بيتنا في البستان بين العنبر والرمان

0
0
0
s2smodern

كان، حُبينا غابة من أشجار الليمون وشتى أنواع الاشجار المثمرة الرمان والمشمش والبلح وكبوش التوت سائر انواع الثمر... ففي كل فصل له ثماره وازهاره!... وما من بستان خلا فيه شجر العنبر...

والياسمين والزيزفون...وكان لي كل فصل من الربيع، اشجاره وازهاره فالأرض تكتسي بالزنبق والاقحوان.. وشقائق النعمان.. وكانت أزهار العنبر مصدراً معروضاً ونحن صغار.. نبيعه في معمل الريحة الفرنسي.. الذي يصنعونه في لبنان ويرسلونه إلى باريس.. في لبنان يدفعون ثمن زهر العنبر بطعم قروش وفي باريس يبيعون عصيره بمئات الفرنكات!...
*****

ومن غرائب العنبر والعوسج أن العصافير كانت تتجنب اغصانها ولا تبني فوقها يتبنين فروعها واعشاشها كما تفعل ذلك في سائر الأشجار! وفي ذلك البستان بنى جد والدي بيتنا بحجر رملي، وفي أن أحدثك عنه... فهاك حكايته..
*****

كان بيتنا الذي بناه جد والدي بالحجر الرملي فوق كتف قناة.. تنصب فيه المياه ايام الصيف فتحسّ مرحاً لشتى أنواع الحشرات و الفئران! وتفيض ايام الشتاء متدفقة بجريها نحو البحر.. وكان بحجارته الرملية الكثيرة الثقوب محاطاً بغابة من القصب... وشجيرات من الريحان! وكانت ثقوبه اعشاشاً لعصفور الدوري واوكاراً للحرادين والفئران!...
*****

وكانت شجرة المشمش تندّس بأغصانها من الشباك العتيق إلى غرفة نومنا حاملة ثمارها التي نضجت حتى صارت كأنها مصابيح أوشكت أن تنطفئ.
*****

وكان أشبه ما يكون من الخارج.. بيت الشاعر نزار قباني ومن الداخل أقرب ما يكون إلى بيت رشيد أيوب في قصيدته "يا ثلج": نرنو لديه كأنه المسجد وكأننا النساك في الزهد...
*****

وكان في الفصول الأربعة أشبه ما يكون كحبس راهب اعتزل عشرة الناس مستبدلاً إيّاها بعشرة خرافات وأوهام سفر التكوين.. وكان سطح بيتنا آنذاك مفرشاً، للعريشة تنبسط فوقه بعناقيدها التي كانت تستهوي العصافير... و الهدهد يتبختر فوقه بعرفه الذي يشبه تاج المطران... يتراقص طرباً كأنه مطران العصافير التي تلهو عنه بنقر عناقيد العنب!...
*****

ولكم جلست على عتبة الباب انظر بشغف إلى جلِّ الرمان وعصفور سن المنجل يبحث عن مغارة في جذع شجرة التوت حيث يبني عشاً لتبيض.. ولكم شعرت بالبهجة كلما أطل الربيع آتياً من فوق قمم الجبال مرتديا زيّاً ملوّناً بمئة لون ولون نصف من الاقحوان والنصف الآخر من شتى الألوان والأنواع وأكثرها شقائق النعمان!
في تلك الأثناء كان الديك يتبختر فوق سطح القن، ثم يقفز إلى سطح القن حيث يشعر بالأمان من غدر الثعلب الذي يتربص به في غابة القصب!.. فيما يربض عند باب منزلنا كلبنا كار... يقوم بمهمة الحراسة!..
*****

كانت تلك آخر جلسة لي فوق تلك العتبة... وكانت تلك اللوحة الفنية آخر ما شاهدته فقد أعلنت الجرافات الحرب على البساتين التي تحولت إلى شوارع تزدحم بالسيارات وعربات باعة الخضار.. وعشرات الدكاكين والكراجات ومستوعبات النفايات.. وزالت الأشجار من البساتين.. ومعها زال بيتنا وأعشاش عصافير الدوري... وزالت سطوح القرميد في حي الحساسين والبلابل والشحرور..
*****

ونهار البارحة مررت حيث كان بيتنا... رأيت بناية من عشرة طوابق... فتذكرت الهدهد الذي كان يشجو فوق سطح القرميد... وتلك المصابيح التي أطفأت...
*****

في تلك الأثناء لم أشاهد أسراب الترغل تمر في حلّتها المعتادة من الشمال إلى الجنوب، ولا رأيت جوقة الوروار تحوم فوق تلك البناية تندب الأطلال كأنها تسأل: أين هم أهل الدار؟ أين المصابيح؟ أين العنبر؟ أين الهدهد فوق سطح القرميد؟ أين البرتقال وشجر الرمان...؟