رحلة طلاب الهرمل الى بيروت

0
0
0
s2smodern

  إنها الخامسة فجراً، يتقاطر شبان الهرمل الجامعيون نحو مقرهم المحدد للارتحال إلى جامعاتهم في بيروت.

هكذا، يمارس هؤلاء المرهَقون طقسهم الأسبوعي، مدركين أن المدينة الرمادية لن تؤوي ما في جعبتهم من أحلام بِكر، وأن زحمتها لن تسد فجوات اليأس السحيقة، لكنهم يأبون إلا معاودة الكرّة والسفر إليها، إلى حيث لا ينتمون.

تتهاوى الشعاعات الصباحية بخفرٍ فوق الصفائح الزجاجية، لتغدوَ مرتطمةً بغشاوة صقيعٍ تعتليها. يقضم نورها شيئاً من الأرق المتبدّي فوق تقاطيع الوجه الغض، يحاول يحيى، طالب الهندسة الميكانيكية العشريني، الماكث في مقعده، فضّ الضياء المتطفّل عن جبهته، ثم يعود ليستو في جلسته. الخمول يتشبّث بطلائع الركاب الآخرين من الطلبة، المكدسّين في الصندوق المعدني المتحرك نفسه. دمدمة آلية تخترق سكون المشهد، معلنةً إنطلاق الحافلة نحو وجهتها المعروفة، إلى بيروت، العاصمة.

دقائق معدودة، حتى يتوارى خرير نهر العاصي الموازي فور بلوغ المركبة مخرج المدينة، و يحلّ الصمت من جديد. الطريق من أقصى البقاع الشمالي إلى "الأم" بيروت، طويلة وعسِرة، وأحلام اليقظة هي المؤنس الوحيد: يتحتم على من ينوي النزوح إدراك ذلك، والتهيؤ ل"الإجراءات" مسبقاً، مهما كان ثمنها من الشقاء باهظاً. هنا، القناعة لا تهمّ، والخلاص لا يحتمل ضفتين، فإمّا عليك بالفان، كما جميع الطلبة، أو إبتع لنفسك "طروادتك" الخاصة، وإجتنب مشقّة مسافة الثلاث ساعات.

ينحسر الهواء في الدّابة الآلية مع إشتداد قيظ النهار، و تمتزج نفحات السجائر الملتهبة بنتانة الروائح المنبثقة من النافذة. حركة السير تبدو هائجة، والقرقعة التي يحدثها إحتكاك العجلات بمزالق الشوارع المتآكلة، تكاد تتخذ إيقاعاً روتينياً مملاً.

ينفرد سهل البقاع بخصبه أمام الأعين المكسوة بالإجهاد، لكن الفوضى الإسمنتية المبعثرة عند قطبي الطريق، لا تلبث إلا أن تتراكم بشكلٍ فظيع حتى تطبق على كامل المشهد. لا جادّة معبّدة - بالشكل اللائق على الأقل- هنا، و لا تنظيم مساحيّ أو هيكليّ قويم لها. أما الازدحام المروري فلن يتبدد عند مشارف بعلبك، بل سيزداد عمقاً و عقماً، إثر الحواجز الأمنية المكثّفة على أطراف كلّ قرية و مدينة تجاورها.

"العلم والعمل، وما بينهما.." تقهقه باميلا شاهين، الشابة المشاكسة التي إعتادت "أسلوب الحياة" هذا، وعايشته أسبوعياً طيلة سنوات دراستها للعلاقات العامة في الفرع الثاني من كلية إعلام الجامعة اللبنانية، يتطاير شيء من الشجن من العينين الكحيلتين، ريثما تسترسل قائلة: "بات التابروير صديقاً لي، و حزمة الأشياء التي أحملها معي خلال السفر مؤانستي الدائمة. المشوار متعب حقاً، و مكلف أيضاً! ألا تكفيني مشقّة العمل بعد الجامعة، يلزمنا قطار أو ما شابه، حلّها بقى!"

قطار؟ مترو؟ أوتوستراد يصل البقاع ببيروت يشابه ذاك الذي يصلها بالجنوب؟ لن يكون لأيّ من هذه المقترحات فاعلية، في حين إنعدام الدراسات المتوجبة لمشاريع كهذه، أو أبسط الالتفاف الحكومي لفداحة هذه القضية ووعورتها: واقعٌ يفرض نفسه على الرغم من بتّ مجلس الجامعة اللبنانية في آذار الماضي، بقرار إنشاء فروع إضافية للجامعة في كلٍّ من عكار، جبيل وبعلبك الهرمل، إلا أن هذا الأخير لم يبارح رزمات الورق.

لباميلا زملاء كثر، أرغمهم بُعد الصروح الجامعية عن مناطقهم وإستلزام النزوح إلى المدينة مشقة "هم بغنى عنها"، على التخلي عن الحلم الجامعي. أما فروع الجامعةِ اللبنانية التي قد يتواجد بعضها على مقربة ساعة أو ساعتين من أماكن سكنهم، "فيتجنبها الطلبة عادة لافتقارها للكفاءة الأكاديمية أو الاختصاصات اللازمة، وتدني مستواها بالنسبة إلى تلك المتمركزة في العاصمة."

أروى عوض، طالبة السنة الثالثة، في إختصاص إدارة المعلومات في الجامعة اللبنانية أيضاً، تحدّث عن بعض ما يكابده الطالب العكاري من عناء للوصول يومياً إلى طرابلس، المدينة التي تستضيف عدة فروع للجامعة نفسها: "البعض يرغمه ذويه على الإمتناع عن زيارة الجامعة تحت ذريعة الحالة الأمنية المتزعزعة في طرابلس."

الحال لا تختلف لدى طلبة اللبنانية الجنوبيين، أسيل مروة، طالبة الصحافة، تشتكي عسر السفر اليومي من النبطية إلى الكلية في بيروت، زاعمة أن لا فروع قريبة للاختصاص الذي تحب إلا في الجامعات الخاصة: "الاستيقاظ عند الخامسة من كل صباح بات جزءًا إعتيادياً من يومياتي، إلا أن الساعة التي أقضيها على الطريق تتضاعف في غالب الأحيان بسبب إزدحام السير الدائم."

لا تكاد الساعة تدق الثامنة، حتى ينفث الفان لهاثه الأخير، و يترجل القسم الأكبر من الطلبة عند موقف المشرفية، لانتظار "سيرفيس" يقلهم نحو الأحرام الجامعية أو "الفواييه". ينهض يحيى بمتاعه الوازن، نحو الناصية المقابلة من الشارع، ثمّ يسير بخطىً ثقيلة متوارياً خلف الجسر العتيق. زخّات المطر الخريفي تتهاوى بخفة فوق الأجساد المتباعدة، لتبشّر هؤلاء "المسافرين دوماً" بيوم جديد، و لربما تعدهم بمستقبل أفضل، لا "فان" فيه و لا "سيرفيس".