكثيرون على "رشدي بلقاسمي" أن الرقص مجاله الفضاء الخاص لا الفضاء العام، وهو الذي لطالما ردّ عليهم بانغماسه أكثر في الفضاء العام، مشدّداً على أن الرقص هو شكل روحاني يعبر عنه الجسد وأن بيئتنا التونسية قد تمر بالمحن، لكنها حبلى بالحرية.

 

ميديا