صرخة نساء الجنوب

"النظام الأبوي يقتل"، كان هذا أحد شعارات المسيرة النسوية يوم الأحد في مدينة صور. لم يتعدَّ عدد النساء الثمانين، لكنّ هذا الأمر لم يمنعهن من السير في شوارع المدينة الرئيسية، واقفاتٍ أمام مصرف لبنان والمحكمة الجعفرية، "مقبرة النساء" كما ذكرت الشعارات. كان صوتهُنّ مدوٍّ في كل شوارع المدينة. هتفْنَ ضدّ السلطة الدينية، هتفْنَ لحقّ الأمهات في الحضانة، لحقّ النساء في إعطاء الجنسية لأطفالهنّ، هتفْنَ ضدّ السلطة الأبوية وكل ما يحوي المصطلح من قمعٍ وذكوريةٍ واستغلالٍ وتميُّزِ فردٍ على آخر وإقصاءٍ واستضعافٍ للآخر. لعلّني أكثر تفاؤلاً من الكثيرات إذ أقول بأنّ هؤلاء النساء تحدّيْنَ مَن منعَهنّ من حقّهن في المشاركة السياسية والتظاهر في الساحات العامة والمساهمة باتّخاد القرار. إذ أنّ وجود النساء في الساحات والشوارع ليس بمشهدٍ مألوف في صور، بسبب حصر دورهنّ داخل التجمعات الخاصة الضيقة مثل المنزل وأماكن تجمّع الأسرة والحيّ. منذ بداية هذه الانتفاضة، كانت نساء صور الأقوى، بحيث عرفْنَ أنّ هذه الحقوق مكتسبة، ففرضْنَ وجودهنّ في الشارع وأصبحْنَ جزءاً أساسيّاً من انتفاضة صور، ونزلْنَ المسيرة يكرّسن ذلك. لنساء صور قوّة مرعبة، بالرغم من الواقع الاجتماعي القاهر. وكما يحدث في معظم المجتمعات المحافظة، فإن خروج النساء في كثير من الأحيان، ولو كان بهدف اللقاء بالأصدقاء، يخضع لبروتوكولات معيّنة، تحدّد المكان والمدّة والشكل وحتّى نوع الأصدقاء وشكلهم وبيئتهم. بينما يستطيع الأخ الأصغرأن يلعب دوراً في فرض سلطته على أخته التي قد تكبره بعشر سنوات. من المعلوم أنّ لصور خصوصية سياسية كحال الجنوب عامة، خصوصية من صنع حزب الله وحركة أمل، أقوى أحزاب السلطة. يأبى الثنائي إلّا أن يحافظ على هذه الخصوصية بكل ما لديه من أدوات لضمان استمراريته وسلطته. فلهذين الحزبين مثلاً سلطة لإلغاء حفلة يقيمها مطعم، بحجة أنّ في الفرقة الموسيقية "بنات بيلبسوا قصير". لهذين الحزبين سلطة لإقفال محال تبيع الكحول، ومنع جمعيات من دخول الجنوب، وإيقاف نشاطات غيرها، ومنع -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- وجود ساحات عامة للتلاقي والتفاعل، أو تجمع شبابي له تطلعات تغييرية أو بكل بساطة رؤية يمكن أن تتعارض مع مشروعهم. كما فرض الثنائي أنماط تديُّن جديدة، وأسقط علينا ممارسات ثقافية هي في الأصل غريبة عن مجتمعنا عامة، والمجتمع الجنوبي خاصة. وهي أنماط ليست ذات منشأ ديني كما يدّعي، إنّما ذات بُعد سياسي رأى من خلاله قدرة للسيطرة على المجتمع وعقول الناس. أنتج هذان الحزبان نوعاً خاصاً من رجال الدين ودعموهم ليحظوا بثقل وسلطة تفوق في بعض الأحيان سلطة رجال السياسة. استخدم الثنائي الشيعي موارده، فائض قوته وسلطته لعزل المدينة عن التطور والانفتاح. وقد نجح بنسبة عالية ولفترة معينة. لعلّنا، كنا لأعوام مستسلمين لهذا الواقع، وكل ما استطعنا فعله هو مراكمة الكره وحقدنا تجاه هذه المدينة والهرب نحو بيروت. اليوم، تعلم هؤلاء النساء أنهنّ في مواجهة مع من ينصّبون أنفسهم أولياءً عليهن بدعم مباشر من أقوى الأحزاب سلاحاً ومالاً وسلطة. ثارت نساء الجنوب على هذه الإنتاجات والأنماط، كسرْنَ كل القيود الإجتماعية، تحدّيْنَ كل الأطراف المعادية، تحدّيْنَ المجتمع ونظرته للنساء في الشارع، تحدّيْنَ السلاح والعنف الذي يهددون به المنتفضين كل يوم. تحدّيْنَ أنفسهنّ وانتصرْنَ، فأحدثْنَ خضّة نوعية تزعزع أركان الموروثات الاجتماعية والأنماط التي كرّسها هذا الثنائي في نظرة مجتمعنا للنساء. هذه الخضة يبنى عليها لتأسيس نمط اجتماعي تقدّمي في تعامله مع النساء، ويؤسّس لشكلٍ جديدٍ للمدينة.

Image

حب في زمن الثورة

شخصيات القصة من مدينة صور، أبطال رواية تبدو للوهلة الأولى غير حقيقية. كوثر بدوي من حارة الجورة - ما يُعرف بـ"حارة الإسلام"- حائزة على إجازة جامعية لتعليم اللغة الانكليزية عام 2018 وتبلغ من العمر 22 سنة. كانت تعمل في مقهى ستاربكس على الكورنيش البحري لمدينة صور قبل 17 اكتوبر. بدأت مسيرتها الثورية ليل الخميس عندما خرجت من المقهى لتسير مع التظاهرة الشعبية فطُرِدت من عملها في اليوم التالي. كوثر تملك صوتاً جميلاً وهي من "هتّافات" صور. الياس برادعي هو الشخصية الثانية في هذه الرواية، شاب عشريني من ما يسمّى بـ"حارة المسيحية" في صور. هو طالب جامعي في تصميم الغرافيك ويتلقّى تدريبات عديدة في التمثيل. كبطل رواية حقيقي، له هوايات عديدة منها ألعاب الخفة والنار. "كوكو"، هكذا يناديها الياس، كثيرة الحركة، اجتماعية، نشيطة بين المتظاهرين، تهتف بصوتها الرنّان بإصرار وثقة. أمّا "ليلو"، كما تناديه كوثر، فقد كان يتبعها في جميع نشاطاتها. في ساحة العلم يلتقيان، ويحتسيان القهوة ويتناولان الطعام معاً كلّ يوم. تقول روايتهما بأن الياس جاء في أحد الأيام متأخّراً يحمل طعام الغذاء لكوثر كونه يعلم أنّها ترهق نفسها في النشاطات. تمنّى لو تجلس بجانبه فتأكل وترتاح لبعض الوقت، لكنّه لم يجدها في الساحة وعندما سأل عنها قالوا له بأنها ذهبت إلى الصيدلية وسوف تعود. برد الطعام وحلّ الليل ولم تأتِ كوثر، فأصيب الياس بخيبة أمل. لم تترك له كوثر أيّ رسالة عن سبب غيابها المفاجئ. أمّا كوثر، فهي انتظرت رسالة من الياس أو اتصالاً منه، يستفسر عن سبب غيابها عن الساحة في ذلك اليوم ويطمئنّ عليها. لكن الياس لم يقدم على أي خطوة واعتبر أنّه أخطأ بإعطاء اهتمامٍ لعلاقة شخصية في ظل الثورة. عندما جاء اليوم التالي، التقيا في الساحة دون سلام. سأل أحد المتظاهرين كوثرعن مكان تواجدها في اليوم السابق، فأجابته بأنها كانت في المستشفى لأنّها كانت مريضة جداً. سمع الياس الحديث الذي دار بين المتظاهر وكوثر وأصيب بالخجل. أخذ يفكّر بكيفية الخروج من هذا المأزق، ثم ذهب إلى كوثر وأخبرها بأنه كان قد تصرف بتكبّر، وأنه لا يريد إزعاجها لأنه يعلم بأنها ليست مهتمة بأيّ ارتباط. فضحكت كوثر من دون تعليق. وعاد الياس يتبع كوثر كخيالها من الصباح حتى المساء ينتظر وقت الطعام أو القهوة صباحاً ليحظى بابتسامة أو حديث خاص بينهما. وفي يوم، قرّرأثناء إحدى الندوات الشعبية أن "يغيّر" الهتاف ويأخذ المذياع ليعلن لكوكو عن حبه بعد ثلاثة أسابيع تقريباً على بداية الثورة. إلياس الذي كان شاباً غير وفيّ في علاقاته مع النساء، يرى بأن هذه الثورة غيّرته. لم يشارك الياس في بداية الثورة ولم يهتم لما يجري، لكنه في اليوم الرابع نزل إلى مكان الاعتصام ورأى المتظاهرين. ثم لفتت نظره فتاة "هتّيفة" اجتماعية جدّاً، فأجبِر على الاختلاط بالمعتصمين. بدأ شيئاً فشيئاً يكتشف أموراً بسيطة لم يكن يعرفها من قبل، كحقّه بالحصول على الكهرباء 24/24 ، وبدأ ينمو لديه وعيٌ ثقافي حتى في مواضيع غريبة عنه تماماً كالحفاظ على البيئة. "أصبحت الثورة أملاً جماعياً"، يقول الياس. أمّا كوثر فتقول بأن الثورة هي مساحة للتعبير عن الرأي. لم يتغيّر شيء في شخصيتها المستقلة، لكنّها تعلمت من الياس "السحر". من جهة أخرى، هناك حواجز خوف في علاقة كوثر والياس، أولها الاختلاف الديني بين شخصين في علاقة. من ناحية موقف الأهل فأم إلياس أحبّت كوثر، أمّا أباه فقد اعتبرها في البداية شيوعية كافرة ومن عبدة الشياطين لعلمه بأنّ الياس تعرّف عليها في التظاهرات الشعبية، بالرغم من محاولات الياس لتوضيح صورة المتظاهرين الذين تعرّف عليهم وتعلّم منهم الكثير. والملفت أن أبا الياس مناصرٌ لحركة أمل. أبو كوثرالذي كان عضواً في حزب الله، أخذ موقفاً حاسماً جداً بعد اندلاع الثورة وخاصة بعدما طلب منه أحد عناصر حزب الله عبر اتصال هاتفي إخراج كوثر من الساحة، مهدّداً إيّاه بتجميد عضويته في الحزب. كان قرارُ أبي كوثر واضحاً، فقال له: "استقالتي جاهزة". انتفض أبو كوثر على حزبه ودعم ابنته لاستكمال مسيرتها النضالية. تختم كوثر روايتها بقولها "أحبه"، أمّا الياس فيقول: "يسقط نبيه بري".

Image

حب في زمن الثورة

شخصيات القصة من مدينة صور، أبطال رواية تبدو للوهلة الأولى غير حقيقية. كوثر بدوي من حارة الجورة - ما يُعرف بـ"حارة الإسلام"- حائزة على إجازة جامعية لتعليم اللغة الانكليزية عام 2018 وتبلغ من العمر 22 سنة. كانت تعمل في مقهى ستاربكس على الكورنيش البحري لمدينة صور قبل 17 اكتوبر. بدأت مسيرتها الثورية ليل الخميس عندما خرجت من المقهى لتسير مع التظاهرة الشعبية فطُرِدت من عملها في اليوم التالي. كوثر تملك صوتاً جميلاً وهي من "هتّافات" صور. الياس برادعي هو الشخصية الثانية في هذه الرواية، شاب عشريني من ما يسمّى بـ"حارة المسيحية" في صور. هو طالب جامعي في تصميم الغرافيك ويتلقّى تدريبات عديدة في التمثيل. كبطل رواية حقيقي، له هوايات عديدة منها ألعاب الخفة والنار. "كوكو"، هكذا يناديها الياس، كثيرة الحركة، اجتماعية، نشيطة بين المتظاهرين، تهتف بصوتها الرنّان بإصرار وثقة. أمّا "ليلو"، كما تناديه كوثر، فقد كان يتبعها في جميع نشاطاتها. في ساحة العلم يلتقيان، ويحتسيان القهوة ويتناولان الطعام معاً كلّ يوم. تقول روايتهما بأن الياس جاء في أحد الأيام متأخّراً يحمل طعام الغذاء لكوثر كونه يعلم أنّها ترهق نفسها في النشاطات. تمنّى لو تجلس بجانبه فتأكل وترتاح لبعض الوقت، لكنّه لم يجدها في الساحة وعندما سأل عنها قالوا له بأنها ذهبت إلى الصيدلية وسوف تعود. برد الطعام وحلّ الليل ولم تأتِ كوثر، فأصيب الياس بخيبة أمل. لم تترك له كوثر أيّ رسالة عن سبب غيابها المفاجئ. أمّا كوثر، فهي انتظرت رسالة من الياس أو اتصالاً منه، يستفسر عن سبب غيابها عن الساحة في ذلك اليوم ويطمئنّ عليها. لكن الياس لم يقدم على أي خطوة واعتبر أنّه أخطأ بإعطاء اهتمامٍ لعلاقة شخصية في ظل الثورة. عندما جاء اليوم التالي، التقيا في الساحة دون سلام. سأل أحد المتظاهرين كوثرعن مكان تواجدها في اليوم السابق، فأجابته بأنها كانت في المستشفى لأنّها كانت مريضة جداً. سمع الياس الحديث الذي دار بين المتظاهر وكوثر وأصيب بالخجل. أخذ يفكّر بكيفية الخروج من هذا المأزق، ثم ذهب إلى كوثر وأخبرها بأنه كان قد تصرف بتكبّر، وأنه لا يريد إزعاجها لأنه يعلم بأنها ليست مهتمة بأيّ ارتباط. فضحكت كوثر من دون تعليق. وعاد الياس يتبع كوثر كخيالها من الصباح حتى المساء ينتظر وقت الطعام أو القهوة صباحاً ليحظى بابتسامة أو حديث خاص بينهما. وفي يوم، قرّرأثناء إحدى الندوات الشعبية أن "يغيّر" الهتاف ويأخذ المذياع ليعلن لكوكو عن حبه بعد ثلاثة أسابيع تقريباً على بداية الثورة. إلياس الذي كان شاباً غير وفيّ في علاقاته مع النساء، يرى بأن هذه الثورة غيّرته. لم يشارك الياس في بداية الثورة ولم يهتم لما يجري، لكنه في اليوم الرابع نزل إلى مكان الاعتصام ورأى المتظاهرين. ثم لفتت نظره فتاة "هتّيفة" اجتماعية جدّاً، فأجبِر على الاختلاط بالمعتصمين. بدأ شيئاً فشيئاً يكتشف أموراً بسيطة لم يكن يعرفها من قبل، كحقّه بالحصول على الكهرباء 24/24 ، وبدأ ينمو لديه وعيٌ ثقافي حتى في مواضيع غريبة عنه تماماً كالحفاظ على البيئة. "أصبحت الثورة أملاً جماعياً"، يقول الياس. أمّا كوثر فتقول بأن الثورة هي مساحة للتعبير عن الرأي. لم يتغيّر شيء في شخصيتها المستقلة، لكنّها تعلمت من الياس "السحر". من جهة أخرى، هناك حواجز خوف في علاقة كوثر والياس، أولها الاختلاف الديني بين شخصين في علاقة. من ناحية موقف الأهل فأم إلياس أحبّت كوثر، أمّا أباه فقد اعتبرها في البداية شيوعية كافرة ومن عبدة الشياطين لعلمه بأنّ الياس تعرّف عليها في التظاهرات الشعبية، بالرغم من محاولات الياس لتوضيح صورة المتظاهرين الذين تعرّف عليهم وتعلّم منهم الكثير. والملفت أن أبا الياس مناصرٌ لحركة أمل. أبو كوثرالذي كان عضواً في حزب الله، أخذ موقفاً حاسماً جداً بعد اندلاع الثورة وخاصة بعدما طلب منه أحد عناصر حزب الله عبر اتصال هاتفي إخراج كوثر من الساحة، مهدّداً إيّاه بتجميد عضويته في الحزب. كان قرارُ أبي كوثر واضحاً، فقال له: "استقالتي جاهزة". انتفض أبو كوثر على حزبه ودعم ابنته لاستكمال مسيرتها النضالية. تختم كوثر روايتها بقولها "أحبه"، أمّا الياس فيقول: "يسقط نبيه بري".

Image

السابع عشر من تشرين: نحو حركة طلابية ثورية

لقد قالها الطلاب "يا بيروت شدي الحيل تنسقِّط رأس المال". تصدّع جدار البنية الطائفية في السابع عشر من تشرين الأول. كانت تلك الليلة نقطة تحول أولى لا رجعة عنها في تاريخ لبنان المعاصر. كانت شرارة تحوّل في الحسّ الطبقي المدفون تحت رمضاء الطائفية السياسية. وأمّا نقطة التحول الثانية كانت بين 20 و22 من الشهر عينه بين خطاب الأمين العام لحزب الله واستقالة الحريري من جهة والاعتداء الذي قاده المنطق الإقصائي الهمجي لشبيحة الأحزاب الطائفية من جهة أخرى. تجلّت معالم المواجهة المفتوحة بين أذرع الترهيب للدولة الطائفية الريعية وبين شعب هذه الأرض. أي أنّ تناقضات البنية باتت بينة لا تقبل التأويل: الدولة – أداة قمعية تتّكئ على عماد الهيمنة الدينية والاقتصاد التبعي مقابل شعب – أهل الأرض من المواطنين واللاجئين والعمال المهاجرين الذين قرروا الخروج عن صمتهم. أبناء شعبنا من الطلاب والشباب والعمال والعاطلين عن العمل رابطوا في الساحات رغم طبول القمع المفتوحة عليهم ليكون فعلهم إعلاناً صريحاً بأنّ المواجهة قائمة والمسؤولية تاريخية. لكنّ التاريخ صيرورة. لم ينفجر الغضب الشعبي في هذه الأيام مصادفة فقد أتى تشريننا هذا بعد سنة حافلة بالاحتجاحات، بدأت بإضراب المعلمين فحراك طلاب الجامعة اللبنانية الذي انبثق عنه  تشكيلات طلابية اتّخذت لنفسها موقع النقيض من البنية الطائفية. وقد توجت التحركات مع حراك المخيمات الفلسطينية الذي امتدّ على مدار تسعة أسابيع والذي عكّر صفو المفاهيم المعلبة للأنا والآخر في مجتمع تمزقه الهويات المجتزأة. تظاهر سكان المخيم (من الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين) باسم العمل والعمال ضدّ البنية القانونية اللبنانية لما فيها من تكريس للريع والعنصرية والزبائنية والعزل والإقصاء. انتفضت المخيمات ضد بنية النظام القانونية تلك عينها التي تعفي أصحاب راس المال والشركات والمصارف الكبرى من الضرائب وتحرم الفقراء (بمعزل عن جنسيتهم) من الحق في العمل والسكن والطبابة. غضِبَ طلاب جامعة الفقراء فانفجر الشعب انتفاضةً ستغيّر مجرى الزمان في هذا الوطن. تصدّع جدار البنية الطائفية في السابع عشر من تشرين وبدأت معالم الحسّ الطبقي والغضب الوطني الجامع تتجلّى، مُحطّمةً ثقافة الأيقونة السياسية وهيبة الحزب الطائفي فقالها الطلاب "بدنا علم وخبز ومصنع! نحنا الشعب اللي بقرّر ولمّا بدنا منغيّر!". لقد وضعت حركتنا الطلابية في لبنان نفسها في موقعها الطبيعي كجزء من الحركة الوطنية في البلاد. وإن كانت انتفاضة ليلة 17 من تشرين نقطة تحوّل أولى في صوغ معادلة تقرير المصير في البلاد و ليلة الـ22 نقطة تحوّل ثانية في وعي الانتفاضة للتناقض الوجودي بين الإرادة الشعبية والنظام اللبناني، فصبيحةُ السادس والسابع من تشرين الثاني كانت نقطة التحول الثالثة. نقطة تحوّل لا رجعة عنها في قواعد المواجهة بين النظام والحركة الشعبية. إنّ خروج الجسد الطلابي ككتلة متراصّة إلى الشارع في السادس من الشهر الجاري لهو انتفاضة تولد من رحم الانتفاضة.إنّ تحرّكَ الجسد الطلابي حصنٌ معنوي وفكري منيع للخطاب الجماهيري في الميدان. فمن شأن ولوج شخص الطالب في الشأن العام وبالتالي تبنيه لوجوده كفاعل سياسي، أن يقي وعي الشعب السياسي التحرّري من مغبّة الانكماش الذاتي أو التراجع أو الوهن. أي أنه لا مجال لسيناريو "التداعي السياسي" الآن، ولا مجال للمساومة مع بنيان النظام القائم الآن خاصّة بعد مأثرة طلاب الجامعة اللبنانية في السابع من تشرين الثاني، حيث أعلنت التشكيلات الطلابية المستقلة في الجامعة اللبنانية تمرّدها على مجالس طلاب الفروع – رموز إرهاب الدولة ضمن بنيان الجامعة اللبنانية القائم، الذي حول المؤسسة إلى آلة تجهيل ممنهج لإعادة إنتاج الطغمة السياسية والاقتصادية الحاكمة إداريّاً، ولتكريس ثقافة التطبيع والمطاوعة شعبيّاً. لا يقلّ الفعل الذي حرّر صرح الحدث من صمته في السابع من الشهر الجاري عن فتح ميداني ينتظر جلاءً فكريّاً أكثر جموحاً في جذريّته لكي ننتقل من مرحلة الحس الوطنيوالطبقي إلى فضاء الوعي الطبقي والوطني الجماهيري. خلاصةً، فقد وضعت حركتنا الطلابية في لبنان نفسها في موقعها الطبيعي كجزء من الحركة الوطنية في البلاد. أي أنّنا قد أعلنا مواجهة واقع مؤلّف من حقيقتين، الأولى هي البنيان التابع لأنظمتنا الرجعية والثانية فهي الراهنية الإستعمارية المتمثلة بالكيان الصهيوني التوسعي القاضم للأرض والأنهار والذي يتوغّل في بنياننا الاقتصادي على صيغة شركات عالمية. إن استمرارية هذا الواقع تُحتّم علينا جملة من المهام تتمثل بـالآتي: أوّلاً، ضرورة نشر وعي نقيض للنظام من جهة ولحالة الاعتراض الليبرالي من جهةٍ أخرى. على الوعي الطلابي النقيض مواجهة استفحال منطق منظمات المجتمع المدني المدعومة من الخارج والطروحات المطلبية المجتزأة والمهادنة للمنطق "الدستوري" الراهن. فمن غير المقبول أن نطوّع خطاب انتفاضتنا لـ"إصلاحات" متناثرة أو "تعديلات" قانونية لمنظومة آسنة في الجوهر. كأن نطالب بـ"تعديل قانون الضرائب أو العمل" بدلاً من أن نركّز على إلغاء المنظومة الضريبية نحو نظام جديد يرتكز على شطب الدين العام  وتأميم المصارف وإلغاء الضريبة غير المباشرة نحو اقتطاعات جبرية لذوي الشركات الكبرى واستعادة المال من الأوليغارشية الـ"وطنية". من غير المقبول أن نذعن لمنطق "التعديات" ضمن بنية السوق القائمة دون أن نعلّي الصوت ضدّ التمدد الإستعماري الجديد للشركات متعددة الجنسيات التي توفر فرص عمل منتجة للاستهلاك والتبعية لاقتصادات الخارج. من غير المقبول أن يسقط لنا جرحى وشهداء وأن تُحرق خيامنا ويُضرب شبابنا وشيوخنا في رياض الصلح والزيتونة وصيدا وكفررمان والنبطية وجونية وجل الديب وقبلهم في مخيم المية ومية ونهر البارد وعين الحلوة بأسلحة تستوردها سلطتنا الرجعية الطائفية من سوق السلاح العالمي الذي يتمول من السيولة الناتجة عن استهلاكنا لسلع الشركات العالمية مثل"نتسلة وبوما وباتشي وجي فور أس وزارا وأيشتي... إلخ". من غير المقبول أن نُضرب حدّ الإدماء تحت هراوات مكافحة الشغب وبنادق العساكر المستوردة دون أن نلحّ على فرض سياسة حمائية قاسية تكفّ عنّا بطش الدولة الفاشلة من جهة، وارهاب الدول العالمية وثقافاتها الاستعمارية من جهة أخرى.  ثانياً، ذلك الوعي يتطلب إسنادَ أمر قيادة الحركة الجماهيرية الطلابية إلى مساحات الإنتاجالمعرفي الجماهيرية المفتوحة، حيث من الممكن بلورة كوادر فكرية ثورية مُخوّلة تنظيم حركة حزبية سياسية راديكالية تنشط فكريّاً ضمن منطق جدلي يصل حركة التحرّر الوطني بالمواجهة الطاحنة ضدّ النظام اللبناني التبعي نحو العدالة الاجتماعية. وذلك لا يتحقّق إلّا بتكثيف الجهود نحو مأسسة مدرسة ميدانية ثورية ترتكز على مفهوم الإنتاج المعرفي الشعبي- الجماهيري المنظم. ثالثاً، ذلك يؤدي بنا إلى ضرورة النضال ضدّ الإستيراد المعرفي فيما يخص المساحة الأيديولوجية الثورية، وذلك من خلال نقض النهج "اللاسياسي" ونهج "الخندقة" السياسية الفكرية التي تستمد غذاءَها الفكري من استفحال أنماط الاستهلاك المعرفي الغربي والإعلام التبعي متعدّد الأقطاب. ذلك يستتبع وجوب بلورة منهجيات علمية وطنية تحررية من خلال استنهاض أدبيات الفكر التحرري العربي (وغيره من أدبيات عالم الجنوب)، ونقضه ضمن قراءة تحررية لتاريخ الوطن العربي بالمجمل والقطري اللبناني على وجه الخصوص. فمن غير المسموح أن نحرّر جامعتنا الوطنية من الطائفية السياسية لنجدها جامعة منتجة ضمن منطق تبعي وفقاً لمعايير الاستلاب الأكاديمي الأجنبي سواءً على مستوى المنهاج أو التخطيط البحثي والإنمائي. رابعاً، وفي هذا المضمار نصل إلى ضرورة نسج العلاقة بين طلاب الجامعة الوطنية وطلاب الجامعات الخاصة على أساس نظرة تضع نصب أعينها وجوب تقويض دعائم القطاع التعليمي الخاص نحو تأسيس مؤسسة تعليمية تربوية تحررية وطنية. لا يمكن مقاربة مشاغل الطلاب في القطاع التعليمي الخاص بالأزمة الوجودية المتعلقة بالجامعة اللبنانية. إن القطاعين  كيانان نقيضانشكلاً ومضموناً على كافة الأصعدة إداريّاً وماليّاً وزبائنيّاً ومعرفيّاً. وإنّ مؤشر رخاء قطاع التعليم العالي الخاص لهو مقرون بديهيّاً بعلاقة عكسية مع تطوّر مقومات الجامعة اللبنانية معرفيّاً وزيادة الحرية والرخاء الطلابي فيها. نشير إلى ذلك لنقول صراحةً أنّ اتحاد الجسد الطلابي في لبنان لا بد ألّا يهدف إلّا إلى انشاء اتحاد طلابي وطني عام يأخذ على عاتقه على المدى الطويل تأميم قطاع التعليم العالي ككل نحو تثوير قطاع الإنتاج المعرفي في معركة ضروس ستُشحذ لها العيون، لكنّ لا مفر من خوضها. أخيراً، لابدّ أن تعمد حركتنا الطلابية إلى تعبيد الطريق نحو هندسة هوية إقليمية تمكنها من إنشاء أطر طلابية تضامنية فاعلة على امتداد الوطن العربي والعالم، نحو تحطيم المنهجيات القطرية والإقليمية، وخلق منهجيات وحدوية ما سينعكس إيجاباً على تسييس الحركات الحقوقية التضامنية التي طالما احتكرتها أسواق المنظمات غير الحكومية وتابعيتها الغربية. محليّاً، هذا يحتم التشديد على الهوية الطبقية للحركة الطلابية وذلك يستوجب إعادة صقل الخطاب الطبقي الوحدوي العابر للمواقع والتصنيفات القانونية (مواطن ، لاجئ، نازح، مقيم غير قانوني إلخ...) والنضال الفعلي ضد عمليات العزل والإحتواء الجغرافي المناطقي التي تنتهجها الدولة اللبنانية لترويض المزاج العام وتطبيع منطق التفرقة والإقصاء على حساب عملية الوحدة الجماهيرية الطبقية التي تبلورت اليوم بشعار "يا شعبي لازم تعرف، أكبر حرامي المصرف". في السابع عشر من تشرين الأول عام 1973 التجأت مجموعة "تشي غيفارا" بقيادة علي شعيب ورفاقه الستة من اللبنانيين والفلسطينيين الشيوعيين إلى بيوت مخيم صبرا وشاتيلا وباتوا بين أسرّة الفدائيين قليلاً قبل أن يذهبوا لينفذوا أكبر عملية سطو مسلح على مصرف في تاريخ لبنان. في الثامن عشر من تشرين وقف علي أمام الرهائن قائلا "لا تخافوا فالعملية لا تستهدفكم وليست للسلب.... نحن هنا لأنّ الثورة هي حمل السلاح ضد نظام الـ 4 % .... وديمقراطية الـ 4% وتشريع الـ 4% وعدالة الـ 4%..." استشهد منفذو العملية ولكن ها نحن هنا بعد 46 سنة بالضبط! ننتفض ضدّ الـ 1% ومصارفهم. كثيرةٌ هي مهامنا وكُثرٌ هم أعداؤنا في معركة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، لكن الأزمة لن تُفرج بسهولة بعد أن استفحلت حلقاتها. إنّها المرة الأولى منذ مجموعة غيفارا التي تجد فيها الطغمة السياسية والاقتصادية اللبنانية نفسها في مواجهة شارع يريد استئصالها ونسف الأسس التي قامت عليها. إنها مغامرة وجودية كبرى تتحدّى مفهوم الدولة اللبنانية وتاريخها ومستقبلها. ولأنّ الأعداء كثرٌ والشارع أسرع في مشاعره من قدرتنا التنظيمية كطلاب، علينا أن نكون واقعيين والواقعية هي أن لا نطلب أقل من المستحيل لأنّالمواجهة قائمة والمسؤولية تاريخية.

Image

عامر الفاخوري.. عمالة يُزيّنها الإجرام

مضى على عودة العميل عامر الفاخوري الوقحة، عبر مطار بيروت الدولي، أكثر من شهرين. وكشفت هذه العودة أنّ هناك جهات نافذة داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها مهّدت له الطريق لعودة آمنة مطمئنة، وهو العميل الخائن للوطن لصالح العدو الصهيوني، والمعروف بجزّار معتقل الخيام لما ارتكبه من جرائم موصوفة بحقّ أبناء الوطن ممّن دخلوا إلى المعتقل بتهمة ممارسة حقهم الطبيعي بمواجهة قوات الاحتلال وعملائه. فكيف لهذا المجرم الذي يدرك جسامة ما ارتكبه خلال مدّة تعامله الطويلة مع الاحتلال أنْ يطمئنَّ لعودته بهذه السهولة لو لم يكن هناك من جهات تمتلك قراراً قويّاً داخل مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية؟!فمن هي تلك الجهات؟ وهل ما قامت به يُصنّف في خانة الجهل والخطأ؟ أم أنّها جزءٌ من مشروع الخيانة الأخطر داخل جسم الدولة؟ هذا السؤال سنبقيه بِرسم الرجال الوطنيين الذين يحظون بثقتنا كأسرى محرّرين وكأحرار في هذا الوطن، مدركينَ أنّ معركتنا مع العدو الصهيوني ما زالت طويلة ولم تنتهِ بعد.بيّنت المعلومات التي كشفتها الأشهر القليلة الماضية أنّ الفاخوري هو العميل رقم 203 من عدد العملاء الذين عادوا بنفس الطريقة إلى لبنان، من دون أن يتعرّض لأي مساءلة أو متابعة إلّا عددٌ قليل منهم. وتبيّن بعد توقيف الفاخوري أنهم تواروا عن الأنظار، أو أنّهم غادروا البلاد مجدّداً خوفاً من أن يلحقهم ما لحق بالعميل الفاخوري، كونهم شركاء فعليين في جرائمه. وعلى الرغم من الدور الاستثنائي الذي لعبه أحد عناصر الأمن العام في المطار بيقظته الوطنية لكشف عودة جزار الخيام، إلّا أنّ عوامل أخرى ساهمت على ما يبدو وسهّلت توقيف الفاخوري وانكشاف أمره، بخلاف العملاء الـ 202 الآخرين. ومن هذه العوامل أنّ الفاخوري، الذي يحمل جواز سفر إسرائيلي، كان يحاول تجديد جواز سفره اللبناني من السفارة اللبنانية في واشنطن، وعندما تأخر الردّ عليه، تواقح ربما وبزلّة لسانٍ أو عجرفة معروفاً بها، أنّه لن يحتاج إلى جواز سفر لبناني لأنّه خلال عام من ذلك التاريخ سيكون بحوزته جواز سفر أميركي سيخوّله دخول لبنان دون أي عائق. وقد شكّل تسجيل هذه المعلومة من قبل العين الساهرة لدى الأمن العام إلى جانب اسم الفاخوري المُسقط أصلاً من البرقية 303 الخاصة بمتابعة العملاء طرف الخيط الذي أوقعه في شباك القضاء اللبناني، العسكري والمدني، بعد أن تقدّم عدد من الأسرى المحررين وعبر لجنة من المحامين بدعاوٍ شخصية ضد الفاخوري، وقدّموا شهاداتٍ حية عن معاناتهم وآلامهم الجسدية والنفسية من جرّاء ممارساته الوحشية تجاههم بصفته المسؤول الأول عن قسم الحراسات في معتقل الخيام، قبل إغلاقه واندحار قوات الاحتلال الصهيوني عن الجنوب عام 2000، ومسؤوليته المباشرة عن تعذيب وإخفاء العديد من المقاومين الأسرى وعلى رأسهم الأسير علي حمزة الذي ما زالت آثاره مجهولة حتى الآن. إنّ تسليم ملف العميل الفاخوري للقضاء اللبناني من قبل الأسرى المحررين وهيئة ممثليهم، وتحرّكاتهم أمام قصر العدل، والمحكمة العسكرية في بيروت ومناطق أخرى، يأتي ضمن قناعاتهم التزام القانون والقضاء العادل المنتظر منه إنصافهم وأخذ حقهم ممّن عذّبهم ونكّل بهم وبعائلاتهم، واستخدم أقذر الأدوات غير الإنسانية ضدهم كأسرى مقاومين لإيذائهم ماديّاً ومعنويّاً. إلّا أنّ شكوكاً كبيرة بدأت تحوم حول جدّية القضاء واستقلاليته في متابعة هذا الملف والوصول إلى خواتيمه بالسرعة اللازمة، لا سيّما بعد تكرار عمليات التأجيل لجلسات التحقيق التي كانت مُقرّرة للعميل الفاخوري في قصر عدل النبطية، حيث قدّم عدد من الأسرى المحررين وعلى رأسهم المناضلة سهى بشارة دعاوى خاصة بحق الفاخوري.وقد عبّر الأسرى المحررون في أكثر من تجمع أقاموه أمام قصر عدل النبطية، عن قلقهم من الطريقة غير المسؤولة لتعاطي القضاء مع هذا الملف، والمماطلة فيه، والأخذ بأسباب تمارض الفاخوري لتأجيل إحضاره أكثر من مرة مخْفوراً إلى المحكمة من دون الأخذ بعين الاعتبار مساحة الألم المختزَنة في أجساد وأرواح هؤلاء المعذبين على أيدي جزار الخيام، وثقل الزمن المنتظر منذ فترة طويلة الذي سيُحقّق لهم شيئاً من العدل، واستعادة الكرامة، وتحصين وطنهم من لوثة العمالة وقطع دابرها. إنّ تخوّف الأسرى وقلقهم يعزّزه معرفتهم الأكيدة بحجم الضغط الذي يمارس على القضاء داخليّاً وخارجيّاً، والمحاولات المتكرّرة لاستلابه دوره ومكانته لمصالح سياسية وحسابات بعيدة كل البعد عن الحق والمصلحة الوطنية. كما أنّ الأحكام السابقة الشكلية في معظمها بحق العملاء والتساهل الكبير معهم، يدفع الأسرى المحررين وإلى جانبهم أحرار هذا الوطن ومقاوميه للبقاء على أهبة الاستعداد من أجل أن يأخذ القضاء مجره وبالسرعة الممكنة للاقتصاص من هذا الجزاء وأمثاله، وإنزال حكم الإعدام الذي يستحقه بعد كل الجرائم التي ارتكبها، وضمان عدم التدخل المشبوه في هذا الملف لا سيّما من السفارة الأميركية، محذّرين من أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه أي جهة تحاول الاستهتار بآلامهم وجراحهم ودماء المقاومين الشهداء الذين سقطوا على أيدي الجلادين العملاء وعلى رأسهم الفاخوري، ومؤكدّين أنّ الثقة الممنوحة للقضاء اليوم هي على المحك، لا سيّما في زمن انتفاضة الشعب اللبناني الذي يطالب بالتغيير الجدي بطبيعة النظام، ومحاربة الفاسدين قي مؤسسات الدولة، وبناء قضاء نزيه مستقل يكون الفصل بين العدل والظلم، ويعيد الاطمئنان لكل صاحب حق في بلدنا. آملين أن يكون الموعد الثالث الذي حُدّد في الخامس من كانون الأول المقبل هو الموعد الأخير لبدء المحاكمة الحقيقية لهذا الخائن. إن نزول معظم الأسرى المحررين للشارع إلى جانب أبناء شعبهم المنتفض لرفع الصوت وانتزاع الحقوق والمطالب المرفوعة، يثبت استعدادهم الكامل، مرة أخرى، لاستكمال عملية التحرّر الوطني ومقاومة الاحتلال التي كانوا من صُنّاعها، بعملية التحرر الديمقراطي والاجتماعي على المستوى الوطني.

Image

قضيّة الأسرى أم قضيّة وطنية؟

فتحت عودة العميل عامر الفاخوري ملفّ العملاء على مصراعيه، وأثارت موجة غضب عارمة لدى الأوساط اللبنانية بشكل عام، ولدى الأسرى السابقين في معتقل الخيام خصوصاً. كما أحدثت إرباكاً عند أكثر من طرف أمني وسياسي. حسناً، هذا الإرباك ليس بمستغرب على السلطة التي تتّحد في عمقها لجهة تغليب اعتباراتها السياسية الخاصة على اعتبارات العدالة الاجتماعية والوطنية. ونتبين هذا الأمر بوضوح كليّ، من خلال النظرة الشاملة إلى الوضع اللبناني بشكل عام، ومن خلال استعادة أبرز المعطيات التي شهدناها في خضم التدابير المعتمدة، شكلاً ومضموناً، لمحاكمة الأشخاص الذين تعاملوا مع الكيان الصهيوني قبل العام 2000 وما بعده، والتي انتهت غالبيتها إلى عقوبات مُخفّفة، في محاولة لضبضبة الانقسام السياسي الداخلي. وليس مستغرباً أيضاً أن هذا الإرباك قوبِل بإجماعٍ سياسي "سلطوي" على المطالبة بمحاسبة الفاخوري بحسب المقتضى القانوني، فإن تلك "الاعتبارات السياسية" نفسها تُستتبع بتمييع في العدالة نفسها. عمالة ساقطة ولكن "بمرور الزمن"ملف الفاخوري الآن في عهدة القضاء، فهل يكون القضاء عادلاً؟ نحاول التطرق هنا عبر الطرق القضائية "التقليدية" إلى الملف. سقط بمرور الزمن، الحكم القضائي الغيابي الصادر عام 1996بحق الفاخوري لإدانته بجرم التعامل مع العدو، استناداً إلى المادة 163 من قانون العقوبات التي استفاد من الفاخوري من مفاعيلها في ظلّ عدم وجود أحكام أخرى صادرة في حقه أو أي مذكرات بالملاحقة أو عدم وجود ادعاء عليه. هذا التبرير القانوني الذي لجأ إليه كثيرون، لكنّ أوساط قانونية أخرى أشارت إلى أن حالة الفاخوري الذي حُكِم عليه غيابيّاً بتهمة العمالة، لم يتبين أن جرمه اقتصر على جريمة التعامل فحسب، بل ثمة جرائم أخرى ارتكبها استناداً إلى موقعه ودوره الذي كان يشغله كمشرف على أعمال التعذيب التي كان يتعرض لها الأسرى والذين تنطبق عليهم صفة أسرى حرب، فهو المسؤول السابق عن معتقل الخيام إلى لبنان وأحد الأشخاص الأكثر تورّطاً بالعمالة مع الكيان الصهيوني. وبذلك يكون قد ارتكب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم عملا بأحكام المادة الأولى فقرة "أ" و "ب" من اتفاق عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (تاريخ 26 تشرين الثاني 1968 وتاريخ بدء النفاذ 11 تشرين الثاني 1970). هذا بالإضافة إلى أنّ الفاخوري ينطبق عليه فعل الإخفاء القسري وحجز الحريّة بحقّ الأسير في معتقل الخيام، علي حمزة، الذي لا يُعرف مصيره إلى اليوم. التحقيقات جارية وشهادات للأسرىومن المنتظر أن تستكمل قاضية التحقيق العسكرية، نجاة أبو شقرا، استجواب الفاخوري، الذي مثل بتاريخ 17 أيلول أمامها، بعد أن أصدرت بحقه مذكرة توقيف وجاهية، بناءً على ادعاء معاونة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس، القاضية منى حنقير، التي طلبت استجوابه بناءً على مواد قانونية تصل عقوباتها القصوى إلى الاعدام (التعامل مع العدو، دخول أراضي العدو، حيازة الجنسية "الاسرائيلية"، التسبب بالقتل والتعذيب). وقد استمعت أبو شقرا لشهادات بعض الأسرى في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من الشهر الفائت، بعدما تقدّموا في موازاة ملاحقة الفاخوري أمام القضاء العسكري، بإخبار إلى النيابة العامة التمييزية، ضدّ الفاخوري وكل من يظهره التحقيق مشاركاً ومتورّطاً بجرم التعامل مع العدو الصهيوني وتسهيل دخوله إلى لبنان وهو عميل محكوم، مطالبين بـ"استجواب هذا العميل وتوقيفه ومحاكمته وإصدار أشد العقوبات بحقّه" استباقاً لأي قرار قد يؤدي إلى إسقاط الحكم الغيابي الصادر بحقه. خطوات لن تنكفئ "لربما استطاعوا إطلاق سراح العميل لولا تحركاتنا المتواظبة" يقول أسيرٌ محرّر. ويضيف "تعوّدنا أن نرى معظم القضايا تتلاشى بعدم متابعتها. أؤمن بأن هذه القضية جزءٌ من كل لكنّنا لن نتهاون أو نكلّ عن القيام بكلّ واجب بعد أن نكّلوا بنا عوضاً عن معاقبة العملاء غير الفارّين أو الفارّين الذين يسمّونهم بالمُبعدين". قال كلماته هذه في اعتصام نفّذته هيئة ممثلي الأسرى المحررين، يوم الثلاثاء الفائت حيث اجتمع نحو ستين أسيراً جمعت بينهم آلام الأسر والتعذيب، بالإضافة إلى بعض المتضامنين ليجدّدوا عبر الاعتصام رفضهم لعودة الفاخوري وأي عملاء آخرين، ولرفض إسقاط الحكم الصادر بحقّه بحجّة تقادم الزمن، مشدّدين أن "العمالة والخيانة العظمى لا تسقطان بتقادم الزمن بل تبقيان وصمة عار على جبين مرتكبيها ومن يدافع عنهم". وحضر الاعتصام وكيل الأسرى المحررين المحامي معن الأسعد، والأمين العام لمركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا وسط حضور هزيل لوسائل الإعلام، التي لم تعُد تجد في هذه القضية قيمة مُضافة على نشراتها الإخبارية أو صفحاتها، لربما سقط "بمرور الزمن" هذا الاهتمام لغير ملاءمته الـ "Scoop" أو الـ "Trend"! تحدّث الأسرى عن تجاربهم المؤلمة، والتي بالكاد كانوا يستطيعون التعبير عنها سابقاً، إلّا أن عودة الفاخوري نكأت جراحهم التي لم ولن تندمل بمرور الزمن. هو جرح الوطن والوطنيّين. إنّ العدالة تتمثّل بألّا يكون المتعاملون مع العدو الصهيوني أو التابعون للامبريالية في السلطة أساساً... إنّه المضحك المبكي! ولا شكّ أن تأتي صحوة ما بعد عودة العميل الفاخوري لتبرز مجدّداً إلى الواجهة، وبشكلٍ ملح، القضيّة الوطنيّة في كلّ حراك شعبي يدعو إلى التغيير.            

Image
الصفحة 1 من 8

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل