التصعيد الأميركي من عفرين والغوطة الى البلوك رقم 9

0
0
0
s2smodern

مع إنتقال الرئيس دونالد ترامب إلى رأس الادارة الأميركية قبل نحو عام، إزدادت الأزمات تعقيداً وتصاعداً في معظم أرجاء المنطقة، وبخاصة في المجالين الفلسطيني والسوري، وإتسعت كذلك إرتدادات تلك الأزمات لتطال دولاً عدّة من ضمنها لبنان.

وإذا كان المؤشّر الأهم لهذا التصعيد الأميركي قد تجسّد قبل أشهر في قرار الولايات المتحدة القاضى بنقل سفارتها إلى القدس العربية، إلا أن الفترة التي تلت هذا القرار قد بيّنت أن الهجوم الأميركي المضاد لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل هو يتسم بقدر أكبر من الشمول وتعدّد المقاصد. ففي غضون أسابيع قليلة بعد ذلك القرار، تفجّرت حلقات ثلاث من سلسلة أزمات المنطقة، وبدت كأنّها ذات طابع موضعي أو يتحمّل مسؤوليتها حصراً اللاعبون الاقليميون المعنيّون. وبالرغم مما إنطوى عليه تفجّر هذه الحلقات من سعي لخلط الأوراق في التحالفات ومن تشويش تولّت تنظيمه الدوائر المسيطرة على الإعلام، وبخاصة الإعلام الغربي، فقد أظهرت العديد من الوقائع المترابطة أن الأصابع الأميركية هي التي تتحمّل أساساً مسؤولية تحريك تلك الحلقات، وأبرزها: إستهداف تركيا لمدينة عفرين في الشمال السوري ذي الأغلبية الكردية، وإستثمار التصعيد في أعمال العنف المتصاعد في منطقة غوطة دمشق الملاصقة للعاصمة السورية لتقويض العملية السياسية، وإصطناع النزاع بين لبنان وإسرائيل حول ملكية البلوك النفطي رقم (9) الواقع ضمن المساحة البحرية الاقتصادية الخالصة للبنان من أجل سرقة الثروات الوطنية.

أزمة عفرين: لقد أوجد إستهداف تركيا لمدينة عفرين سبباً للاعتقاد بحصول تباين بين بلدين عضوين في حلف الأطلسي: تركيا من جهة التي تعارض قيام دويلة لأكراد سوريا بحجّة سيطرة "إرهابيين" عليها كما يقول أردوغان، لتقوم بالتدخل وإحتلال جزء من الأراضي السورية، والولايات المتحدة من جهة ثانية التي تعمل على إقامة هذه الدويلة تحت الحماية الأميركية للمزيد من التدخل وإحتلال أجزاء أخرى من الأراضي السورية تحقيقاً لأهدافها الجيو- إستراتيجية المتنوّعة في المنطقة. كل ذلك يصبّ في إطار محاولة ترجمة المشاريع المتعددة الأشكال لتقسيم سوريا وتفتيتها، بحسب ما أصبح مثبتاً في العديد من الخرائط التي يجري ترويجها في دوائر أجهزة المخابرات الغربية ومراكز الأبحاث الدائرة في فلكها، عن الحدود الجديدة المتوقّعة لدول المنطقة. وبمعزل عن مدى عمق التباين بين البلدين، فقد إستفادت إدارة ترامب موضوعياً من الإستهداف التركي لمدينة عفرين كي تواصل تعزيز وتكثيف إنتشارها داخل الأراضي السورية، وبخاصة في المواقع الجيو- إستراتيجية الحسّاسة على الحدود بين سوريا والعراق. والملفت أن إزدياد إنغماس هذين الطرفين في أعمال عسكرية داخل الأراضي السورية يتمّ في وقت يتراجع فيه إنتشار حركة داعش والجماعات الظلامية، الذي لطالما إستخدم كحجّة لتدخّل الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا عبر ما يسمّى التحالف الدولي. وفي المقابل فإن الإستهداف التركي لمدينة عفرين قد تسبّب بالحرج لكلّ من روسيا وإيران اللتين تربطهما علاقات ثنائية متينة مع تركيا واللتين تسعيان في الوقت ذاته إلى الحفاظ على مسار آستانا الذي يجمع الدول الثلاثة. ويرجّح أن تواصل روسيا (وكذلك إيران) سعيها لإبقاء النزاع التركي – الكردي – السوري تحت سقف لا يسمح للطرف الأميركي بتعظيم منافعه الشخصية منه. وإذا كانت روسيا قد تعاملت بمرونة مع الدخول التركي إلى منطقة عفرين، فإنها في الوقت ذاته لم تعترض على دخول قوّات حليفة للنظام السوري إلى هذه المنطقة، لتستمر في علاقة إيجابية احتوائيّة مع الجانب الكردي. وإنطلاقاً من هذه التطوّرات، يرى الحزب الشيوعي أن المهمة الأساسية المطروحة راهناً تقضي بالتصدي للعملية العسكرية التركية والحؤول دون توظيف الولايات المتحدة لنتائج هذه العملية لأغراضها الخاصة، وإعطاء الأكراد حقوقهم ضمن إطار الحل السياسي للأزمة السورية.

في غوطة دمشق الشرقية يتواصل مسلسل العنف المستعر حاصداً المئات من الشهداء والجرحى المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال والمسنّون. ويدين الحزب الشيوعي كل أشكال العنف التي تستهدف المدنيين من كل الأطراف. أينما كانوا سواء في الغوطة الشرقية أم في أحياء مدينة دمشق، ويدعو إلى تجنيب هؤلاء من شلّال الدم المستمر وعدم تعريضهم للتجويع تحت أي حجّة من الحجج. كما يدين، وبصوتٍ عال، من يتحمّل المسؤولية الأولى والفعلية عن تهيئة البيئة المؤاتية لتصاعد هذا العنف الأعمى، لا سيّما التحالف الأميركي - السعودي الذي أنشأ "جيش الإسلام" في هذه المنطقة وسلّحه ودرّبه، ثمّ أطلق العنان لتآمره، متوسّلاً كل الخيارات المتاحة لديه: الحرص على إقامة نقاط إرتكاز وقواعد عسكرية أميركية طارئة في مواقع حدودية سورية ذات أثر كبير على التوازنات الجيو- إستراتيجية في سوريا والمنطقة؛ والإمعان في التلاعب بالمعارضات السورية المجوقلة بهدف تعطيل كل صيغ التسويات السياسية الممكنة لأزمة هذا البلد؛ ومواصلة الدعم العملي لبقايا الجماعات الظلامية المتطرّفة من خلال مدّها المعلن والمستتر بالمال والسلاح المتطوّر ونقلها من منطقة إلى أخرى تبعاً لتطوّر الأحداث في محاولة لتغيير المعادلات في الميدان؛ والمراهنة المفضوحة من جانب هذا التحالف على تغطية وإستثمار نتائج الغارات الجوّية الاسرائيلية المتكرّرة على دمشق ومحيطها والتي إنتهى آخرها بإسقاط الطائرة الإسرائيلية؛ وذلك كلّه من أجل تحقيق هدف واحد ولو تعدّدت أسبابه: المضيّ في عملية التفتيت الممنهجة للنسيج المجتمعي في هذا البلد المنكوب، وترسيخ التدخّلات الخارجية الرامية إلى إستتباعه وتقاسمه. وقد بذلت الولايات المتحدة جهوداً هائلة إلى جانب حلفائها من "الأسرة الدولية" لإستصدار قرار من مجلس الامن بوقف الأعمال العسكرية على الأراضي السورية لمدّة ثلاثين يوما، علّها تتمكّن من توظيف هذا القرار في خدمة مشروعها للسيطرة على مجرى التطوّرات في المنطقة. ولكن روسيا نجحت في إدخال تعديلات جوهرية على مشروع القرار، ومن ضمنها عدم وقف الأعمال العسكرية ضد جيوب داعش والنصرة، فصدر ذلك القرار بالإجماع بعد مداولات مطوّلة، مع بقاء العديد من النقاط الرمادية فيه، عاكساً بذلك دقّة التوازن بين الولايات المتحدة والمحور الروسي.

أما بالنسبة إلى ملف البلوك النفطي اللبناني رقم (9)، فإن إسرائيل ما كادت تطلق تهديداتها قبل أسابيع حول ما تدّعيه من حقوق في هذا البلوك - عبر وزير دفاعها ليبرمان - حتى إنبرت الولايات المتحدة عارضةً نفسها "وسيطاً" لحلّ النزاع حول هذا الملفّ بين البلدين. وبعد محاولة فاشلة لتوريط لبنان في عملية تفاوض مباشرة مع العدو الاسرائيلي، إكتفى المبعوث الأميركي ساترفيلد خلال الأسابيع الماضية بإجراء سلسلة مفاوضات مكّوكية غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل من دون أن يتوصّل إلى نتيجة ترضي الطرف اللبناني. وفي هذا الاطار، لا يسع الحزب الشيوعي سوى التشديد على وحدة الموقف اللبناني الرسمي والشعبي الرافض لأيّ تفاوض مع العدو الإسرائيلي وأيّ تنازل عن الحقوق اللبنانية الكاملة. ويرى الحزب أن هذا الموقف الموحّد يستند إلى رزمة من المسوّغات والحجج الدامغة والقوية: فلبنان رسم حدود منطقته البحرية الخالصة وفق إتفاقية أوتاوا الدولية؛ ومن خلال الوثائق التي أودعها تباعاً لدى الأمم المتحدة، لا تظهر أيّ شائبة في إمتلاكه لكامل البلوك رقم (9)؛ أما ما يشير اليه ليبرمان من نزاع (محتمل)، فإنه لا ينطبق البتّة على هذا البلوك بالذات، بل هو قد ينطبق على منطقة تقع إلى الشمال منه، وقد تقصّد لبنان عدم إدخالها في بلوكاته المقرّة. كذلك فانّ من أوراق القوّة التي يمتلكها لبنان أن الشركات التي وقّع معها إتفاقات أعمال التنقيب تعتبر شركات دولية بامتياز، وهي تتبع دولاً ذات نفوذ سياسي مؤثّر على المستوى الدولي. والى هذا كله، فان أهمّ الأوراق التفاوضية تتمثّل في وحدة الموقف السياسي الوطني المستند إلى التمسك بالحقوق مهما كانت تحديات المواجهة .

  • العدد رقم: 332
`


د. عمر الديب