مار مخايل عالقة بين زمنين

0
0
0
s2smodern

طريق ضيقة. زحمة مدينية معتادة توصلك إلى حي مار مخايل في الأشرفية. المنطقة التي تمتد من نزلة العكاوي إلى جسر برج حمود، تحوي محال قديمة، لا يزال أصحابها يمارسون حرفهم فيها.

عدد منها أُقفل، وظهر مكانها مقاهٍ حديثة. في الطوابق العليا حافظ السكان على منازلهم، فيما إستطاع بعض المستثمرين تحويل عدد منها إلى مطاعم أو rooftop، فارغة وهادئة نهارًا، ومعظم روادها أجانب. حياة عادية تلف الشارع حتى مغيب الشمس.
يحاول الحي الحفاظ على صورته في وجه المد الباطوني الذي إجتاح بيروت بعد الحرب الأهلية، في ما عرف حينها بمرحلة إعادة الإعمار. تغيرت ملامح المدينة ومسحت هويتها. التقدم يفهمه أصحاب المال بتحويل البلاد إلى ملهى ليلي كبير، وإن أتى على حساب المواطنين وثقافتهم وهويتهم. إلا أن أبنية مار مخايل، بتصاميمها القديمة والملونة، تعكس المكانة الحيوية التي إحتلها الشارع تاريخيًا.
أدار رواد السهر والمستثمرين مع موسيقاهم، ظهرهم لمنطقة الجميزة بعد أن صنفت منطقة سكنية، وتقدموا بإتجاه مار مخايل. مساءً تنام المحال والدكاكين، وتصحو البارات والمطاعم. تحجز الطاولات والكراسي مكانها المعتاد على طول الشارع. رواد المقاهي ذو الغالبية الأجنبية والمراهقين، يملأون الشارع، ترافق أحاديثهم وضحكاتهم موسيقى اجنبية. في السابق كان صوت الموسيقى مرتفعا جدًا، تقول إحدى الفتيات التي تسهر دائمًا في المنطقة. "شكاوى السكان المستمرة أجبرت أصحاب المقاهي على خفض الموسيقى، والإقفال عند الساعة الواحدة"، هذا ويمر أيام عدة في الأسبوع تكون السهرات "ميتة" كما تروي الشابة. أما السكان فيتململون عند سؤالهم عن الأمر، معتبرين أنها لم تعد لهم، وباتت منطقة للسهر منذ زمن.
في بداية الشارع تستقبلك شركة الكهرباء، وعلى الخط المقابل لها محال قديمة، لوحاتها تقول أنها كانت ديسكوتيك ومحال خراطة. الرصيف الذي يمتد على طول الشارع، زرع أشجار يتيمة، كالتي توزع عشوائيًا في المدن بدل المساحات الخضراء التي أُعدمت، وما تبقى منها مقفل أمام المواطنين. أوراقها تلاشت على الرصيف، فيما إحتمت السيارت في ظلها. ووجدت الدراجات النارية ركنًا لها على أحجارها.
أمتار عدة توصلك إلى منطقة السهر، حانات تتداخل مع المنازل. على جدرانها الموازية للرصيف، ترك رواد الشارع وعابرو سبل بصماتهم. هنا رسم أحدهم نسرًا وهناك دراجة هوائية، أما التعابير فخطت بالإنكليزية، يفهمها أصحابها فقط. حتى الحراك الشعبي الذي إنطفأ في الشارع، ما زال ينبض على جدران مار مخايل. تختلط بعض الرسوم والكتابات بالإعلانات، منها لمنازل واخرى لمسرحيات وعروض فنية. علقت بعشوائية وبسرعة، القديم منها سرقت الشمس ألوانها، فيما شوهت الأيادي ملامحها، إلا أنها لا تزال تطل من خلف الإعلانات الجديدة. حتى أعمدة الكهرباء نالت حصتها من الألوان، والمحال القديمة المقفلة رسم على أبوابها. حيّ أرمينيا الموازي للمنطقة السهر، ينعكس بما خطه السكان بلغتهم الأم على الجدران، فهنا لافتة "رجاء عدم لصق الإعلانات"، يحيطها إعلانات وكلمات رشت باللغة الأرمنية.
المنازل تعكس صراع الهوية الذي يعيشه البلد. صعد بين المنازل القديمة، مبانٍ ذات شكل هندسي حديث ومتناسق، وجدت مكانًا لها في الحيّ، لكن دون أن تنتمي إليه. أحد الأبنية جدرانه زرقاء ويلفه الزجاج. يبدو للمارين كرقيب فوق جيرانه، كمن أتى لفرض هيمنة على القدماء. رغم ذلك بعض من روح الريف تغمر الحيّ. على بعد كيلومترات من وسط بيروت، الذي بات كمدينة أشباح بأبنيته المرتفعة والحديثة والفارغة من الحياة، لا يزال هناك منازل تعلوها سقوف القرميد. غرف يحميها الأباجور، منه الأخضر والأزرق والأحمر. وأيضًا الشرفة التي باتت غريبة عن العاصمة. مداخلها أبواب على شكل قناطر. المنازل تتعدد ألوانها. هناك الأصفر والأزرق والزهري. عند مدخلها لا يزال يجلس رجال ونساء في الستين والسبعين من عمرهم في دكاكينهم الصغيرة. بعضها لا يتعدى المترين المربع. سحارات خضار وفاكهة، ونسوة تسأل وتفاوض على السعر. يتدلى على الحائط مكانس القش، وعلى الأرض صفت غالونات زرقاء، على رفوف علب الطعام وقناني الزيت والكحول، السكاكر والألعاب الصغيرة تنتظر الزبان الصغار في زاويتها الخاصة، وأمامها وضعت أكياس الخبز. مداخل أخرى يتقدمها بوابات حديدية صغيرة، وأحواض لنباتات وزهور.
من حيّ تجاري الى بقعة للسهر
أخذت المنطقة إسمها من كنيسة مار مخايل التي بنيت عام 1855 ورممت عام 1883، فيما بنيت المقابر بجانبها. بجوارها، وفي العام نفسه، شيّد مارون نقاش مسرحًا في منزله، حيث عرض فيه أول عمل مسرحي في لبنان. في الحيّ خمسة أدراج تربطها بمنطقة الأشرفية، لعل أبرزها درج مسعد الذي بني منذ أكثر من ثمانين عامًا. هو الأعرض والأطول. عام 2012 قام عدد من الشباب والشابات بتلوين أدراجه، فيما تزينت جدران المنازل المحيطة فيه بلوحات غرافيتي.
يعتبر الحيّ أول منطقة سكنية في بيروت، بحسب الوزير السابق شربل نحاس. يشرح نحاس مفصلاً تاريخ الشارع. ينتقل من خريطة إلى أخرى، من فترة الإحتلال العثماني مرورًا بالإنتداب الفرنسي وصولاً إلى يومنا هذا. مراحل تبدل معالم الشارع مرتبطة بالتغيير الذي شهدته بيروت. شكلت المنطقة أول إمتداد لبيروت خارج إطار السور القديم. أما سكان مار مخايل فهم كانوا بغالبيتهم من أبناء بيروت ومالكي الحرف والصناعات في المنطقة. أما منطقتا الأشرفية والمصيطبة مثلًا كانتا خاليتين من السكان لوقوعهما على تلتين لا تصلهما المياه، بعد قدوم الفرنسيين وإمداد خطوط المياه بدأ السكن والإعمار في هذه المناطق. يضيف نحاس، عام 1895 بدأ العمل بطريق بيروت- الشام، عام 1906 طريق رياق- حمص، 1911 حمص-طرابلس، 1942 طريق طرابلس- بيروت- صيدا- حيفا. خط بيروت- الشام هو ما يعرف اليوم بالجميزة ومار مخايل. طبيعة المنطقة جعلتها حكمًا طريقا أساسيا للوصول إلى بيروت. إذ هي عبارة عن وادي بين تلتين، وكانت طريق ترابية يعبرها التجار على الحمير ولاحقًا شقت طريق القطار، وفي عهد الإنتداب الفرنسي باتت أيضًا خط التراموي الذي يربط بيروت بالشمال. بحكم طبيعتها المنخفضة، وتوافر المياه فيها، وإنشاء خط لسكة الحديد، شكلت هذه المنطقة خط عبور إلى العاصمة حيث كان ياتي التجار لإفراغ بضاعتهم في وسط البلد، ويأتي تجار آخرون عبر باقي الطرق. أدى هذا الأمر إلى فورة عمرانية على طول خط سكة الحديد، وبدأت تاخذ المنطقة طابعا صناعيا وسكنيا في آنٍ معًا. إذ عمد الصناعيون والتجار على إنشاء محلات على طول الطريق، وفوقها بنوا منازلهم.
المنطقة الصناعية ما زالت موجودة. هنا يخف ضغط السهر. في النهار تتسم بالحياة وفي الليل يغمرها السكون. المحال متلاصقة، منها لتصليح السيارات، ويوجد المخرطة والخياط. بينها ما يزال هناك استيديو تصوير قديم، يعلن أنه يوجد تصوير فوتوغرافي ملون. أما ما تبقى من القطار، يقف اليوم ساكتًا. أمامه على الطريق زحمة سير خانقة. يحيطه العشب الذي نما بالتزامن مع توقفه. القطار يضحك في سره على صفوف السيارات والمواطنين المتأففين من الحر والبلادة. يضحك لمن رفضه وهو في أمسّ الحاجة إليه.
بات الحيّ مركزًا للسهر. إجتاحت المقاهي والمطاعم الشارع منذ ما يقارب الثماني سنوات. وصل عدد المطاعم في الشارع إلى 150، أما الحانات إلى 30. هذه الفورة شهدتها أحياء وشوارع عدة في بيروت، من الجميزة وشارع المقدسي في الحمرا، تعكس غياب التنظيم والرقابة من قبل الدولة.
النشاط السياحي ينعكس سلبًا على حياة السكان. من الموسيقى الصاخبة، إلى زحمة السير، وصولاً إلى شكواهم من ممارسات الساهرين. يبدأ رواد المقاهي بالقدوم عند الساعة الرابعة بعد الظهر، وتبدأ معهم زحمة السير التي تمتد لساعات الليل المتأخر، ما يحول دون السماح للسكان من الوصول إلى منازلهم وركن سياراتهم بالقرب منها. إضافة أن البنى التحتية في المنطقة لا تحتمل هذا الضغط، إذ يصل عدد السكان إلى 20 ألف نسمة دون رواد المقاهي والمطاعم، مما أدى إلى إحتراق أعمدة الكهرباء، وإنقطاع المياه عن منازل السكان.
أحد البارات يضع على مدخله صورة جيم موريسون الشهيرة، عاري الصدر ويداه ممدودتان على وسعهما. توحي للداخل بنوع من الترحاب، إلا أن صوته الدافىء لن يصدح في المكان، ولن تأتي نساء لوس أنجلس ولا الفتاة الفلسطينية الصغيرة التي غنى لها. حول المقهى فتيان وفتيات لم يتجاوزوا العشرين يتبادلون أحاديث ونكات بلغة عربية ممزوجة بالانكليزية، فيما تصدح موسيقى أجنبية الإلكترونية، تتمايل عليها الفتيات، فيما مضمونها يهين كيانهن وجسدهن. على أدراج الحيّ شبان وشبات إختاروا إنشاء ملهى خاصا فيهم. يطلقون العنان لحناجرهم بالموسيقى التي تجمعهم في حين، وفي حين آخر يتركون لتأثير الكحول أن يرمي بثقله على الساهرين.
أما السكان الذين يختفون مع بداية الحفلة اليومية، تبقى منازلهم مضاءة حتى منتصف الليل، وتدريجيًا يبدأ النور بالإندثار، فيما تصعد أنغام الموسيقى التجارية وضحكات الساهرين لتركن فوق أوسدتهم، ولا تودعهم قبل ساعات الفجر الأولى.
الخارج من الحيّ، يجمع ما رآه، يحاول التصور كيف كان الشارع قبل الصحوة السياحية. تبدو البارات وروادها كطفرة على جسدٍ مريض، ما لم يعالج بالطرق صحيحة، يمكن أن يقتله، أو يعتاد العيش مع مرضه. المقاهي والمطاعم بتصاميمها غريبة عن المنطقة. منها ما هو فاخر، وآخر بوهيمي. السواح يأتون للتعرف على ثقافة جديدة. لكن العمل الجاري على طمس هوية البلاد وشوارعها. الموسيقى لا تعكس ثقافتنا، اللغة المتداولة ليست لغتنا، الأبنية الحديثة التي بدأت تتغلغل إلى الحيّ لا تشبه تصاميمه، المعارض الفنية باتت نادرة الوجود. المنطقة تفرغ من روحها.

إعتراض السكان
في تموز الماضي تداعى عدد من سكان مار مخايل تحت إسم "مار مخايل حي سكني، وما بصير سياحي بشخطة قلم" بالتعاون مع لجنة شؤون الأحياء في "بيروت مدينتي" لمنع تحويل المنطقة إلى منطقة سياحية. ووجهوا عريضتين موقعتين من الأهالي الى محافظ بيروت زياد شبيب وأعضاء مجلس بلدية بيروت، ولوزير السياحة أفيديس كيدانيان مطالبين بمراعاة حقوقهم في النوم، الراحة والهدوء، والوصول إلى بيوتهم ليلاً.
التحركات التي توقفت منذ أشهر، ستعود قريبًا حيث لا يستطع السكان النوم، فمنهم من لجأ الى الحبوب المنومة، وآخرين يذهبون الى الجبل في عطلة نهاية الاسبوع، خصوصاً أن البلدية لم تظهر أي تعاون جدي مع الأهالي، حسب المحامية مايا جعارة، فيما المحافظة لم تقم بدورها، أما اللجان المطلعة على الملف تحاول منذ أشهر التواصل مع مديرة وزارة السياحة لاخذ موعد مع الوزير، لكنهم فشلوا. وتضيف "في آب الماضي إتخذ المحافظ قراراً بإقفال 3 ملاهي ليلية، لكن إختصر التنفيذ على وضع الشمع الأحمر على المعدات الموسيقية لهذه الملاهي، فيما خالف واحدًا منهم القرار وأتى بمعدات موسيقية جديدة". ترى جعارة أنها كانت خطوة إيجابية لتكون عبرة لباقي الملاهي، لكن لم تستكمل إذ أعيد فتح هذه المحال بعد عدة أيام. تشير جعارة أن هذه المحال لا تملك رخصة حانة، بل رخصة صالة شاي. فيما تكتفي المحافظة بمراقبة الموسيقى الثاخبة حيث يمس هذا الأمر بالمصلحة العامة، إلا أنه أمر غير كافٍ، بحسب جعارة، إذ تم توقيف الموسيقى في ثلاث بارات فيما الإزعاج صادر عن 15 محل.