إن كان الغرابُ معلّماً لقابيل

0
0
0
s2smodern

كانت صورُنا تصغر كلما ذهبنا في العمر عميقاً، كما لو تحفظ طفولتنا وملاعبنا، ضفافَ الصِبا ولياليها العامرة. ملابسُنا تصير على غير احجام، نتبادلُها بمحبّةٍ وشعف، وهي أمانينا... نترسّلهُا بِعُجالةٍ منقطعة النظير، فإذا ما بلغنا سنَّ الرشد، نهتف لو نعود.

وتلك الأصباحُ الممتلئةُ بأنباضي، أُلقي فيها تحايا طبيعيةً بلا تكلّف، ومع كلِّ نظرةٍ ثمة وداعٌ غريبٌ ينتابُني، أحارُ في هاتي المشاعر، كيف تتسلّلُ، تسلبُني نهاري وليلي، وليس بالإمكان لأتقيها، فأتعمشق لأبلغ أجواز الكلمات، حيث تسيلُ الغيوم برضاب امرأةٍ في مكانها الحفيّ، كمن يخلع ليلاً بعد أسارٍ على رغم أن جسدي طليق، وروحي حُرّة، وأرضي تجري ومائي، والوجوه التي أعانقُ، تتنزّلُ في مرآة غسقي وشفقي، فلا نمضي عن أفواف الورد، وبنا عناقٌ نبيذيُّ الهوى والمُنى، وتلك الأصوات، أستعيدُها بذاكرةٍ حيّة.
بعد زمان، كلُّ مَن كنّا معاً حضروا بلمح البصر، نملأ الصفحات المثقوبة بالرصاص، بعيونٍ حافلة المشاهد،
بأيَيْدٍ تلّوح، تودّع، توْدِعُ في كوارة البركة والخيرات دقيقَ نفوسِنا، وإذا ما انتابتِ الأماكنَ نوباتُ الجنون، هُرعنا إلى خيالاتٍ جمدت مكانها، وهي اكتمالُ رواحنا ومجيئنا، ننهض بها بعد خباء السُبات، نركض معاً... فلا تتعب منّا، وهي في صورتها الأخيرة، إنما تعبيرٌ عن صمودٍ أسطوري، عن لقائنا هنا... مهما ابتعدنا وتباعدت بنا الأيام والسنون.

صورُنا الجامعة والمفرودة. في ما بعد لم أحظَ بوجوه أصحابها، وبي آلامٌ وأوجاع... رفيقة السفر، وهي أصدقُ إنباءً من الوداع. أحفظ تلك اللقاءات والكلمات، والسنون التي تركنا وراءنا، تلك التي بذلتها وأعرتها للحنين والأشواق، لأترابي وصحبي، وبي تُراباتُ الفرح والشجن، وتلك الوجوه المُترَبة، فأصختُ حواسّي لوشوشة الأوراق، اتملّاها، وما وراء الصورِ حُجُبٌ ثِقالُ البوح، كأنما تمنع عليَّ وداعي لمطارحي، وعند كلِّ نَفَسٍ وثغرٍ قُبَلٌ مرجاة، عند العتبات عتبٌ على قدِر المحبة... ليومٍ التلاقي والتصافح، عند قصائدي المقتولة، المسفوكة بإمعان، فلا أتقّي حبرَها المُسال، لا أستطيع لها بلوغاً، وقد تمزّقت كلماتها كحالنا، وهي جموعنا واجتماعنا، عمري الذي يولد باستمرار، هي كلٌ تلك المصادفات الجميلة الرائعة.

كأنّني أنباضُ كلماتي، وهي من نسغ بنيني وحفدتي، محيايَ ومسراي، نُسكي وصلاتي. وكلّ صفحةٍ بعامٍ سمين، فإذا ما انصرمت، أضحت سنين عجاف، ولستُ غير لحمٍ ودم، أطفحُ، أُحَبّرُ الهواجسَ والكوابيسَ السوداء، فتنقلب إلى بياض الصفحات حتى تمتلئَ بي، حينها لا وداعَ أو مسافات، تلاقٍ وعناق أبديّ.

☆☆☆

في تالد الأيام، ثمة أضوءٌ تشقُّ العتمات، ثمة أبوابٌ جديدةٌ لبيوتٍ منزوعةِ الذكريات، ثمة أسئلةٌ بلا انقطاع، ودهشةٌ تتجاوزُ الأحلامَ والرؤى، فتبدو خيالاتُنا نطاردُها وتطاردنا بوجوهٍ مزيّفة، بنظراتٍ غامضةٍ مبهمة، بلكناتّ مدغمة، فتراميتُ عن ذي أسوارٍ وأغلال، أقترف معصيةَ الكتابة، ومثلما تلتفُّ أساورُ الرمال حول أجسادٍ غريبةٍ... تقتات بها، رأيتُني ألتفُّ حول الرؤى والأحلام، ولي عين الصياد، أغزلُ منها حكايا مخبوءةً لمقبلٍ يُشابهُني، وما كان يقطرُ من طفلٍ في حجرة النسيان، وقد حملت يابستُهُ خطواتٍ بطول الأرض وعرضها، بمشارقها ومغاربها، بهاتي أشواقٍ تولَمُ لنا الغرباء، وكلّ ما يمشي على قدمين، ويزحف ويدبُّ، علقوا في عنق الزجاجة، تلك التي انكسر ماؤها عن أفواهنا، وما بين الظلال المكسورة، عيونٌ تترامق الحزن، تتلامس دموعها، وهي كحلٌ في قارورة الليل، حِنّاءٌ الأنهر والبحار، أسفارٌ منذورةٌ لمثلنا، فامتثلنا ليوم الخير والشرّ، وتلك الصلبان بعض ظلالنا وارواحنا.
هناك، ظللنا ما بين دمٍ وفاجعة، ومشاعرنا المسجاة نحرقها، ونحترق بها، وهي ابتهالات مفعمة النجيع والبكاء، وهي مزارات قديمة معتّقة، بقيّتُنا على الأرض باسم الحب.
☆☆☆
قطرةُ الدّمِ المُتربةُ تلك، حفرت مكانها في التراب في الوجدان. قطرة العرقِ، نضحت بها كأسي الثمِلة. قطرة الكلمة، تتناثر على يدي، وبين عينيَّ قطرة عالقة ليومٍ آخر.
اثوابنا على مقاس التوجّدِ والأحزان، وهذا البحر الموزون القصيد لملامحَ وملاحم، يذهبُ بها من الصدر إلى العجز.
أذهبُ، وقد نسيتُ ملامحي، وقد انتسبت إليها طويلاً كيف أفلت، وقلب حبيبتي لا يزال دافئاً، لم أزل يافعاً وقد بلغتُ من العمر شأواً وجرحاً، تلك التي قبّلها قلبي، وأصغى لها ثغري تحسّباً لفراغ، وخلف الهذيان مَن يروغ كالثعلب، فاستوت ملامح التوحّش، وحولي رقابٌ يتسلّقها الغواة.
أجري وراء ضحكتي البعيدة، لا أميّزها عن ضحكات أقراني، ولم يُقْرِنا قاتل، لا غرابةَ كيف كنّا نُقتات، كيف صدَرْنا بلا أحشاء، وبنا احتشاءٌ موحش، فافترشنا أسرّة الصنوبر والسنديان، نسردها بمن كانوا بكثرةٍ، وقد صرنا في عتمة الوجود مثل ظلّين لا يلتقيان.
شغفي المستحيل، أيقظ دمَ الطيور الحامي. دمُنا البارد لا يصلح للطيران، ورياح الخماسين تأخذني إلى زنازين أشقائنا، وخيالي معلّقٌ بحلمٍ مهاجر، حينها، أيقنتُ سرَّ القطاف، قدرتي على الصعود وفوق ظهري جثثٌ بلونٍ واحد، بقمرٍ أدّى التحيةَ وغاب، وتلك نظراتنا، كلماتنا الأخيرة، خاتمة الخطوات.
وأنا أُعيدُ عليَّ الأهوال، يعيدني الضوء إلى الرحم كيف يولد، وبي من فرط الدّهشةِ والطريق، صهيبُ الدّمِ منذ ما قبل التكوين.
ما نفع كلّ هذا القتل إن كان الغرابُ معلّماً لقابيل...!!