ماذا يقول الذين ليسوا بفلاسفة

0
0
0
s2smodern

يتوجّه هذا الكتيِّب إلى جميع القرّاء الذين يصنّفون أنفسهم، عن خطأ أو عن صواب، في عِداد «الذين ليسوا بفلاسفة»، والذين مع ذلك يبغون أخْذ فكرة عمّا تكون الفلسفة.


ماذا يقول «الذين ليسوا بفلاسفة»
العامل، الفلّاح، المستخدم: «في ما يتعلّق بنا، نحن لا نَفْقه شيئاً في الفلسفة. هي شيء لا يعنينا. إنّها شأن مثقّفين ذوي اختصاص. شيء في غاية الصعوبة. ولم يكلّمنا عنها أحد على الإطلاق: تركنا المدرسة قبل أن ندرسها».
الكادر، الموظّف، الطبيب، إلخ : «بلى، أنهينا صفّ الفلسفة. لكن كان ذلك في غاية التجريد. كان الأستاذ متمكّناً من مادّته، لكنّه كان مُغرِقاً في الغموض. لم نحفظ منه شيئاً. وإلى ذلك، ما جدوى الفلسفة أصلاً».
أحد الآخَرين: «عفوا! لقد استحوذَتِ الفلسفة على اهتمامي. ذلك أنّنا، والحقّ يقال، حظينا بأستاذ رائع. فمعه كنّا نفهم الفلسفة. لكن كان عليّ مذّاك السعي لكسب العيش. إذاً، ما العمل، واليوم لا يتجاوز 24 ساعة: لقد فقدتُ الاتّصال. خسارة».
وإذا ما سألتهم، جميعاً: «إذاً، بما أنّكم لا تعتبرون أنفسكم فلاسفة؟ مَن مِن الناس، في رأيكم، يستحقّون التسمية بفيلسوف؟»، سيجيبون، وبالإجماع: «أساتذة الفلسفة طبعاً!».
وهذا عين الصواب: فعدا الذين، لدوافع شخصيّة، أي لدافعٍ مِن طلب المتعة أو الإفادة، يواصلون قراءة مؤلّفي أعمال فلسفيّة، يواصلون «الدأب على الفلسفة»، مستحقّو التسمية بفيلسوف، دون سواهم، هم في الواقع أساتذة الفلسفة.
هذا الواقع يطرح بطبيعة الأمر سؤالًا أوّلاً، أو بالأحرى سؤالين.
1. بالفعل، هل من باب المصادفة حقّاً أن تتعلّق الفلسفة إلى هذا الحدّ بتدريسها، وبالذين يدرّسونها؟ ينبغي ترجيح الجواب بالنفي، إذ لا بدّ من الإقرار بأنّ اقتران الفلسفة بالتدريس هذا، لا يبدأ مع مرورنا بصفوف الفلسفة، أفلاطون كان يدرّس الفلسفة، وأرسطو كان يدرّسها أيضاً... وإذا لم يكن هذا الاقتران فلسفة/ تدريس وليد المصادفة، فهو يعبّر عن ضرورة خفيّة. سنحاول اكتشافها.
2. لنمضِ قُدُماً. لمّا كانت الفلسفة، في الظاهر، ليست ذات جدوى تُذكر في الحياة العمليّة، كونها لا تُنتِج معارف ولا تطبيقات، بات من الجائز التساؤل: ما جدوى الفلسفة إذاً بل وبات من الجائز حتّى أن يطرح المرء على نفسه هذا السؤال الغريب: هل مِن المصادفة أنّ الفلسفة قد تكون مجدية في تدريس ذاتها ليس إلّا، وليس في أيّ شيء آخر؟ وإذا كانت تجدي في تدريس ذاتها ليس إلّا، فهل لذلك مِن دلالة؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال الصعب.


من الكتاب