حسين مروة: الموقف والفكر (2)

0
0
0
s2smodern

(كلمة كان قد أعدها الرفيق الشهيد مهدي عامل لالقائها في الندوة الدراسية التي قررها المجلس القومي للثقافة العربية بعد شهرين من اغتيال الرفيق الشهيد حسين مروة، تم تأجيل الندوة لاستكمال شروط إعدادها، وخلال فترة التأجيل اغتالت الأيدي المجرمة مهدي عامل، ألقيت الكلمة عنه في الجلسات الافتتاحية للندوة التي انعقدت في يعقلين بين 19 و22 شباط 1988)

بهذا المنهج نظرتَ الى التراث، فكنت جريئًا في طرحك. واذ خطوتَ به خطوتك الجديدة هذه، أخذ البعض عليك ما لم يقدر على فهمه، من ان التناقض في الفكر حركته، وان الهيمنة فيه هي للنزعة التي تحدده بانه مثالي او مادي، او شكل منهما. لكنك، في بحثك في هذا الفكر عن النزعات المغلوبة فيه، كنت في موقع المغلوبين الذين تجاهلهم هذا التراث الفكري، حتى حين كان، في بعض اشكال او تيارات منه، تعبيرهم، او الصياغة النظرية لما هم عاجزون عن قوله في النظرية. ولا تناقض بين هذا الموقع وذاك المنهج، بل لعل العكس هو الصحيح. فان تنظر في التاريخ من موقع الكادحين فيه او “المستضعفين”، وهم صانعوه، في صراع ضد من هم في موقع السلطة فيه ومن هم بالفعل اسياده، فهذا يفرض عليك اعتماد المنهج الذي اعتمدت، فما تركت الفكر يجري في حركته منفلتًا عن حركة التاريخ الاجتماعي وصراعاته، بل حاولت الربط بين الحركتين، كأنك وجدت في الثانية تفسيرًا للاولى، فأرسيت الفكر على قاعدته المادية التي منها انطلقت في تتبع تطوره، واجتهدت كلما كان الاجتهاد ضروريًا لفهم تياراته وتكوّن مفاهيمه، وما اخافك الاجتهاد هذا، على وعورة مسالكه، وما انكفأت عنه، فاتهمك البعض ممن امتنع عن الاقدام على ما اقدمت عليه من مخاطر البحث والاجتهاد، بالاقتصادية حينًا، وبالميكانيكية او الهيجلية حينًا آخر،لا عن حق، بل لمجرد أنك وضعت الظاهرة الفكرية او الفلسفية في شروطها التاريخية المادية. لذا كان الاتهام موجهًا في الحقيقة ضد منهجك المادي أكثر منه ضد بعض نتائجه، او ضد هذا التفصيل او ذاك منها. وهذا، بحد ذاته، يؤكد صحة منهجك، ويؤكد في الوقت نفسه ان التراث بات مجالاً من مجالات الصراع الفكري الايديولوجي الراهن.
قد تخطيء في تأويل ظاهرة من الظاهرات الفكرية فترى في الصراع بين الجبرية والقدرية، مثلاً، صراعًا بين ايديولوجية الطبقات المسيطرة، فيي العهد الاموي او ما بعده، وبين ايديولوجية القوى الاجتماعية المناهضة لهذه السيطرة الطبقية، وربما رأى غيرك فيه صراعًا بين شكلين متقابلين من أشكال الايديولوجية المسيطرة الواحدة، من حيث هي ايديولوجية دينية. او قد تميل الى حصر ايديولوجية الطبقات المسيطرة في المجتمعات العربية الاسلامية في ايديولوجية دينية مناهضة للعقل، فترى في التيار العقلاني في الفكر الاسلامي تعبيرًا عن ايديولوجية القوى المناهضة لهذه الطبقات المسيطرة، كأن الايديولوجية المسيطرة ترفض كل عقل، من حيث هي ايديولوجية مسيطرة، او كانها ترفض العقل لانها أيديولوجية دينية. ولماذا لا تكون هذه العقلانية في الفكر الاسلامي، كما نراها عند ابن رشد او عند المعتزلة، عقلانية هذه الطبقات المسيطرة بالذات، ويكون هذا العقل، بالضبط ، عقلاً دينيًا؟ وقد تكون الادلة التاريخية التي تأتي بها لتؤكد سيطرة هذا النمط من الانتاج او ذاك في هذه المرحلة او تلك غير كافية، أو قد يشوب بعض أحكامك شيء من التعسف، او قد يكون استخدامك بعض المفاهيم النظرية المعاصرة في مجال الفكر الاسلامي في غير محله، او قد يفلت من سيطرتك عليه هذا المفهوم او ذاك من ادوات بحثك، فيضطرب البحث، او قد تسمح لغتك، او بعض الصيغ فيها، بالتساؤل عن نظرتك للتاريخ هي هي غائيّة او خطّية، او غير ذلك مما هو قابل للنقاش في اكثر من موضع في كتابك.
لكن هذا شيء، والانطالق من بعض تفاصيل البحث وجزئياته التي هي موضع نقاش، للوصول الى التشكيك في منهج التحليل التاريخي المادي للتراث الفكري العربي، ورفض هذا المنهج في مبدئه، شيء آخر. الحالة الاولى طبيعية، إن لم أقل ضرورية، لا سيما في مجال بحثك العريض الذي لا يمتد على مسافة زمنية طويلة فحسب، تبدا من الجاهلية وتصل الى إبن سينا، ثم تطمح الى الانتهاء عند إبن خلدون، بل هو يشمل ايضًا، بضرورة منهجه التاريخي المادي، ميادين معرفية متعددة تستلتزم دراستها، او حتى مقاربتها، الالمام باختصاصات أهمها الاقتصاد والتاريخ والفلسفة، وقدرة السيطرة عليها في تمفصلها الداخلي في حرة الفكر الكلية. فكل بحث من هذا النوع لا يتكامل،اذن، الا بابحاث اخرى يستدعيها نقده وتعميقه في اطار المنهج الواحد. هنا تكمن اهمية بحثك، في انه كان رائدًا، اضطلعت به في مغامرة فكرية ما زالت تنتظر ناقديها حتى تستمر بهم وتتكامل.
أما الحالة الثانية، فغير ذلك تمامًا. انها حالة من حالات الصراع الاديولوجي الراهن، بين فكر مادي صريح في منطلقاته، وفكر ىخر يخجل منها، فيعمل على إخفائها في اشكال مختلفة يظهر فيها مظهر المدافع عن صفاء الفكر المادي تارة، ومظهر المدافع عن خصوصية الفكر الاسلامي تارة اخرى، ويرفض، في كل حال، ان يكون لتيارات هذا الفكر المتصارعة علاقة بالصراعات الطبقية التي تظهر في المجتمعات العربية الاسلامية، او قلل تتحرك فعليًا في اشكال محددة من الصراعات الدنية، بسبب ارتباطها بالقاعدة المادية لهذه المجتمعات، وليس بسبب انفكاكها او استقلالها عنها. بل هو يرفض مبدأ البحث في هذه العلاقة، فيرى في الحبث فيها انحرافًا اقتصاديًا او ميكانيكيًا او غير ذلك في الفكر الماركسي، عليه ان يقوّمه. بهذا التقويم يسحيل الفكر المقوَّم هذا فكرًا، قل عنه ما شئت، لكنه ليس فكرًا ماركسيًا او ماديًا. فلماذا لا يصرح هذا الفكر بمنطلقاته، بدلاً من ان يخجل منها؟ إنه في نهاية التحليل، فكر مثالي، كما سنرى لاحقًا، لكنه يخجل من الاعتراف بذلك، ويرفض ان يقال عنه انه مثالي، لعلمه ان في هذا القول ادانة موضوعية له ولمنطقه. وهو برفضه هذا، يؤكد، من حيث لا يريد، وجود الصراع بين المثالية والمادية في كل فكر، بينما يرفض النظر، في ضوء هذا الصراع في تاريخ الفكر. ولهذا كله دلالة تاريخية بالغة، فما هي؟
8-
لقد مضى زمن كانت الغلبة فيه للمثالية في الصراع بين التزعتين، فكان الفكر المثالي غازيًا مختلف قارات المعرفة، وكان جريئًا في غزوه، مؤكدًا من موقع هيمنته وغلبته طابعه المثالي، معترفًا به. كان فكرًا امبرياليًا، ينظر من علٍ الى نقيضه الفكر المادي، فيرى فيه ابتذال الفكر والمعرفة. إنه زمن الامبراطوريات الافلاطونية او الديكارتية او الكانطية او الهيجيلية. اما الفكر المادي، فهو الذي كان خجولاُ مغلوبًا على امره، مستضعفًا. لذا كان الفكر يتقدم في المعرفة من جانبه المثالي الغازي أكثر منه من جانبه المادي المقهور، وكان الجانب هذا يأخذ، بالتالي، في التعبير اشكال نقيضه. لذا كان النقد ضروريًا للكشف عن نزعات مادية من الفكر هي موجودة فيه في هذه الاشكال المهيمنة بالذات، من حيث هي اشكال وجود الفكر المثالي، والفكر المادي ايضًا. ان هيمنة المثالية في تاريخ الفكر الفلسفي تعني في ما تعنيه، اذن، ان الاشكال المهيمنة التي فيها يوجد نقيضها الذي هو المادية، هي بالضبط اشكال الفكر المثالي نفسه. هكذا كان يطمس الصراع في الفكر بين النزعتين النقيضتين، بوجود الفكر المادي في هذه الاشكال من هيمنة الفكر المثالي فيه، اي بانتفاء استقلاله، وبوجوده اسير علاقة التبعية التي تربطه، في شكل وجوده، اي في بنيته بالذات، بالفكر المثالي. او قل كان الصراع هذا، على الاقل،ملجومًا بينهما، وكان، بالتالي، ملجومًا ايضًا تطور الفكر المادي، بسبب ارتباطه المستمر بعائق تطوره، اي ببنيته التبعية. وما هذا العائق، اذن، سوى التربة النظرية للفكر المثالي التي فيها يتكوّن ويتطوّر ضديًا، لكن تبعيًا. ففي تربة الفكر العقلاني الاسلامي، ومن دخل مشكليته التي هي، قبل كل شيء مشكلة دينية.
وانطلاقًا من القبول بها وليس من رفضها، كانت تتكون عناصر من فكر مادي عند هذا الفيلسوف او ذاك، لكن في صراع داخلي معها يتفاوت من فيلسوف الى آخر. كما ان هذه النزعات نفسها نجدها تعتمل في الفكر الاشراقي الصوفي نفسه، كما بيّنتَ في كتابك. بل لعلنا نجد في هذا الفكر بالذات اكثر مما نجدها في الفكر العقلاني، ونجدها فيه اشدّ وأقوى، اذا احسنّا قراءة الاشكال التي تظهر فيها مقلوبة او متغايرة- كما في الرفض الصوفي للتنزيه المطلق لله، في شهوة الاتحاد به والفناء فيه-كأن حركة تغايرها هي بالفعل حركة سيرورتها في هذا الفكر الصوفي، واذا احسنّا ايضًا ربط حرة الفكر بحركة الواقع الاجتماعي، كما فعلت في فصل التوصف في كتابك.
لكن هذا الزمن الذي كانت فيه الهيمنة للمثالية، بدأ يتغيّر تغيرًا جذريًا في مختلف حقول المعرفة، بحيث ان علاقة الهيمنة في الصراع المستمر بين النزعتين قد انقلبت وصارت بشكل واضح في صالح المادية. لم يات هذا التغيّر، بالطبع، فجاة او مرة واحدة، برغم كونه قد تحقق بثورة فكرية نظرية هائلة، هي بالضبط، الثورة الماركسية. لقد كان لهذه الثورة في مقدماتها المعرفية، كما انها ارتبطت بشروط تاريخية اجتماعية محددة هي الشروط المادية لسيرورة التحول الثوري، من حيث هي سيرورة تقويض الرأسمالية والانتقال الى الاشتراكية. بهذه السيرورة الثورية يرتبط التغيير في علاقة الهيمنة بين النزعتين في الفكر الفلسفي لصالح المادية. لم يعد من السهل على الفكر، اذن، إن كان مثاليًا، ان يُقّر بمثاليته او ان يصرّح بها. سيكون عليه، بالعكس، ان يدفع عنه هذه التهمية، بكل شكل ممكن، حتى يتمكن من متابعة الصراع ضد الفكر المادي المهيمن، او الطامح الى الهيمنة. وكل الاشكال صالحة عنده لمتابعة هذا الصراع: باسم الدين والايمان ضد الكفر والالحاد، باسم الواقع وغناه ضد الفكر وفقره، باسم الحياة وتفاصيلها ضد النظرية وهيكلتها، والابداع ضد كل نظام معرفي، باسم الجدلية ضد الميكانيكية او الاقتصادية او غيرها من الانحرافات، باسم الفرد ضد كل سلطة او مؤسسة، لكونها سلطة او مؤسسة، باسم التراث ضد الآخر بما هو آخر، وباسم الاسم وخصوصيته ضد كل ما ليس هو او هي.
عند هذا الشكل الأخير من سلسلة هذه الاشكال التي بامكانها ان تتابع في حلقات اخرى، اودّ الوقوف قليلاً لننظر معًا في منطق من الفكر ما زال يُحدِث في حقل الصراع الايديلوجي بعض جلجلة.

 

  • العدد رقم: 332
`


مهدي عامل