عشرة نقاط من الإنتخابات الاخيرة ولما بعدها

0
0
0
s2smodern

"ان المسائل السياسية لا يمكن فصلها بشكل ميكانيكي عن المسائل التنظيمية...... أن كل شكل جديد من النضال، والذي يجلب إخطاراً وتضحيات جديدة، سيؤدي حتماً إلى أن يضطرب التنظيم الغير مستعد لهذا الشكل الجديد من النضال"

فلاديمير لينين


اتت الإنتخابات النيابية الأخيرة لتشكل صدمة كبيرة لجميع قوى المعارضة، التي لم تستطع ان تشكل ثقلاً سياسياً يستطيع أن يحوّل حالة التذمر وبوادر الانفكاك عن النظام السياسي، التي بدت ان البلاد تشهدها منذ الحراك الشعبي والمدني الذي حصل في عام 2015. وقد حاول الحزب الشيوعي اللبناني إقامة بلاتفورم وطني للمعارضة الديمقراطية القديمة والجديدة يخوض الإنتخابات على أسس واضحة في جميع الدوائر الخمسة عشر. وقد طمح الحزب الى تشكيل هذا المنتدى من اجل تحويل حالة الاعتراض الديمقراطي الى فعل سياسي، عبر تحويل صوتها في الشارع في 2015 الى اصوات في صناديق الاقتراع في 2018. وقد دعّم الحزب موقفه هذا ببرنامج انتخابي عصري في الشكل والمضمون، توجه فيه للشعب اللبناني أولاً، كبرنامج مستقل للحزب وثانياً، لقوى المعارضة كأساس يمكن البناء عليه لبرنامج موحد للبلاتفورم الوطني. طبعاً، ومن دون الدخول في الأسباب التي أدت إلى عدم قيام هذا الشكل من التحالف الانتخابي بين قوى المعارضة، ولا في الأسباب الحزبية التقنية الصرفة لنتائج الحزب في الانتخابات التي ستُصدر اللجنة المركزية تقريراً بشإنهما، لا بد من طرح بعض النقاط التي يمكن استخلاصها من الانتخابات وذلك من أجل تكوين تصور ادق للواقع السياسي اللبناني ودور الحزب المستقبلي فيه.

اولاً، خوض الانتخابات كان قراراً صحيحاً، ليس فقط لان الحزب تاريخياً اعتبر أن الإنتخابات هي محطة نضالية في المواجهة مع النظام الطائفي، بل أيضاً وبشكل عام كحزب سياسي لا يمكنه مقاطعة اي انتخابات نيابية، الا اذا كانت تتوفر احدى ثلاثة شروط. اولاً، مقاطعته هذه سيكون لها الوقع السياسي على العملية الانتخابية. ثانياً، في حال كانت الانتخابات صُورية تحت نظام ديكتاتوري. ثالثاً، في حال كان هناك توقع حصول تزوير انتخابي واسع. كل هذه الشروط لم تكن متوفرة قبل الانتخابات الاخيرة في لبنان. اضافة الى ذلك، كانت الانتخابات ستجري في ظل قانون نسبي جديد يقر لاول مرة في لبنان منذ الاستقلال، وكانت جميع القوى المعارضة التقليدية، وتلك التي كان يجري تشكيلها، تتحضر للمشاركة بقوة في الانتخابات. ان اي انسحاب للحزب من هذه الانتخابات كان سيكون وقعه سلبياً وبشكل اكبر من تلك النتائج، التي كانت اقل من المتوقع، ألتي حصل عليها الحزب.

ثانياً، ان التغيير الديمقراطي يتطلب حزباً جماهيرياً. فلقد تبين من نسبة الاصوات الكلية التي حصل عليها مرشحو الحزب، ان الحزب الشيوعي لم يحقق في ارض الواقع قوته الجماهيرية الفعلية والكامنة. ان اي حزب يخوض الانتخابات الديمقراطية يجب ان تكون نسبة اصواته الى اعضاءه مرتفعة جداً، فالنسب التي تحصل عليها الاحزاب الشيوعية واليسارية في البلدان الديمقراطية، والتي تتمثل في برلماناتها هي خير مثال على ذلك. فمثال على ذلك، فالحزب الشيوعي اليوناني الذي زادت نسبة أصواته في الانتخابات من 9.9% في 1985 إلى 13.1% في 1989، لم يكن ذلك الا مؤشر على وصول الحزب إلى قطاعات وفئات اوسع من الناخبين وليس زيادة عددية في أعضاءه فقط.

ثالثاً، ان عدم قدرة الحزب على تحقيق النجاح المطلوب في ظل قانون نسبي، ولو كان مشوهاً، تنبع جزئياً وموضوعياً من التغيرات الاقتصادية-الاجتماعية والثقافية التي حصلت بعد انتهاء الحرب الاهلية وقيام نظام الطائف. فهذه التغيرات جعلت "سياسة الهوية" أو "الطائفية" اكثر جذباً للشعب اللبناني من "سياسة الطبقة". فالانقسام الافقي بين الطوائف والمذاهب اصبح اقوى من الانقسام العامودي الطبقي. وهذا الانقسام الافقي مهما كانت اصوله، حقيقية ام وهمية، يجب ان يُؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل الحزب للواقع اللبناني. كما ان التغيرات ادت الى تصاعد سياسات الهوية، مثل النسوية والقضايا المحددة والفردية، والى ندرة الاحزاب اليسارية او الديمقراطية الاجتماعية التي يمكن التحالف معها في مرحلة معينة، والى سيطرة عقلية البروليتاريا الرثة والبورجوازية الصغيرة مما يدفع أكثر واكثر الى تهميش الحزب سياسياً.

رابعاً، لكن هذا الامر لا يعني ابدية هذه التغيرات ولا ابدية مفاعيلها السياسية. فنظام الطائف على الرغم من قوته النسبية، يحمل في طياته بذور نهايته، اذ انه نقل النظام الطائفي من المارونية السياسية الى ما يمكن تسميته نظام "الشمولية الطائفية"، الذي عمّق من طائفية النظام تحت رداء العدالة الطائفية. لكن هذه "العدالة الطائفية" اعاقت التقدم والتطور والديمقراطية الحقيقية، وادت الى نظام غير مستقر حيث المحاصصة تؤدي الى تعطيل السلطة التنفيذية، وتشل فعالية الدولة على جميع الصعد.

خامساً، التأكيد على عدم تقنية الحزب الشيوعي. فهو بفكره الماركسي من حيث طرح المادية التاريخية ودور الصراع الطبقي في تطور النظم الاقتصادية، لا يمكنه فقط ان يكون حزباً يقدم الحلول لمشاكل الاقتصاد والمجتمع، او ان يكون حزباً مطلبياً، وانما هو حزب يطرح الاشتراكية على المستوى التاريخي، وبالتالي هو حزب التقدم والاشتراكية، ويشكل جزءاً من التيارات الشيوعية والاشتراكية في العالم. بالتالي فإن الحزب الشيوعي بحاجة الى ان يطرح هويته عبر تجسيد هذا الدور مرحلياً. ففي المرحلة الحالية يجب ان يمثل الحزب ثلاث. اولاً، ان الحزب يمثل التقدم والتطور وبناء القوى المنتجة. بالتالي يجب على الحزب ان يسعى لتمثيل كل القوى والطبقات التي لديها مصلحة في تحقيق هذا المسار، ومن ضمنها الطبقة العاملة وغيرها. وهذا التمثيل ينبع من الفكر الماركسي الذي يرى في تطور قوى الانتاج المحرك الرئيسي للانتقال من نمط اقتصادي الى آخر، والتي برهنت تجربة القرن العشرين ان لا مفر من هذا القانون الحديدي للتاريخ. ثانياً، ان الحزب يمثل العدالة والمساواة. ان الشيوعيين يتميزون عن باقي الاحزاب السياسية في انهم يطرحون الثورة الاجتماعية في صلب اهدافهم السياسية. ولكن من اجل تحقيق العدالة والمساواة يتميزون عن غيرهم من "الباحثين عن العدالة" بانهم لا يفصلوها عن التطور المادي والاقتصادي، التي لا عدالة ولا مساواة من دونهما. ثالثاً، إن الحزب يمثل الديمقراطية الحقيقية. وهي الديمقراطية بمواجهة زيف الديمقراطية الانتخابية وخبث الديمقراطية التوافقية اللتين تؤبدان النظام الطائفي- الراسمالي.

سادساً، ان الحزب، كما اكد في المؤتمر الحادي عشر، يسعى الى ان يكون في قيادة التغيير الديمقراطي، وبالتالي عليه البدء بعملية الحوار مع بعض القوى الديمقراطية الجديدة في المجتمع، والتي استطاعت ان تكوّن حيثية لها كما مع القوى السياسية التي أصبحت حُكماً في المعارضة.

سابعاً، ان الحزب في نفس الوقت عليه ان يكون منفتحاً على الحوار مع تلك الأحزاب والقوى التي يمكن ان تنفك عن النظام الطائفي، وتصبح في فترة معينة مستعدة للتلاقي حول برنامج ديمقراطي يطرح الاصلاحات والتغيير، وبالأخص مع تلك التي نلتقي معها في الدفاع والمقاومة ضد أي عدوان إسرائيلي وامبريالي محتمل في المستقبل. ويمكن في هذا الاطار التوقف عند تجربة العراق الاخيرة حيث تحالف "سائرون"، الذي ضم الحزب الشيوعي العراقي وعدة قوى مدنية واصلاحية مع الصدريين، فاز بالانتخابات النيابية على اساس برنامج للتغيير والإصلاح في مواجهة نظام التحاصص الطائفي الذي فرض بُعيد الاحتلال الاميركي في عام 2003.

ثامناً، ان البيان الوزاري البديل وبرنامج الحزب الانتخابي يشكلان، في التحضير للمؤتمر ال 12، مسودة من أجل المساهمة في بلورة توجهات وبرنامج الحزب في ما بعد المؤتمر على جميع الصعد الدولية والإقليمية والمحلية. كما يجب الاستفادة من تجربة الحزب في هذا الاطار لتطوير وبلورة الشعارات التي تميز الحزب، بحيث تتطور نحو جعل الحزب اكثر جذباً لجميع الفئات التي يطمح الى تمثيلها والى ان تصوت له.

تاسعاً، التنظيم الداخلي للحزب يجب ان يتغير. فالتنظيم الحزبي اياً كان شكله هو محدد من السياق السياسي، فكما قال لينين "ان المسائل السياسية لا يمكن فصلها بشكل ميكانيكي عن المسائل التنظيمية، وان أي شخص يقبل او يرفض التنظيم الحزبي البلشفي، بمعزل عن اذا كنا نعيش في زمن الثورة البروليتارية يكون فهمه خاطىء تماماً". وكما قال جورج لوكاش في كتابه "لينين: دراسة في وحدة فكره" ان لينين كان يمقت بنفس القوة الذين استسلموا للبرلمانية، كما الذين هم ضد البرلمانية بالمبدأ. وهنا الحزب بحاجة لمماهاة شكله التنظيمي مع راهنية هدف الوصول الى السلطة عبر الوسائل الديمقراطية، ومع عدم راهنية الثورة. ومن هنا فإن التحول في الشكل التنظيمي يجب ان يوفر سهولة اكثر في الانتساب وفي المرونة في الهيئات القيادية، وان يضمن النظام الداخلي حرية طرح الافكار والبرامج فردياً وجماعياً، وذلك لتأطير الديمقراطية الداخلية التي بدأت تعاني من الأفراط الفوضوي من جهة، ومن الطروحات القصووية والاقصائية من جهة اخرى. ويمكن البدء بتجربة هذا التوجه بتشجيع التنوع، والذي يضمنه النظام الداخلي حالياً، في الطروحات والأفكار المختلفة، خلال عملية التحضير للمؤتمر الثاني عشر ووصولاً اليه.

عاشراً، ان اعادة بناء النقابات الحزبية والقريبة من الحزب يجب ان تكون على اجندة الحزب بشكل ملح في المرحلة المقبلة. ان ضعف الانتساب النقابي في لبنان الذي يبلغ فقط 3 بالمائة من العمال والموظفين، وضعف الحركة النقابية عموماً، وتلك الحزبية، لها تأثير كبير على مقدرة الحزب على استقطاب العمال والموظفين الى اجندته السياسية، فالتجارب في لبنان وحول العالم تؤكد على ان قوة الاحزاب اليسارية مرتبطة ارتباطاً وثيقا بقوة النقابات العمالية.

يقول جورج لوكاش في كتابه حول لينين "أن كل دوغمائية في النظرية وكل تصلب في التنظيم هي كارثية على الحزب". على الحزب في هذه المرحلة أن يحمل هذا التحذير قريباً إلى فكره لكي يصبح حزباً فاعلاً سياسياً، يحمل برنامجاً راديكالياً للتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي نحو التقدم والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية.