الأول من أيار ومصطفى العريس توأمان

0
0
0
s2smodern

 ذكرى عيد العمال العالمي، ليست مناسبة عابرة لعمال العالم للإحتفال به، في كل بلد وفقاً لتقاليده وعاداته، بمسيرات وغناء ورقص، وإبتهاج وإستراحة ليومٍ مجيد.

ولا هي جملة للإستهلاك يتم تردادها كل عام ليذهب مذاق حلوها في اليوم التالي وتنتهي. إنها تاريخ لأهمِّ حدثٍ شهدته البشرية، المحطة التي قلبت مجرى مفاهيم العلاقة بين الطبقات الاجتماعية وتناحرها، وحوّلتها من مجرد انتفاضة لتحصيل حقوق وتأمين مكاسب لفئة من الطبقة الكادحة في المعامل والمصانع، إلى ثورة أممية شاملة في الإجتماع والفكر.
سنوات معدودة فصلت بين البيان الشيوعي الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز عام 1847، كأول برنامج علمي للحركة العمالية العالمية في التاريخ، وكمحصلة نتاج فكري ثوري أممي من جهة، والترجمة الفعلية لهذه الوثيقة التاريخية بدماء العمال في مدينة شيكاغو عام 1886 من جهة ثانية، حين ثاروا على الإضطهاد والظلم بحقهم ووقفوا صفاً واحداً مطالبين بحقوقهم المشروعة ومن ضمنها تحديد ساعات العمل.
إذا كانت البشرية قبل عام 1847 قد شهدت إنتفاضات وثورات عمالية وفلاحية متفرقة في العالم، إلا أن البيان الشيوعي, أضاء على عظمة الهدف للنضال الطبقي وأعطى للحركات العمالية القوة في التحليل والرؤية لمستقبلهم، فكان الشعار الأممي المدّوي،"أيها البروليتاريا في جميع البلدان إتحدوا" لتتبناه الطبقة العاملة العالمية لاحقاً في مؤتمراتها تحت شعار "يا عمال العالم ويا أيتها الشعوب المضطهدة إتحدّوا ".
كان من الطبيعي، وبفضل عظمة المفكريْن الكبيرين ماركس وإنغلز، والمتمثلة في اتّساع رؤيتهم المستقبلية للصراع الطبقي ونتائجه وقناعتهم، بأن الإمبريالية ستحفر قبرها بيدها، وأن انتصار الطبقة العاملة وبناء نظام سياسي يُلغى فيه إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان آتٍ لا محال، أن تتسع وتتعاظم موجات الصراعات الطبقية في العالم؛ لتشمل بلداناً فقيرة وغنية، ووفقاً لحجم وقوة هذا التناحر، مع إحتفاظها بمضمونها وأهدافها المشتركة، وفي طليعتها العدالة الإجتماعية.
برغم محاولات التشويه والتزييف التي كانت الرأسمالية تسعى من خلالها لتحريف جوهر الصراع عن حقيقتة، إلا أن الأحزاب الشيوعية والتقدمية والوطنية التي انتشرت في العالم ومعها النقابات العمالية، لعبت دوراً مميزاً في تصويب صحة وسلام الأهداف للطبقة العاملة.
منذ ولادة الحزب الشيوعي اللبناني عام 1924، كان من الطبيعي لرفاقنا النقابيين الأوائل، وفي طليعتهم الرفيق مصطفى العريس، أن يمارسوا دورهم النضالي لقيادة عمال، وحرفيي لبنان وسوريا، برغم الظروف القاسية والمؤلمة.
وشهدت تلك الحقبة، حراكات عمالية في أكثر من مدينة وبلدة ومعمل ومؤسسة وفق برنامج ورؤية نضالية واضحة لتحصيل مطالب وحقوق مشروعة. فكان للرفيق مصطفى دوراً مميزاً في إبرازها وقيادتها، عبر العشرات من الإضرابات والتظاهرات والندوات العمالية، وتحقيق مكاسب لعمالها. وفي المقابل كان من نصيبه أن جرت ملاحقته قضائياً، وأوقف وعُذّب، ودخل السجون في سوريا ولبنان. كتب الرفيق مصطفى في كتابه "مصطفى العريس يتذكّر"... أنه، قبل يوم من عيد العمال سنة 1938 إقتاده أفراد التحري في شرطة بيروت من مطبعة صوت الشعب مع الرفيق نقولا الشاوي، وفرج ألله ألحلو، وخالد بكداش، وأرتين مادويان، وسعد الدين منيمنة إلى مركزهم، وهم يُعدون عدداً خاصّاً بعيد العمال، بهدف ترهيبهم، ومعاقبتهم. ومع ذلك فقد عقد الرفاق المحتجزون إجتماعاً في الأول من أيار وأصدروا بياناً جاء فيه "إننا نحيِّ من سجننا، الشعب اللبناني كله في يوم أول أيار، ونحن واثقون من أن شعبنا سيحافظ على وعية ورباطة جأشه وعلى الإتحاد والأخاء بين جميع أبنائه لأجل الدفاع عن حريات لبنان ودستوره".
بالرغم من المصاعب والآلام التي صادفها في حياته؛ فقد صمد مع رفاقه وتابع المسيرة النضالية دفاعاً عن األمبادئ السامية، حتى وفاته. وقد كتب الرفيق الشهيد حسين مروة، في تقديم كتاب مصطفى العريس، يومها كنت أبحث عن الحزب: أتنسم وجوده وحضوره ورموزه وفكره، متلمّساً هذا الطريق وذاك إلى (المكامن) الخفيّة وشبه الخفيّة لقيادته الفكرية ولمصادر نشاطه الأيديولوجي والسياسي والنقابي والتنظيمي، خطوة خطوة، ووجدته.
يومها كان إسم مصطفى العريس بين ألمع أسماء الحزب التي لها سطوع خاص في نفسي وذهني، وكان بحثي عن الحزب - يومئذ - يضمر بحثا ملّحاً عن صاحب هذا الأسم في مخبئه السياسي. ثم كانت المفاجأة، ووجدته. وكانت مسيرته الكفاحية، في إطار مسيرة الحزب، بين أكرم الحوافز الثورية التي وضعتني - مشكورة - في صلب القافلة العظيمة لهذه المسيرة.
في ذكرى عيد العمال لا يسعنا إلا أن ننحني أمامك أيها الرفيق النقابي القائد، وأمام كل رفاقك الذين شاركوك نضالك خلال عشرات السنوات، ونعدك أن الحزب ألذي انخرط بمدرسته أمثالك، لن يخذلكم، ولن يخذلك الشباب الصاعد في الحزب، مهما بلغت ضغوط السلطة ألرأسمالية في لبنان، ونجحت مجتمعة في خصخصة نقاباته وفقا لطوائفهم، أن تُدجن عماله، وتحرمهم من حقوقهم. وشوارع بيروت الوطنية تشهد، كما شهدت ولادتك يا عريس.

  • العدد رقم: 335
`


أحمد داغر