الهجرة قدرنا

0
0
0
s2smodern

لحظات دقيقة. عليك الإختيار بين البقاء والذهاب. تقارن بين الإثنين. أن تبقى معناه أن ترضخ للعيش في دوامة عبثية، لا بصيص أمل في المستقبل القريب.

تشعر كأنك تسير في نفق لاهثاً وراء ضوء لا يأتيك منه أي شعاع. تغوص في أفكارك حول مستقبل تتمناه. منزل جميل، وراتب محترم، وعائلة صغيرة. أحلام صغيرة، ترتطم بحائط الواقع، لا مكان لهم في هذه البلاد. ترضخ للمستقبل الحتمي لجيلك. الهجرة. تبحث عن الطريق الأسهل، فتتقدم لتكمل دراستك في الخارج، وربما تتمكن من البقاء في بقعة جغرافية شاءت الظروف السياسية والاقتصادية أن تمنحك هدفا للعيش، عوضاً عن مراكمة أفكار وتحليلات حول جدوى الاستيقاظ يومياً، لتقطيع وإمرار ساعات روتينية مملة.
الأمر بات محسوماً، لا مستقبل لأي منا هنا. جيل بكامله يحاول بكل ما استطاع أن يخرج من هذا السجن، وقلة تتمسك بفكرة التغيير ومقتنعة أنها ستنجح. حسناً أنتمي لفئة المستسلمين؛ فلا قدرة على التحمل بغية أمل بتغيير غير أكيد. حاولت أن أجد لنفسي مكانا هنا لكنني فشلت، ربما هذا خنوع، وربما طموح أكبر من عواطف العائلة والأصدقاء.
لترسم مستقبلا متواضعا كحدٍ أدنى، عليك أن تنجح بتحصيل شهادة تقول أنك مررت في الجامعة. هنا عليك الإختيار بين الجامعات الخاصة والجامعة اللبنانية. تلغي بسرعة الخيار الأول، فلا قدرة مالية لدخولها. تبقى أمام خيار الجامعة اللبنانية. تحاول إجتياز الفصول الجامعية، لكن كيف ستنجح بتخطي واقع جامعي يلفه المحاصصة الطائفية بتعيين الأساتذة، والوسائط في المساهمة بنجاح طالب ورسوب غيره.
بعدها ستبحث عن عمل. تدرك أن شبه مستحيل الحصول على وظيفة دون "واسطة". وربما ستضطر للبحث عن عمل خارج إختصاصك، لينتهي بك المطاف كرجل آلي يقوم يومياً ويذهب من أجل الحصول على حفنة من المال تبقيه على قيد الحياة. وخلال مواجهتك لهذا الواقع الرمادي، عليك أن تتكيف مع إزدواجية الحياة، من فاتورتي الكهرباء، وفاتورتي مياه، إضافة إلى غلاء المعيشة وسوء الطرقات، وإستحالة تمكنك من شراء ولو غرفة صغيرة.
تقرر الذهاب، تتحمل ساعات طويلة وأنت تنتظر رد السفارة والجامعة، وقبولك بينهم. تأتي الموافقة، تتحضر بسرعة للذهاب، فالوقت يداهمك ولا مجال لوداع الأصدقاء، تكتفي برسائل وداعية عبر واتساب، لمن شاركتهم أوقات الضحك والحزن. تنظر الى شقيقتيك الصغيرتين فرح وريم، ترى أنه نوع من الأنانية.
تقوم بآخر مهمة حزبية قبل العودة إلى المنزل ومنه تنطلق إلى المطار. تودع المركز ومن عرفتهم هنا، حسام وحسين وسامر، إلى رفاق تخطت علاقتهم إلى صداقة متينة، غادة وشادي وجنى. أما أسامة وباسل وأيمن، قضيت معهم ليالي تبادلتم خلالها أحاديث عن هموم يومية، ونكات خرجت من تلقاء نفسها بين ساعات التعب وكثرة الكحول.
هنا تعرفت على أكثر شخصين تأثرت بهم في الحزب، عرفتهم في وقتٍ واحد. هنا رأيت للمرة الأولى الرفيق الراحل كمال البقاعي الذي ترك بصماته بكل تأثير وجدارة رفاقياً ونضالياً، وهنا تبادل المزاح والرفيق غسان ديبة، الرجل الذي يجمع بشخصه الذكاء والثقافة والحضور وسرعة البديهة وروح النكتة، وفوق ذلك كله... تتفاجىء بتواضعه.
تضع كل هذا وراءك، ليبقى بعض الوجوه الجميلة التي ستحملها بقلبك إلى روسيا. هناك حيث تنتظرك حبيبة نداها قلبك في صور جنوب لبنان، وما لبثت تبحث عن طرق للحاق بها الى بلدٍ جديد، علكما تؤسسان لمستقبل يليق بأحلامكم المشتركة.