طرابلس بين داعش والنظام

طرابلس بين داعش والنظام المبنى الذي شهد عملية المداهمة في طرابلس
0
0
0
s2smodern

مساء الرابع من شباط لم يكن كسواه من ليالي طرابلس، كان أشبه تلك الليالي السوداء التي عانت منها طرابلس خلال جولات الإقتتال التي إمتدت من عام ٢٠٠٧ حتى عام ٢٠١٤. ضجت طرابلس بأصوات القنابل و أصوات صافرات الإنذار المنبعثة من سيارات الصليب الأحمر التي كانت تهرع إلى مكان الأحداث.

في تلك الليلة عملت دورية تابعة للجيش اللبناني على تنفيذ مداهمة في منطقة التبانة، بهدف توقيف "هاجر الدندشي"، أحد المطلوبين بتهمة القتال إلى جانب داعش.
بخلاف الأشخاص الذين إنضموا لصفوف داعش للقتال على الأراضي السورية، للفوز بالحوريات، بل طمعا بالتسويات في ما خص ملفاتهم، فهم بإنتظار أن تنتهي طبخة العفو العام، فمن الواضح أنه عاد وهو يضع نصب عينيه مخططا ما لتنفيذ مهمة ما.
في تفاصيل المداهمة، بعد أن تمكن الجيش اللبناني من رصد مكان تواجد هاجر، وعند وصول دورية الجيش إلى منزله، سارع إلى فتح الباب رامياً قنبلة صوتية بين عناصر الجيش، ولم يكتف باغلاق الباب بسرعة، فهرع الى شرفة المنزل رامياً قنبلة أخرى نحو الشارع مكان تواجد باقي عناصر الجيش المنتشرين في المحيط.
الأوامر كانت واضحة، القبض على هاجر حيّ، لما يحمله من معلومات قد تفيد أجهزة الدولة بما يخص ملفات الإرهاب في لبنان، ولكن القنابل ال20 التي رماها هاجر على الجيش، وإيقاعه شهيداً وأكثر من ٦ جرحى بصفوف الجيش، اجبر الجيش على إنهاء المواجهة بسرعة، حيث إضطرت الدورية إلى قتله تجنباً لأي أضرار أخرى.
ما حصل في تلك الليلة أحدث إرباكا كبيرا في الشارع الطرابلسي، تلك المدينة التي لطالما ضج الإعلام اللبناني بترويج لصورة إرهابية عنها، تلك المدينة التي رفضت فئة كبيرة من اللبنانيين زيارتها خلال السنوات الماضية خوفاً من "إرهابها”.
نواب المنطقة على خطوط التماس...
تعاني طرابلس من نسبة فقر مرتفع، الى جانب غياب الانماء. هذا الوضع المتردي عمل نواب المنطقة على المحافظة عليها، فهي الارضية المناسبة لخلق زعامة متينة، تؤدي بأبنائها الى حمل السلاح إما لاظهار التأييد المطلق، أو مقابل حفنة من المال. في لقاء مع أحد أبرز المقاتلين بين المحاور (فضل عدم ذكر إسمه)، الذي أمضى ما يقارب العام ونصف العام في سجن رومية، على خلفية ملف التبانة وجبل محسن، قال "للنداء" أنه كان يخصص له ولمجموعته مبالغ طائلة، ومعاشات شهرية يقبضونها من رئيس مجلس الوزراء السابق نجيب ميقاتي.
قائد هذا المحور بات يملك منازل عدة، منها في منطقة الضم والفرز المعروفة بغلائها الفاحش، فيما يتابع إبنه تحصيل العلمي في مجمع العزم التربوي الذي يعود لصاحبه نجيب ميقاتي. ومن المعروف أيضاً ان مدرسة العزم هي من أغلى المدارس في طرابلس، يضيف المقاتل "بسبب تبنّي الرئيس نجيب ميقاتي لمجموعاتنا المسلّحة، كان من السهل علينا الوصول للعتاد اللازم بطرق سهلة جداً". أما بالنسبة للمظهر الثاني فلقد أكد لنا أن مجموعتهم كانت مدعومة من النائب خالد الضاهر الذي كان يزودهم بالاسلحة والذخائر التي كانت تصل مع قذائف الهاونات حيث ذكر ساخراً "ما كنت إقبل أضرب قذيفة قبل ما يوصل غيرها".
من خلال الحديث هذا، هؤلاء المقاتلون، تمّ ذكر أسماء العديد من النواب والوزراء الطرابلسيين، وبعض الضباط المتقاعدين من أبرزهم اللواء أشرف ريفي، الذي كان حينذاك الطفل المدلل لتيار المستقبل وذراعهم في الامن الداخلي، والعميد حمود حيث أكدت هذه المصادر أن لهؤلاء الدور الابرز في إدارة هذه المعارك، ومن ناحية اخرى، في ما يخص منطقة جبل محسن، فقد أكد ان بعض الوجوه البارزة أن تحالفاتهم السياسية مع حزب الله وتيار المردة هو كان في صلب الدعم الذي تلقوه سياسياً وعسكرياً.

دور الاعلام...
يعمل الإعلام وفق أجنداتٍ محددة، تلك التي تخضع لأولويات مالكي هذا الوسائل والممولين. في لبنان تتقاطع مصالح المالكين والممولين، وتغدو الاهداف واحدة. كان المطلوب منه العمل على ترسيخ الافكار النمطية عن طرابلس بشكلٍ أساسي، فتركيزه كان واضحا جداً على قلة تكاد لا تمثل حتى شارع واحد من شوارع طرابلس، بحيث قام بتجاهل غير مبرر لباقي الأحداث السعيدة التي لطالما سعى أهالي المدينة لتنفيذها من أجل إظهار الصورة الحقيقية عن طرابلس. يتحمل مسؤولية هذه الصورة المحطات التلفيزيونية التي رفضت أن تعطي ما يكفي من تغطية لمهرجانات طرابلس و سهرات طرابلس التي تشعل لياليها، مطاعمها... قليلة الايام التي يمكن ان تجد أماكن فارغة فيها أو عشرات الحانات المفتوحة ضمن اراضي هذه المدينة "الإرهابية”.
فما عمل الاعلام على إظهاره عن طرابلس هو أولاً تثبيت الصبغة الدينية للمدينة، كمركز أساسي للطائفة السنية. الاعلام الداعم لهذه الصورة حرص على نشر خطاب يغذي الحقد الطائفي، فركز على تعابير مثل "المارد السني"، "حق الطائفة السنية" و"الطائفة المستهدفة". هذا الخطاب، وإن أتى ضمن سياق هادىء، إلا أنه قادر على تجييش المواطنين عبر إمرار الرسائل بطريقة مبطنة.
في الجهة المقابلة، الاعلام المعارض عمل على شن حربٍ على المنطقة بصفتها مدينة "داعشية"، منطلقين من الانتماء الطائفي للمدينة، ومستثمرين الحالة الارهابية المنتشرة في العالم العربي. هذا الخطاب بدوره يغذي العصبية عند أولاد الطائفة السنية، فما يفهمه الاعلام جيداً أن الناس ضمن مجموعة تتشارك فكرة أو عقيدة، هم عبارة عن تجمع عاطفي، تحركه بشكلٍ أساسي غريزته، وعليه ردات الفعل تكون عاطفية وعدائية، وكلما كبر عدد هذا الجمهور، تضخم شعورهم بالقوة وردات الفعل تغدو أعنف، فإن كانوا خمسة أشخاص سيلجأون الى ضرب أفراد، وإن باتوا بالآلاف سيشعلون حرباً. الاصرار على وضع طرابلس في خانة _ الخارج عن الدولة، يؤدي الى نفور متوقع عند الناس، وتولد مشاعر إضطهاد مما يؤدي الى مزيد من التقوقع.
هذا الضخ على مدار سنوات، يقطف نتائجه في الانتخابات، حيث تغيب البرامج الانتخابية والخطط الفعالة لتحسين الواقع، ليغدو وهم الامن الذاتي وحقوق أهل السنة "مشروع إنتخابي"، وهذا ما أدى الى كسب اللواء أشرف ريفي إنتخابات البلدية، وهذا يشجع كل الاطراف اللبنانية على بث الخطابات الحاقدة والمتطرفة مع إقتراب الاستحقاق الانتخابي.
من البديهي أن يرفض أهالي طرابلس وجود من يدعم الارهاب ومن قاتل الى جانب داعش بينهم، ففي صباح الخامس من شباط، حيّوا الجيش على عمله، وبكوا خلال تشييع الشهيد. فهذا المدينة، كما البلد، عانى من صراعاتٍ وحروب، حتى باتت كفعلٍ روتيني. هذه الدوامة من الصراعات أثقلت كاهل اللبنانيين، ومن يعمل يومياً على ترسيخ هذا النمط ينظر الى الاستحقاق النيابي كمحطة لترسيخ زعامة أدخلت بطرابلس والبلد ككل في دوامة فقرٍ وحروب.