زيارة الوفد اللبناني إلى أميركا لم تقدّم شيئاً ملموساً.. والإدارة متفهّمة

0
0
0
s2smodern

زيارة الوفد اللبناني إلى أميركا لم تقدّم شيئاً ملموساً.. والإدارة متفهّمة
قانون العقوبات يخطو خطوته الأولى في الكونغرس.. واستنسابيته أخطر ما فيه!

في بلد يعيش منذ تأسيسه على ردات الفعل لا الأفعال، جاءت انتصارات المقاومة اللبنانية في العقدين الأخيرين على العدو الإسرائيلي في العام 2000 وفي حرب تموز 2006، وعلى العدو التكفيري في جرود عرسال نهاية تموز الحالي، شعلة مضيئة في سماء خيبات "رسمية" تستهلكنا منذ 70 عاماً.
وفي حين كان المقاومون يقدّمون أغلى ما عندهم على مذبح الوطن، كان وفد لبناني يترأسه رئيس الحكومة سعد الحريري يقوم بزيارة إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد ست سنوات على زيارة حريرية إلى البيت الأبيض ولقاء مع الرئيس باراك أوباما انتهى إلى خروج رئيس الوزراء آنذاك من السرايا الحكومية.

وفيما ترى مصادر مطلعة على أجواء اللقاءات وما سمعه الوفد اللبناني في واشنطن إلى أنّ الزيارة لم تقدّم شيئاً ملموساً من ناحية المطالب اللبنانية المرفوعة إلى الجانب الأميركي، تشير المصادر عينها إلى أنّ الإدارة الأميركية متفهّمة لما طرحه الجانب اللبناني حول عدم إمكانية تحمّل البلاد لحجم العقوبات الأميركية التي يشاع ورودها في مسودة القانون الذي طرحه النائب عن كاليفورنيا إد رويس في 3 نيسان الماضي.


وفي حين يدرك الجميع حجم التوتر في العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب والكونغرس الأميركي، بشقيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ، تسأل المصادر عن المآل فيما لو أقرّ الكونغرس القانون وفرض على ترامب الالتزام به. هنا، تؤكّد المصادر أنّ ما سمعه الوفد من الإدارة الأميركية يختصر بجملة: "انتظروا عودة الكونغرس من عطلته في أيلول".


العقوبات الأميركية: "البيكار الواسع"
إلى ذلك، بات معلوماً أنّ النقطة الأساس على جدول أعمال الوفد اللبناني في واشنطن كانت تتعلّق بالعقوبات الأميركية الجديدة. ويجدر التذكير في هذا السياق بأنّ الكونغرس كان فرض عقوبات على حزب الله عام 2015، قبل أن يصعد إلى الواجهة طرح بإقرار قانون جديد للعقوبات يستهدف الحزب ومن خلفه بيئته والدولة اللبنانية ككلّ. ولعلّ الفارق الأكبر بين قانون العام 2015 والقانون المطروح اليوم على طاولة البحث يكمن باختلاف المقاربة بين التشريعين، حيث يستهدف الأول حزب الله ومؤسساته، فيما يطال الآخر كلّ ما يمكن الوصول له!
وكان ثلاثة مشرّعين أميركيين طرحوا مشاريع قوانين جديدة خلال العام الحالي، برز منها مشروع تقدّم به النائب الجمهوري عن كاليفورنيا إد رويس في 3 نيسان الماضي. وكان مشروع رويس بمسودته الأساسية خرج عن فكرة استهداف حزب الله والمنضوين إليه إلى استهداف كلّ من يتعاطى مع الحزب! وهنا كانت المفارقة بـ "توسيع البيكار" لتطال العقوبات حزب الله ووزرائه ونوابه وجمعياته ومؤسساته، وصولاً إلى بلدياته!
كذلك، سمّى مشروع 3 نيسان حركة أمل بالإسم، مع وزرائها ونوابها وجمعياتها وبلدياتها! بذلك، طال الجنوب والبقاع بشكل شبه كامل!
بالإضافة إلى ذلك، استهدف المشروع الأساسي كافة الأحزاب السياسية المرتبطة، والتي ارتبطت سابقاً، بحزب الله. بمعنى آخر، جميع الأحزاب اللبنانية تقريبا مستهدفة!
واستهدف المشروع عينه، وللمرة الأولى، المؤسسات الخيرية والجمعيات ودور الأيتام والمستوصفات، بحجة "تقديم الدعم المالي وتشجيع الإنضمام إلى حزب الله" كما ورد في النص الحرفي للمسودة.
ولكي يتضّخ مقدار وسع "البيكار" أباح المشروع كذلك استهداف المؤسسات اللبنانية والشركات الخاصة بحجّة ضمّها موظفين ينتمون لحزب الله في إدارتها، في ما سمّي بالإدارة الجزئية أو الموازية!


مشروع القانون الجديد بعد تعديله: استنسابية مطلقة!
في العشرين من تموز 2017، ناقش مجل النواب الأميركي مشروع إد رويس الجديد وأضاف تعديلات جديدة عليه، قبل أن تتحوّل المسودة إلى "ورقة أولى" إثر إقرارها في مجلس النواب، بانتظار مناقشتها في اللجان الفرعية بعد عودة الكونغرس من عطلته بعد شهر من اليوم.
ولعلّ اللافت في التعديلات التي أقرّت على المسودة أنّ حركة أمل ما عادت مذكورة بالاسم، بل وفي حين جاءت التعديلات، بالشكل فقط، أخفّ وطأة على البلاد، غير أنّها بالمضمون أبقت على جوهر الفكرة التي انطلق منها المشروع، بحيث أبقت على المعيار المتعلّق باستهداف كلّ الجهات المرتبطة والمتحالفة مع حزب الله، لكنّها زادت الاستنسابية، بحيث أضحى موظّف في الإدارة الأميركية يقوم بتحديد من يتعاطى مع حزب الله ومن يجب معاقبته ومن يمكن التغاضي عنه!!
ويحمل مشروع رويس الذي نوقش في مجلس النواب رقم H. R. 3329، يتألف من 33 صفحة، وهو كما يشي في سطوره الأولى يهدف إلى "تعديل قانون منع تمويل حزب الله الصادر عام 2015"، وإلى فرض عقوبات جديدة، بالإضافة إلى "أغراض أخرى". في المقابل، تشير أوّل نقطة في المشروع إلى أنّه يحمل اسم "قانون تعديلات منع تمويل حزب الله لعام 2017".

يقسّم المشروع إلى ثلاث عناوين أساسية وأربع مداخل فرعية لكلّ من العنوانين الأول والثاني ومدخلين فرعيين للعنوان الثالث.
يتعلّق العنوان الأول بـ "منع دخول حزب الله إلى المؤسسات المالية العالمية وغيرها"، في وقت يحمل المدخل الأوّل منه اسم "العقوبات الإجبارية المتعلّقة بأنشطة حزب الله في ما خصّ التمويل والتجنيد (أو التطويع)". ويشير المشروع في هذا المدخل إلى أنّ " على الرئيس (الأميركي) أن يفرض العقوبات على أي شخصية أجنبية يقرّر أنّها تساعد، تموّل، أو تقدّم خدمات مالية، مادية، أو تكنولوجية إلى:
- مؤسسة بيت المال، جهاد البناء، هيئة دعم المقاومة الإسلامية، دائرة العلاقات الخارجية في حزب الله، منظمة الأمن الخارجي في حزب الله، وجميع من يخلفها ومن يرتبط بها.
- تلفزيون المنار، إذاعة النور، المؤسسة الإعلامية اللبنانية، وجميع من يخلفها ومن يرتبط بها.
- أي شخصية أجنبية يقرّر الرئيس أنّها متورطة في أنشطة تمويل أو تجنيد لصالح حزب الله.
- أي شخصية أجنبية مملوكة أو تديرها أي من الشخصيات والهيئات المذكورة أعلاه".

أمّا في المدخل الثاني للعنوان الأوّل، فيشير التقرير بصراحة إلى "أنّ الرئيس الأميركي يحقّ له بموجب هذا القانون منع الأجانب من الحصول على فيزا أو الدخول إلى الولايات المتحدة".
ويكمل المشروع إلى أنّه على الرئيس الأميركي "رفع تقرير عن المؤسسات المالية المشكوك في إمكانية تعاملها مع حزب الله تحت قوانين الدول الممولة للإرهاب"، بحيث "بحيث يحدّد جميع المؤسسات المالية التي تمّ التطرّق اليها أعلاه، وتوفير توصيف دقيق لأنشطتها، ورفع توصية حول مصير كلّ من هذه المؤسسات".
المدخل الثالث للعنوان الأوّل يتعلّق بـ "العقوبات التي تستهدف الدول الأجنبية التي تدعم حزب الله"، وهو يعطي الرئيس مهلة 120 يوما (بعد إقرار القانون) لفرض عقوبات على جميع "الوكالات والأدوات" العائدة لدولة أجنبية، والتي تدعم عبرها حزب الله.
كذلك يشير المدخل عينه إلى أنّ على الرئيس أن يحدّد الدول الأجنبية التي تقدّم دعماً جدّياً، سواء كان مالياً أو عسكرياً، إلى حزب الله، أو أي مؤسسة مملوكة من قبل، أو يديرها حزب الله".

العنوان الثاني لمشروع العقوبات يتعلّق بـ "الاتجار بالمخدرات، وأنشطة حزب الله الإجرامية البارزة العابرة للحدود". البارز في هذا العنوان هو المدخل الثالث الذي يشير إلى تعديل التقرير حول أنشطة الدول الأجنبية في الزعزعة العالمية "لشبكات حزب الله اللوجستية، المالية، التمويلية، وأنشطة تبييض الأموال". وفي هذا السياق، يدعو المشروع إلى إضافة "لائحة من المحافظات والبلديات والإدارات المحلية خارج لبنان التي توافق، أو تسمح عن علم، أو تتحمّل، أو لا تهتمّ لاستخدام حزب الله أراضيها قاعدة لأنشطته الإرهابية، بما فيها التدريب والتمويل والتجنيد".
ويشير المشروع إلى ضرورة إضافة "توصيف للعائدات الكاملة التي يحصل عليها حزب الله من شبكاته اللوجستية"، ومنها:
- لائحة بمصادر أموال حزب الله، تتضمّن مصادر الأموال القائمة على الأنشطة غير المشروعة، العائدات من إيران، المؤسسات الخيرية، وأنشطة تجارية أخرى.
- لائحة بمدفوعات حزب الله، تتضمّن مدفوعاته المتعلّقة بأعماله العسكرية المستمرّة، شبكاته الاجتماعية، وعملياته الخارجية.
- بحث وطني ودولي للبحث بالوسائل القانونية لاستهداف شبكاته المالية".

المدخل الرابع من المشروع يشير إلى "تقرير حول محاربة شبكات غير مشروعة لتهريب الدخان يستخدمها حزب الله وغيره من المنظمات الإرهابية".
أمّا العنوان الثالث والأخير من المشروع، فهو يتعلّق بالأحكام العامة.


العقوبات فشلت في إيذاء حزب الله.. فجاء الدور على بيئته!
المشروع الذي رفعه مجلس النواب الأميركي نهاية تموز إلى اللجان الفرعية لدرسه يطال اليوم لبنان كلّه. بعدما فهم الأميركيون أنّ عقوباتهم السابقة التي فرضت عام 2015 لم تؤثّر بحزب الله، ولا بأذرعته العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن الوهم الذي وقعوا فيه سابقاً ارفقه بعض اللبنانيين حول إفلاس حزب الله وتضرّره الشديد من العقوبات، قرّروا اليوم توجيه سهامهم نحو بيئة الحزب المستفيدة منه وإلى باقي الشعب اللبناني، على حدّ سواء. فالاستنسابية الشديدة التي يلحظها مشروع إد رويس الجديد تسمح للعقوبات بأن تطال المصارف اللبنانية لكونها الشريان المالي للبلاد، على الرغم من أنّ حزب الله أعلن على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله مراراً أنّه يتلقّى تمويله، كما أسلحته، بالشنط، وليس عبر النظام المصرفي. كما تطال العقوبات، في حال أقرّ القانون كما هو، جميع رجال الأعمال والمتموّلين الذين يدورون في فلك حزب الله ويتبرّعون له، وهم من الفئة التي يراهن القانون على أذيتهم كونه لم يتمكّن من أذية حزب الله حتى الآن. كذلك، تسمح الاستنسابية عينها باستهداف الجمعيات ودور الأيتام والمستوصفات وكافة الجمعيات الخيرية والاجتماعية التي قد يعتبر موظّف في الإدارة الأميركية أنّ لها علاقة بحزب الله.
اليوم، يستهدف الأميركيون، الغارقون في مشاكلهم الداخلية ووحول سياساتهم الخارجية، لبنان كلّه عبر مشروع القانون هذا. أفلم يحن الوقت بعد أن يلعب لبنان أوراق القوة التي يمتلكها للخروج من هذا المحنة؟ ألم يحن الوقت للعب ورقة التحذير من التلاعب الأميركي بالاستقرار لكونه هما غربيا ومصلحة غربية، والتوجه إلى الفرنسيين والألمان وحضّهم على التدخّل، كون أي لا استقرار في لبنان ستكون نتائجه قاسية جدّاً عليهم نتيجة النزوح السوري واللبناني إليهم، خصوصاً مع وجود أكثر من مليون نازح سوري في لبنان؟ ألم يحن الأوان بعد للعب ورقة النفط والغاز، علماً أنّ الشركات النفطية الأميركية التي تدعم ترامب مالياً تحاول الدخول على خطّ الغاز اللبناني؟ أليس بالإمكان التوجه إلى الدول الصديقة التي يمكن أن تلعب دوراً في هذا المجال، علماً أنّ مصلحتها تقتضي ذلك، وأبرزها مصر والجزائر والعراق؟ أليس بالإمكان الضغط على الولايات المتحدة من باب أنّ لبنان هو بوابة سوريا وإعادة إعمارها، علماً أنّ الشركات التي تدعم ترامب تعمل كثيراً على هذا الخطّ؟
القضية تتعلّق بالرؤية السياسية والقرار. ربما حان الوقت أن تقف الحكومة اللبنانية موقفاً قوياً، بدلاً عن ردات الفعل التي لا تؤتي ثمارها. اليوم يقف لبنان أمام مفصل مهمَ، فهل يقتنع سياسيوه أنّه بلد مستقلّ لا ملحق، أم يصرّون على أنّ "قوة لبنان في ضعفه"...؟ الوقت مفتاح كل الإجابات.. وأيلول لناظره قريب.!!؟

 

  • العدد رقم: 320
`


فراس مقلد