مسيرة التحرير: كانت أولاً... بيروت

0
0
0
s2smodern


عشية الذكرى الخامسة والثلاثين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول 1982، نتوقف أمام بضعة مسائل كي نميزها هذا العام؛ في البدء، نستذكر كل الرفاق الشهداء والجرحى والأسرى الأبطال من حزبنا، وكل الشهداء والجرحى والأسرى من باقي التنظيمات، الذين كان لهم الإسهام المشرّف والمؤثر والحاسم في مسيرة التحرير، التي انطلقت بانطلاقة جمول. لقد ترسخت تضحيات الشهداء في وعي ووجدان ومشاعر أهلهم وشعبهم وكل الوطنيين، فألهمت الجميع على متابعة المسيرة وحققت التحرير.
عندما قرر حزبنا اطلاق جبهة المقاومة الوطنية، وانطلقت عقب إعلان الرفيقين جورج حاوي ومحسن إبراهيم ندائهم التاريخي "إلى السلاح مقاومةً للاحتلال"، ومن منزل القائد الوطني الشهيد كمال جنبلاط، أخذت مسيرة التحرير طابعاً مختلفاً، حيث شكلّت منعطفاً حاسماً في عملية النضال؛ لقد سبقتها محطات عديدة، بدأت مع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين وتشريد أهلها، واستمرت مع قيام الكيان الغاصب، وباحتلال قرى أمامية في جنوب لبنان، حيث شهدت تلك الفترة محطات مضيئة في تلك المواجهة الوطنية، التي قام بها مواطنون وشيوعيون ومن انتماءات سياسية وفكرية ووطنية وتقدمية متنوعة، ومن مختلف القرى الجنوبية... مزارعون وعمال وشباب وطلاب، جمعتهم قيم الدفاع عن الأرض بوجه العدوان الصهيوني: من "الحرس الشعبي" الذي أطلقه الحزب الشيوعي اللبناني دفاعاً عن القرى الأمامية، إلى "الأنصار" مع أحزاب شيوعية عربية، للمساهمة في النضال الوطني التحرري ضد الكيان الصهيوني، إلى المنعطف التاريخي الذي تجسد بإطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عام 1982، في مسيرة وطنية لتحرير الأرض، لطالما حمل الشيوعيون لواءها، ووضعوها في برنامجهم النضالي، منذ تأسيس حزبهم، بمقاومة الانتداب وبالمطالبة باستقلال لبنان.


لقد انخرطت جمول في هذه المسيرة بكل عزم وثبات، وعن وعيّ وقوة وعزيمة وإدراك؛ لم تبخل عن تقديم أغلى التضحيات، كيف لا، فالمقاومة وجدت لتنتصر وانتصرت. إنه الشعار، الذي ازدانت به شوارع بيروت، وحمله سكان المدن والبلدات والقرى اللبنانية التي تحررت من رجس الاحتلال بفضل المقاومة وصمود أبنائها:
كانت أولاً بيروت، باكورة التحرير، حيث لم يتمكن العدو الإسرائيلي من البقاء فيها سوى أيام معدودة، اندحر، تحت ضربات جبهة المقاومة الوطنية، ذليلاً، ترافقه صرخات مكبرات الصوت فوق الدبابات الإسرائيلية وهي تناشد أهالي بيروت "لا تطلقوا النار علينا فنحن منسحبون من بيروت"!! وكان ذلك في 27 أيلول 1982. واستمرت مسيرة التحرير على طول الخط الساحلي الممتد من خلدة، مروراً بإقليم الخروب وصولاً إلى نهر الأولي، وصعوداً من عالية والشوف، في 3 أيلول 1983. وكرّت السبحة بعد ذلك، مع تحرير صيدا التي احتُفل بتحريرها في 16 شباط 1985 ومعها الزهراني وقرى شرق صيدا. واستُكملت مسيرة الانتصار مع تحرير النبطية، مدينة النضال الوطني المقاوم لأهل جبل عاملة، في 11 نيسان 1985، لتتحرر بعد ذلك مرتفعات جبل الباروك والبقاع الغربي وبلداته في 24 نيسان 1985 ومدينة صور في 29 نيسان من السنة نفسها.
لقد كان لسقوط الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الحرب الأهلية بتوقيع اتفاق الطائف، والأزمة الحزبية، أثرهم السياسي البالغ في تراجع إمكانيات الجبهة وقدراتها على الاستمرار. لكن، برغم كل تلك الصعوبات والتحديات بقي الحزب على خياره المقاوم، يشهد على ذلك، دور الشيوعيين ومبادرتهم بتحرير بلدة أرنون الجنوبية، كما كان لاتحاد الشباب الديمقراطي دوره الفاعل في التظاهر والاعتصام ونزع الأسلاك الشائكة من حولها واقتحامها، وتحريرها بصدورهم العارية، ولقاء أهلها الذين فكت عنهم قيود الاحتلال في 26 شباط 1999. وأيضاً في استئناف عمل الجبهة بين عامي 1998 و2000. ليطرد بعد ذلك الاحتلال من جزين والريحان وعرمتى في حزيران 1999.
انتصار عظيم سجلته مسيرة التحرير، مع المقاومة الإسلامية عندما هرول الجنود الإسرائيليون ومعهم عملاؤهم الخونة من داخل الشريط الحدودي وارتفع العلم اللبناني فوق المواقع الحدودية على ما بات يُعرف بالخط الأزرق في 25 ايار 2000. ولم تخب المسيرة بل استكملت بالحفاظ على انجاز التحرير في حرب تموز 2006 عندما خرج المقاومون من مختلف الانتماءات منتصرين مقدمين الشهداء الذين روت دماؤهم الأرض جنباً إلى جنب مع شهداء المقاومة الإسلامية وشهداء الجيش اللبناني والمئات من أبناء شعبنا... لقد شكلت تلك الانتصارات، على امتداد هذا التاريخ، الذخيرة في مواجهة التنظيمات الإرهابية من داعش والنصرة في السلسلة الشرقية وجرود عرسال ورأس بعلبك والقاع في 28 آب 2017، واذ نحيي ذلك التحرير والتضحيات التي قُدمت، نطالب باستكمال استئصال بقية البؤر الإرهابية المستفيدة من الخطاب السياسي المذهبي، كما التأكيد على التحقيق بقضية العسكريين الشهداء ومحاسبة من تسبب بذلك مهما علا شانه أو موقعه، فهذه القضية لا تستوجب حداداً وطنياً فقط، وإنما وقفة وطنية حقيقية في مواجهة ذلك السلوك المتخاذل، الذي أدى إلى هذه الكارثة، بسبب المتاجرة بها وتوظيفها في الصراعات الداخلية.
نعم، هي مسيرة طويلة وشاقة، ولكن منتصرة بتضحيات جسام، كتبت الصفحات المضيئة والمشرقة من تاريخ لبنان، يفتخر الشيوعيون بها ويعتزون. وبالمقابل، هي المسيرة نفسها التي يستخلص منها حزبنا العبر والدلالات ويطرح في سياق تطويرها شعار المقاومة العربية الشاملة، بكل أشكالها، في مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني الرجعي العربي، القائم على تثبيت الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتصفية القضية. وهو المشروع عينه الممعن في تفتيت الدول العربية من سوريا والعراق، إلى اليمن وليبيا والسودان ومصر، لوضع اليد على ثرواتها ومقدراتها. هو المشروع القاضي بتعميم الفوضى الخلاقة خدمة لمصالح الامبريالية والصهيونية وأدواتها من أنظمة رجعية فاسدة ومن تنظيمات إرهابية عنصرية وفاشية.
أمام تلك المحطات التي شهدتها مسيرة التحرير، لا بدّ لنا كحزب شيوعي ثوري ومقاوم أن نطرح مهمة لا تقل شأناً ومصيراً عن مهمة التحرير وهي مهمة التغيير الديمقراطي في لبنان:
طوال تلك المسيرة وانجازاتها، كان شعب لبنان يتعرض لقمع من نظامه السياسي الطائفي، نظام الاستغلال والقهر والنهب والفساد، القابض، عبر منظومته الحاكمة على مفاصل القرار والتشريع الذي أدخل البلاد في حروب أهلية وفتن متكررة وفي أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة عرقلت مسيرة التحرير واجهضت مفاعيل انتصاراتها وزرعت الألغام والمطبات أمامها. ويمكن التأكيد بدون مواربة، أنه في موازاة مسيرة التحرير، التي بذل الشعب اللبناني ومقاومته كل التضحيات، دفاعاً عن الوطن، كان لهذه المنظومة "مسيرة تحرير" مغايرة: فبعض أطراف السلطة مهد للعدوان الصهيوني واحتلاله واجتياحاته وصولاً إلى بيروت. وبعضهم الآخر تواطأ، وتحوّل إلى أداة للمشاريع الأميركية الإسرائيلية ضد لبنان. والبعض تعمد التحريض الطائفي والمذهبي لعرقلة مسيرة التحرير الوطنية من اجل تعزيز مصالحه ومحاصصته في النهب والإثراء غير المشروع... والبعض يحاول اليوم "تحرير" أحياء عديدة من بيروت والضواحي والبلدات من المستأجرين والفقراء وذوي الدخل المحدود عبر قانون الايجارات التهجيري خدمة للشركات العقارية وكبار المالكين، "ويحرر" الأملاك العامة البحرية والنهرية والبرية من الملك العام خدمة للملك الخاص، ويسن القوانين والتشريعات كي يسيطر الرأسمال المعولم واللبناني في الأسواق تنفيذا للسياسات النيولبرالية وتوجهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. بالإضافة إلى مد يده على التقديمات الصحية والاجتماعية كي تنعم شركات التأمين في امتصاص أموالهم، وضربه التعليم الرسمي بجودته ونوعيته وحقه في كل مراحله وصولاً إلى الجامعة اللبنانية خدمة لدكاكين ومزارع وإمبراطوريات التعليم الخاص والمؤسسات الطائفية، وتعطيل القانون العام والمحاسبة والمراقبة والتفتيش في الإدارات الرسمية والمصالح العامة خدمة لاستباحة المحاصصات والفساد والنهب للمال العام، وترك العمال والاجراء تحت سيف الصرف الكيفي وحوّلهم إلى لقمة سائغة لظلم أصحاب العمل واستغلالهم فتفشت البطالة والهجرة لعشرات الآلاف من الشباب اللبناني. لقد أمعنوا في تجذير نظامهم السياسي الطائفي، فماطلوا في إقرار قانون الانتخابات النيابية ليمددوا لسلطتهم للمرة الثالثة ولكي يحكموا قبضتهم على مفاصل القرار والتشريع، فأقروا ذلك القانون، كي يتابعوا المهمة الهادفة الى المزيد من الإفقار والتجويع وتكديس الأرباح لأطراف تلك الطبقة الحاكمة.
في ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية لا يسعنا كحزب شيوعي إلّا التأكيد على أحقية الأكثرية الساحقة من اللبنانيين بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات العامة وفق برنامج يحقق بناء الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية المقاومة. هي مناسبة لتأكيد خيارنا الواضح في المقاومة على خطيّ المواجهة: ضد العدو الصهيوني والإرهاب وضد هذا النظام السياسي المتمادي في سلوكه المعطّل لأي محاولة اصلاح. فلتكن ذكرى جمول محطة لتوحيد الحزب خلف القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في مواجهة سلطة الفساد ورأس المال. وأخيراً لشهداء جمول ألف تحية ووردة حمراء، وإلى روح من غادرنا في مثل هذا التاريخ، منذ سنة، كمال ورضوان وجورج، ألف تحية لروحهم: منّا الوفاء ولكم الخلود.

 

  • العدد رقم: 321
`


سلام ابو مجاهد