مشكلة السكن: أزمة سياسات عامة تتجاوز تجديد برامج الإقراض

0
0
0
s2smodern

بعد مضي أسابيع عدّة على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات النيابية، لا يزال الفراغ الحكومي سيّد الموقف، بسبب شروط وشروط مضادة لا ينفكّ يضعها كلّ من أطراف الحكم حول طريقة ترجمة نتائج هذه الانتخابات وتوزيع الحقائب الوزارية.

وفي انتظار انتهاء مسرحية التأليف، عادت معالم موجة الاحتجاجات الشعبية تنتشر على غير صعيد، في وقت تتجه أحوال الناس المعيشية نحو مزيد من التردّي، بحسب ما تعكسه الاحتجاجات الجارية راهناً حول قضايا معيشية أساسية، من ضمنها موضوع القروض السكنية وغيرها من المواضيع الداهمة كمسألة تسوية سلسلة أجور الأساتذة في المدارس الخاصة، فضلاً عن مشاكل النقل والنفايات وغيرها من مشاكل.
وكالعادة، يكتشف المواطنون - ولو بعد حين – بعدما أدلوا بأصواتهم، بأغلبيتهم الساحقة، لصالح رموز ومرشّحي التشكيلات الطائفية المسيطرة، أن هؤلاء لا يلزمون أنفسهم عمليا بتقديم علاجات جدّية للملفّات التي هي موضع احتجاج شعبي. وهذا ما يلقي على عاتق القوى اليسارية والديمقراطية والمدنية مجدّداً مسؤوليات مضاعفة، لا تتعلّق فقط بضرورة مواصلة خوض المعركة المتعلقة بهذه الملفات كما جرت عليه العادة، بل تتعلّق كذلك بالعمل على ما هو أهمّ وأشدّ تعقيداً: إعادة تصويب وعي عموم الناس لمصالحهم الفعلية وليس مصالحهم "المتصوّرة" أو "المتوّهمة"، حتى لو كانت ظروف الانتخابات النيابية وحملات التسعير والتخويف الطائفي التي رافقتها قد دفعت هؤلاء الى منح أصواتهم لمن لم يلتزم فعلاً ولن يلتزم مستقبلاً بتوفير الحلول للمشكلات المعيشية التي يعانون منها.
إن البحث سوف يتركّز تحديداً – في هذه الأسطر المختصرة – على ملف أساسي من هذه الملفات، الذي سال حوله الكثير من الحبر خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، ألا وهو ملفّ السكن والقروض السكنية.
أزمة السكن أكبر من أزمة قروض
نبدأ بالتساؤل: لماذا ترك تعاظم الريع العقاري والفوائد المرتبطة به سارحاً على غاربه على إمتداد عقود في مصلحة القلّة من المتنفذّين والمتحكّمين ممهّداً السبيل أمام ارتفاعات قياسية في أسعار العقار وفي تمويل الشراء العقاري، في وقت افتقدت فيه الدولة الى سياسة عامة تمكّن المواطنين من حلّ مشاكلهم السكنية المستعصية والمتوارثة جيلاً بعد جيل؟ ولماذا إنتهت الى السقوط المدوّي كلّ الالتزامات التي سبق أن أعلنتها مراراً وتكراراً الحكومات المتعاقبة منذ انتهاء الحرب الأهلية، والقاضية بتنفيذ خطط متكاملة وطويلة الأجل لبناء وحدات سكنية تأوي عشرات الألوف من أبناء الفئات الاجتماعية المتوسطة والقليلة الدخل؟ وأين ما وعدت به الدولة من استثمار للممتلكات العامة والمشاعات وصولاً الى تحفيز استخدام الأراضي الوافرة المملوكة من الأوقاف الدينية، بغية تحقيق هذا الغرض الاجتماعي النبيل الذي يشكّل أساس الاستقرار المعيشي في البلد؟ ولماذا لم تنعكس هذه الوعود في تعديلات منتظمة ومتتابعة على التشريعات والقوانين والمراسيم والموازنات ذات الصلة، واستطراداً على خارطة تشييد شبكات المرافق العامة والبنى التحتية الأساسية ونمط توزّعها (لا سيما شبكات النقل) في طول البلد وعرضه؟ إن معظم هذه التساؤلات تجد عناصر للإجابة عليها من خلال طبيعة الخيارات والسياسات التي تعاقبت الحكومات اللبنانية على إعتمادها تاريخياً في المجال السكني، والتي صبّت في اتجاه اعتبار سلعة/خدمة السكن محكومة حصراً بآليات قوى السوق والمنافسة غير المضبوطة، بدل اعتبارها حاجة اجتماعية ملحّة تتطلب التدخّل النشيط والفاعل للدولة عبر رزمة متكاملة من السياسات والإجراءات التنفيذية. باختصار، لقد أُعطيت الأولوية دائما لمصالح رأس المال في هذا الحقل الاجتماعي الذي يعني مئات الألوف من الأسر اللبنانية.
خلفيات مشكلة السكن والقروض السكنية
إن إجمالي عدد القروض السكنية المتراكمة يزيد راهناً عن 130 ألف قرض من جميع الأنواع (المؤسسة العامة للاسكان، بنك الاسكان، المصارف المحلية، مشاريع إسكان العسكريين...)، وتتجاوز قيمتها 13 مليار دولار. وبعد إلغاء وزارة الإسكان واستبدالَها بالمؤسّسة العامّة للإسكان، اختصرت الدولة السياسة السكنية - عبر هذه المؤسسة أساساً - في إعطاء القروض للتملّك فقط، إستناداً إلى برامج تمويل مدعوم أدارها مصرف لبنان. والهمّ الأساسي لهذا الأخير كان مزدوجاً: مساعدة المصارف التجارية من جهة على استثمار فائض سيولتها في الإقراض السكني كي تستفيد من فوائد مرتفعة ومدعومة، ومساعدة المطوّرين العقاريين من جهة أخرى في الحفاظ على أسعار مرتفعة تحفّز استدامة نمو العرض السكني (وفي أحيان كثيرة بمعزل عن مواصفات الطلب على السكن). ويعتبر هذان الهدفان من الركائز الأساسية لنمط الاقتصاد الريعي السائد منذ التسعينيات، ومن أجل تحقيقهما تمّ تباعاً تطويع قوانين البناء والتنظيم المدني والتصاميم التوجيهية وتوزيع مرافق البنى التحتية وزيادة عوامل الاستثمار، فضلا عن تحريرعقود الإيجارات تمهيداً لإقفال ملف الايجارات القديمة وتغليب بيع المساكن على حساب تأجيرها. وهذا ما ساهم في إحداث تحوّل في النسيج الاجتماعي داخل العاصمة والمدن الأخرى، وفي "ترحيل" ذوي الدخل المحدود إلى الضواحي، مع بقاء شرائح واسعة من الناس عاجزة عن تأمين مسكن لائق لعدم قدرتها على الايفاء بشروط التملّك والاقتراض النظاميين، ناهيك عن شروط الايجار .
مشروع لنقل برامج الإقراض السكني من دفّة إلى أخرى: مكانك راوح
إن مقاربة مشكلة الإسكان يجب أن لا تقتصر فقط على البحث عن علاجات لمشكلة القروض السكنية وكيفية إعادة العمل بها، بحسب ما توحي به راهناً أفكار تروّجها أوساط حكومية، وتقضي – بموجب تشريع يجري الإعداد له – بنقل مهمة تنظيم القروض السكنية المدعومة من دفّة الى أخرى، أي من مصرف لبنان إلى وزارة المالية. وإذا كانت دواعي عملية النقل هذه المسوّقة على عجل ترتبط بالضغوط المتزايدة التي يتعرّض لها مصرف لبنان (التساؤلات المتزايدة حول الواقع الفعلي لميزانية المصرف، وازدياد الشكوك حول استقرار الوضع النقدي، والعبء الناجم عما تتعرّض له سندات اليوروبوندز من خسائر...)، إلا أن تلك الدواعي لا تبدو أقل تفاقماً وتفجّراً في حالة وزارة المال بالذات، التي تعاني بدورها من ضغوط ومخاطر جمّة، لا يتوقف صندوق النقد الدولي عن التحذير منها. ويصبح النقل في هذه الحالة أشبه بدحرجة كرة نار ملتهبة من غرفة إلى أخرى تحت سقف منزل واحد، مع الإستعانة ب"إطفائيين" ذوي قدرات مهنية متواضعة نسبياً (وزارة المال) ليحلّوا مكان "إطفائيين" مصنّفين من الدرجة الأولى في نظر "الرأي العام" (مصرف لبنان)، مع لفت النظر إلى أن حجم المزاريب وقنوات التسرّب الزبائني قد تصبح أوسع وأكبر بكثير في حال إتمام هذا الإنتقال.
القروض السكنية وغير السكنية وأعباؤها على المداخيل المتاحة للأسر
ثم أنه لا بدّ من لفت النظر الى أن الاعتماد فقط على برامج القروض بهدف حلّ أزمة السكن – خصوصاً سكن الفئات المتوسطة والفقيرة – يبقى محفوفاً بمخاطر ذات انعكاسات كبيرة على الأحوال المعيشية للأسر المقترضة. ذلك أن الأسر عموماً لم تقترض فقط لأغراض سكنية، بل هي أضافت منذ فترة أنواعاً أخرى من الاقتراض لتلبية إحتياجات غير سكنية، لا يمكن للأسر تأمينها عبر مداخيلها المتاحة. ومن ضمن هذه الاحتياجات، شراء السيارات وتأمين أقساط التعليم وتكاليف الصحّة والأثاث - المفروشات المنزلية وغيرها من احتياجات استهلاكية وشخصية. وقد أصبحت قيمة هذه الأنواع المختلفة من القروض المتراكمة منذ عام 2010 تناهز راهناً نحو 22 مليار دولار، الأمر الذي أخضع الأسر لمديونية مرتفعة نسبياً تترتّب عليها خدمة دين سنوية تكاد تصل إلى ما بين ثلث ونصف الدخل المتاح لدى هذه الأسر. واذا كان عدد الأسر المعنية بأعباء الرهونات العقارية يصل – بحسب ما سبق ذكره – الى نحو 130 ألف أسرة، فإن أوساطاً شبه رسمية تشير إلى وجود نحو 15 ألف قرض مخصّص لأقساط التعليم، و91 ألفاً لأقساط السيارات، و182 ألفا لبطاقات الائتمان، فضلاً عن القروض المتعلقة باقتناء المفروشات والأدوات المنزلية وغير ذلك من قروض استهلاكية.
الحزب الشيوعي: الحاجة الماسّة إلى مقاربة شاملة لأزمة السكن
إن الحزب الشيوعي يرى أن حلول الأزمة السكنية يجب أن ترتقي إلى مفهوم كلّي وشمولي أوسع بكثير من مسألة القروض. ويكون ذلك من خلال:
• مراجعة الأنظمة والتشريعات المتعلقة بالتنظيم المدني وبمندرجات السياسة الضريبية، على نحو يحوّل موضوع السكن إلى إحدى الأولويات الأساسية للسياسة الاجتماعية للدولة، بدل إستمرار حصرها في إطار برامج القروض، وإبقائها بالتالي خاضعة لآليات السوق ومصالح رأس المال المتحرّر من الضوابط والقيود.
• تصحيح الفجوات العميقة القائمة في قانون الإيجارات الجديد الذي يدفع موضوعياً نحو إقصاء قدامى المستأجرين ويرسّخ هاجس الإخلاء في صفوفهم. ومن ضمن المعالجات المقترحة، تخفيض كلفة الايجار السنوي المحدّد كنسبة من القيمة التقديرية الحالية للمأجور الى نصف ما يلحظه القانون الحالي (عملا بالنسب المطبّقة في العديد من الدول الأوروبية) بما يسهّل لقدامى المالكين والمستأجرين إتمام عمليات البيع والشراء السريعة والمتبادلة؛ وإجراء فرز إحصائي دقيق لقدامى المستأجرين والمالكين بحسب أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية الملموسة بحيث يصار إلى توجيه خدمات صندوق الدعم الإسكاني المقترح حتى يخدم فعلاً وبالأولوية ووفقاً لمعايير شفّافة الفئات الفقيرة والمعوزة من قدامى المستأجرين والمالكين؛ وتشجيع سوق الإيجار عموماً - بما في ذلك الايجار التملّكي - بأسعار قابلة للضبط ضمن سقوف مناسبة لذوي الدخل المحدود، في مقابل إعطاء تحفيزات محدّدة للمالك كي يعرض ملكه للإيجار.
• العمل على تشجيع بناء مساحات صغيرة وبأسعار منخفضة في المدن، وبخاصة في منطقة بيروت الكبرى التي تتركّز فيها غالبية شاري الشقق والمستأجرين الجدد. ويمكن الاستفادة في هذا الإطار من تجارب ناجحة في بلدان أخرى تمّ فيها إلتزام المطوّرين – مقابل تحفيزات - بتخصيص 20% من كل بناء يقيمونه كي يجري تخصيصه لذوي الدخل المحدود، بما يساهم في الحفاظ على النسيج الاجتماعي..
• تطوير العمل التعاوني الذي يمكّن ذوي الدخل المحدود – إستناداً إلى شروط شفّافة تعزّز القيمة الاجتماعية للأرض بدلاً من قيمتها التجارية والمادية - من الحصول على مسكن بكلفة منخفضة دون أن يلجأ إلى القروض الشخصية.
• كذلك يجب أن تتضمّن تدخلات الدولة – كجزء من شروط تحقيق أهداف السياسة السكنية المنشودة - مجالات أوسع من تلك التي تخصّ حصراً موضوع السكن والإسكان بمعناه الضّيق. وفي طليعة هذه التدخلات بناء وتطوير شبكات مواصلات سريعة –في إطار سياسة مدروسة للنقل العام – ما بين المدن وضواحيها وداخل المدن، إضافة إلى إنماء المناطق الطرفية وخلق فرص عمل فيها، تشجيعاً لاستقرار الناس في أرضهم وللحدّ من اكتظاظهم في المدن الكبرى وفي الشريط الساحلي الممتد بين هذه المدن.