سلسة الرتب والرواتب أقرّت... صفعة قوية للهيئات الاقتصادية/ الضرائب: بين التهويل بدمار اقتصادي... والتأكيد على دور تصحيحي

0
0
0
s2smodern


أخيراً، وبعد انتظار دام 5 سنوات، طويت صفحة سلسلة الرتب والرواتب بعدما صدّق مجلس النواب على قانوني سلسلة الرتب والرواتب والتعديلات الضريبية في جلستين تشريعيتين في 18 و19 تموز الماضي. هذا الإنجاز الذي يؤرخ للعهد الجديد أعطى العاملين في الدولة بعضاً من حقوقهم في تصحيح أجورهم التي كانت مجمّدة منذ عام 1996، على الرغم من أن فئات عدة منهم خرجت من هذه المعركة غير راضية.
قيل الكثير عن الضرائب التي أقرت. فقد تنبّا العديد من الاقتصاديين، وأغلبهم من المقرّبين من الهيئات الاقتصادية والقطاعات الريعية التي تضرّرت من إقرار الضرائب، بمفعول كارثي للضرائب، محذّرين من تدمير الاقتصاد. وانضمّ لهؤلاء أحزاب وفعاليات سياسية واقتصادية، أبرزهم الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الكتائب.
في المقابل، يؤكّد عدد آخر من خبراء الإقتصاد أنّ ثمّة جزءاً من الضرائب الذي قد يطاول الطبقات الفقيرة، غير أنّهم يؤكّدون أنّ ثمة على الأقلّ ضريبتين كانتا أكثر من ضروريتين وهما الضرائب المفروضة على القطاعين المصرفي والعقاري.


أبرز الضرائب التي أقرت
بداية، لا بدّ من التذكير بأنّ ما أقر من ضرائب جديدة يضاف إلى ما كان أقر سابقاً في جلسة سابقة لمجلس النواب خصصت لدرس وإقرار سلسلة الرتب والرواتب وبينها رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة من 10% إلى 11% بهدف تحقيق إيرادات تقارب الـ 300 مليار ليرة، وكذلك رفع عدد من الرسوم على الطوابع المالية وعلى الإسمنت وكتاب العدل وغيرها. هذه الضرائب انضمت إلى ما أقر في جلسة الأربعاء 19 أيلول، وأبرزها إقرار المادة 10 بتعديل نصها لناحية فرض رسم 5000 ليرة على المسافرين غير اللبنانيين لدى دخولهم الأراضي اللبنانية. كما أقر المجلس المادة 11 بإلغاء الرسوم على بطاقة السفر السياحية وإبقاء الرسوم بقيمتها الحالية أي 60000 ليرة، وإقرار المادة 12 التي تفرض على المستوعبات المستوردة من الخارج رسما مقطوعا وفقا لما يأتي، عشرون قدم 80 ألف ليرة، 40 قدم 120 ألف ليرة. وأقرت المادة 13 المتعلقة بالأشغال غير القانوني للأملاك العامة البحرية بإدخال تعديل طفيف. ثم أقر المجلس المادة 14 المتعلقة بإخضاع جوائز اليانصيب الوطني بكافة أنواعه واليانصيب الأجنبي التي تفوق قيمتها 10 آلاف ليرة لرسم نسبة قدره 20 بالمئة من قيمة الجوائز.
كما تم إقرار المادة 15 المتعلقة بقانون ضريبة الدخل والتخمينات، مع الإبقاء على نسبة التخمين على الشركات والمؤسسات الخاصة 10 بالمئة، وفي هذا السياق، سجلت كتلة "الوفاء للمقاومة"... سجلت اعتراضها على المادة 15. وأقرت المادة 16 لناحية فرض رسم على عقود البيع العقاري بنسبة 2 بالمئة بالإضافة إلى إقرار المادة 17 لناحية فرض ضريبة قدرها 17 بالمئة على أرباح شركات الأموال، وتم إقرار المادة 18 والتي بموجبها ألغي العفو الذي كانت تحظى به بعض شركات الأموال المسجلة بالبورصة بنسبة 5 بالمئة وعادت الضريبة إلى 10 بالمئة. ثم تم إقرار المادة 19 المتعلقة بإخضاع لأحكام قانون ضريبة الدخل بمعدل 7 بالمئة، فوائد وعائدات وإيرادات كافة الحسابات الدائنة المفتوحة لدى المصارف بما فيها حسابات التوفير، باستتثناء الحسابات المفتوحة باسم الحكومة والبلديات والمؤسسات العامة والبعثات الدبلوماسية وفوائد وعائدات الودائع وسائر الالتزامات المصرفية بأي عملة كانت بما فيها العائدة لغير المقيمين، وفوائد وإيرادات وعائدات حسابات الائتمان وإيرادات الأموال.

الصفعة الأكبر للهيئات الاقتصادية...!
آخر ضريبتين هما ما كان يعارضه جملة وتفصيلاً ويقف بوجهه لوبي الهيئات الاقتصادية التي تلقت الصفعة الأكبر نتيجة ما حصل. وقد بان هذا الأمر واضحاً مع وصف رئيس اتحاد الغرف الاقتصادية محمد شقير ما حصل بـ "الجريمة بحق الاقتصاد". وكان شقير انتقد "فرض ضرائب على قطاعات وضعها أصلاً صعب، كالقطاع العقاري مثلاً، فبدل أن تنفذ له تحفيزات فرضت ضرائب عليه، كذلك القطاع المصرفي الذي نال حصته من الضرائب، لافتاً إلى أن 15 مصرفاً صغيراً سيكون مصيرها الإقفال".
وبدوره، كان رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس أسف لكون الأولويات أتت معكوسة، أي أن السلسلة أقرت قبل الموازنة، لافتاً في هذا الإطار إلى أن رئيس الجمهورية ميشال عون كان على حق عندما نادى بإقرار الموازنة قبل السلسلة "لأنه كان يمكن توفير ضرائب واستبدالها ببدائل كانت موجودة"، كما قال شماس. وشدد شماس على أن "وقع الضرائب التي أقرت لتمويل السلسلة وعددها 29 ستطال كل جوانب الاقتصاد اللبناني من سلع واستيراد وتصدير وشراء وتوظيف وإدخار، كما أنها ستطال جيوب كل الناس حتى الفقراء"، واصفاً بالتالي ما حصل بـ "الصدمة الضريبية الهائلة للاقتصاد اللبناني"، مقدّراً في هذا السياق أن العبء الضريبي ارتفع 18 بالمئة.
ومن ناحيته، كان رئيس جمعية المصارف جوزيف طربيه قد زار رئيس الجمهورية ميشال عون للطلب إليه عدم إمضاء قانون السلسلة، محذّراً من "الأعباء الإضافية التي ستترتب على الاقتصاد الوطني نتيجة التشريع الأخير الذي أقره مجلس النواب في الأسبوعين الماضيين والذي يزيد نفقات الدولة بصورة كبيرة جداً، ترافقه تشريعات ضرائبية جديدة، هناك اعتراض كبير عليها من جهات اقتصادية عدة، وبصورة خاصة، ما يتعلق منها بالإزدواج الضريبي الذي أثارته نقابات المهن الحرة، ونثيره نحن كجمعية مصارف لأنه يتناول تشديد العبء الضريبي بشكل غير متوازن وغير متساو وغير مضبوط بالنسبة لأرباح المصارف. فإذا كانت الضريبة سترتفع من 15 إلى 17 %، إلاّ أنه بالنسبة إلى المصارف فستكون بحسب توظيفات كل مصرف في سندات الخزينة وقد تصل إلى 40 او 50 %، بحيث أن كل مصرف ستكون الضريبة المفروضة عليه مختلفة عن المصرف الآخر. وهذا أمر غير سوي بالنسبة إلى التشريع يقتضي المعالجة".
في هذا السياق، تشير مصادر جمعية المصارف لـ "النداء" أنّ "الضرائب الجديدة ستكبّد المصارف ما بين 200 إلى 300 مليون دولار سنوياً، وستضاف إلى سلة "الأعباء التشغيلية" وتفضي إلى تآكل أرباح تُحقّق في زمن الإنكماش... حتى باتت "نقطة ضعف" تؤخذ على المصارف بدل أن تُكافئ عليها...!". وتشير المصادر المصرفية إلى أنّ "المصارف لا تطالب بالكثير. فهي التي تموّل الدولة والإقتصاد منذ زمن. وتدرك أن عليها المشاركة في تعزيز واردات الخزينة الضريبية، لكن شرط إعتماد المساواة والعدل بين فئات المكلّفين بدل تكليفهم إزدواجاً ضريبياً ورد في البند "ثانياً" من المادة 19، حين قضى بإعتبار الضريبة على ودائع الفوائد التي رُفعت من 5 إلى 7%، "عبئاً عادياً ينزّل من الأرباح" بدل إحتسابها سلفة على حساب ضريبة الأرباح كما في القانون قبل تعديله". وتشير المصادر عينها إلى أنّ "أي تراجع أو غياب للتدفقات المالية، سيُترجم إرتفاعاً في أسعار الفوائد على سندات الخزينة. علما أن الضرائب ستطال كل الودائع وليس ودائع الأغنياء وحدها، أي ودائع العسكريين والمتقاعدين والفقراء، ممَن قبضوا تعويضات وأودعوها المصارف ويعتاشون من فوائدها. هذا ما قرّره مجلس إدارة الجمعية في إجتماع إستثنائي عُقد قبل أيام".

خبراء: ضريبتان تصحيحيتان...!
من ناحية أخرى، تشير مصادر اقتصادية عليمة شاركت في وضع بعض الضرائب لـ "النداء" أنّ بينها ضريبتين ضروريتين لهما دور تصحيحي مهمّ للغاية، كان يجب أن يتمّ التطرّق إليها منذ زمن، و"لكن أن يأتي متأخراً خير من ألّا يأتي أبداً". وتضيف المصادر أنّ "القطاع العقاري يحقّق أرباحاً هائلة مقارنة مع باقي القطاعات ونسبته من الناتج المحلي هي الثانية بعد القطاع المصرفي، فهل من المعقول أن يبقى شبه معفي من الضرائب، في حين أنّ أهله يطالبون بتوجيه الضرائب نحو أي محاولات لإعادة إنعاش الإقتصاد الحقيقي؟". وتضيف المصادر أنّ القطاع المصرفي هو الأكبر في البلاد، وهو لا يقوم بدوره الحقيقي منذ زمن، بل وكان لا يدفع حتى الضرائب المفروضة عليه سابقاً، بل كان يقتطعها من الضرائب على الحسابات، أي أنّه كان يدفع ضرائبه من أموال المودعين! اليوم منع عنه هذا الأمر، ولذا نسمع كلّ هذا التهويل... فللمرّة الأولى، بات فرضاً على المصارف أن تدفع الضرائب كاملة من أرباحها، علماً أنّ كل ما قيل عن تأثيرات تؤدي إلى تدمير الاقتصاد هو مجرد تهويل بعيد كلّ البعد عن الحقيقة". وترى المصادر أنّ "المطلوب اليوم هو أن نعود إلى الإنتاج، كما أشار الرئيس ميشال عون، دون أن يعني ذلك التخلّي المطلق عن الاقتصاد الريعي... ولكن من غير المقبول بعد اليوم أن تكون البلاد كلّها ضحية الدفاع المستميت عن الريع". إلى ذلك، تختم المصادر بالعودة إلى حديث مرجع نيابي كبير رأى أنّ "المضحك المبكي أنّنا بتنا نرى اليوم اليسار الراديكالي في خندق واحد مع حزب الكتائب اليميني والهيئات الاقتصادية والمصارف!"، معتبرة أنّ على البعض أن يعي أنّه أخطأ بمقاربته، بمجرّد أن وجد نفسه في خندق واحد مع "أبو رخوصة".

  • العدد رقم: 319
`


فراس مقلد