المساكن الشعبية التي نريد

0
0
0
s2smodern

 في إطار بحثنا عن حلول لأزمة المساكن في لبنان، لا بدّ لنا من البحث في مفهوم المساكن الشعبية وتاريخها وضرورتها. في السياق اللبناني، هناك غياب تام لمفهوم المسكن الشعبي المبني من قبل الدولة في الثقافة الشعبية.

أي أن الأغلبية الساحقة لا تتوقّع أن تقوم الدولة بهذه المهمة، لأن الدولة لم تقم بها حقاً سوى في عهد الرئيس فؤاد شهاب. أمّا اليوم، فتلعب الكنائس في بعض المناطق هذا الدور، مقدّمة مساكن صغيرة لمن يحتاجها من فقراء الطائفة، مثبّتة مرة أخرى حكم الطوائف فوق حكم الدولة.
وفي السياق العام، فهناك نظرة خاطئة إلى المساكن الشعبية: هي المعلّبات الصغيرة القميئة التي تشبه بعضها البعض ويتمّ نسخها على مدى كيلومترات، لتخلق شعوراً خانقاً بالسجن. هذه كانت حقيقة المساكن الشعبية في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم. لكن التغيير الجذري الذي طرأ على هذه المساكن، جعلها اليوم شكلاً مختلفا تماماً لما نعرفه من مساكن لا تقدمّها الدولة للناس فقط، بل يشارك سكّانها أنفسهم في تصميمها وبنائها.
تقدّم المساكن الشعبية اليوم، باختلاف طروحاتها، حلولاً أساسية لمشكلة المسكن عند الطبقة العاملة. وهي بالدرجة الأولى تطرح موقفاً أيديولوجياً صحيحاً: أزمة المسكن ليست مسؤولية الطبقة العاملة، هي ليست "خطأ" البروليتاريا والفلاحين. فالمسكن حق أساسي في الحياة، ومسؤولية تأمينه تقع على الدولة أولاً.
يتمّ تأمين المساكن الشعبية بناء على خطة سكنية متكاملة هي جزء من المخطط التوجيهي للأراضي اللبنانية. وتأتي هذه الدراسة بنتائج تظهر تمركز حاجات السكان والأراضي التي يمكن استملاكها واستخدامها لبناء المساكن، وذلك بناء على مسح اجتماعي اقتصادي، وبحث ميداني، يحدّد أيضاً قرب مواقع المساكن من الخدمات والمناطق الحيوية للسكان. كما يتمّ العمل على تصميم المساكن بالتشارك مع السكان. تبني فينيزويلا اليوم، في خطة أقرّها رئيسها السابق هوغو تشافيز، أكبر خطة إسكانية للطبقة العاملة، عبر تأمين حوالي ثلاثة ملايين مسكن في مختلف المناطق، تمّ إنهاء نصفها السنة الفائتة. وتكمن أهمية هذه المساكن بالذات في طريقة التنفيذ، بحيث تدفع الدولة للسكان بعد أن يشاركوا بتصميم بيوتهم، تدفع لهم ليبنوا بيوتهم، فيتمّ بذلك أيضاً تدريب عدد كبير من السكان على حرف جديدة ومختلفة في البناء. ويتمّ دفع المال للنساء لتأمين الأكل للعمّال، ليصبح فعل البناء بحد ذاته عملية اجتماعية.
من المضحك أن نسمع، منذ التسعينيات، في إطار الحديث عن مشروع "إليسار" مثلا، الذي اختطّه رفيق الحريري لسرقة أراضي حيّ السلّم والأوزاعي وجنوبها، أن أهل المنطقة سينقلون إلى "مساكن شعبية". هنا فجأة، ظهرت الدولة بدورها التخطيطي المرجوّ لإسكان الفقراء. لكن الفكرة كانت وبكاملها فخاً: فمن جهة، هذا وعد من لم يفِ يوماً بوعد للطبقة العاملة، ومن جهة أخرى، هو مشروع إن تمّ تنفيذه سيأتي بالويل والذلً على كل من يتمّ تهجيره من منطقة المشروع، لمصلحة الشركات والمؤسسات. فالسكان الذين سيُدفعون للعيش في العلب التي ستقدّمها لهم الدولة، سيفقدون علاقاتهم الاجتماعية، وسيتمّ حشرهم في بيوت صغيرة غير صحية، في نموذج سكني تمّ إعلانه مؤذٍ وغير صحي وفاشل منذ الستينيات.
إن بناء المساكن الشعبية التي يتمّ بناؤها بالشراكة مع السكان، هو أحد مسؤوليات الدولة، وهو ما يجب أن نعمل عليه كحزب شيوعي يعتبر بأن المسكن الملائم والمريح هو حق للطبقة العاملة بالذات، تلك التي جعلتها اقتصاديات السوق، غير قادرة على تأمينه. ما يعمل من أجله النظام الرأسمالي، هو سلب الطبقة العاملة من حقوقها عامّة، وحقوقها الأساسية بالذات، من أمن ومسكن وخدمات صحية وتعليم وعمل منتج. فبذلك، تصبح هذه الطبقة عاجزة عن الاستمرار والمقاومة. إن كان تهميش الطبقة العاملة وإضعافها والفتك بها هو الهدف من إبقائها دون مسكن ملائم، فعملنا لتأمين المسكن عبر الدولة، هو بالدرجة الأولى، ما يساهم في نضال الطبقة العاملة ومقاومتها للرأسمالية.