بين أمي وأبي تأشيرة دخول

0
0
0
s2smodern

كان عمري ثلاث سنوات حين عبرت ذاك الشريط الوهمي لأول مرة، لم أعرف حينها ما يعني أن تضطر لتحصل على تأشيرة دخول بين بلدين كانت دروس التاريخ عنهما لا تنفصل، ولا ينفصل حاضرهما!

الآن أتممت العشرين من عمري، مضى ست سنوات منذ آخر مرة اقتربت من ذاك الشريط الوهمي، اخر مرة تأملت فيها السماء لأرى ما اذا كانت تختلف قبل الشريط عما بعده. آخر مرة اضطررت للوقوف بطابور الذل التاريخي أنتظر دوري لأحصل على تأشيرة تسمح لي بالعبور والعودة. مضى ست سنوات على آخر مرة صدمت فيها لأن الناس ما بعد الشريط لا يختلفون عما قبله، وكأنك تقف بين توأمين تنتظر منهما كلمة لتكتشف الفارق بينهما. مضى ست سنوات على الألم المستوطن، على آخر مرة اضطررت فيها لتحمل الذل والعنصرية والذكورية وكل ما خلفه الاستعمار لأرى أمي، سورية.

أيلول ٢٠١٢، وقفت أنا وأبي بالطابور ننتظر دورنا لنحصل على ختم الأمن العام اللبناني على الحدود اللبنانية السورية، ليُسمح لنا بالدخول الى أراضينا التي بدأنا نشعر بأنها مسلوبة. لم أتجاوز حينها سن المراهقة، ولا أفكار ذاك العمر والتخيلات المصطحبة بموسيقى الأميرات والأحلام الوردية، كنت أظن أنني على سفر وانتظرت بفارغ الصبر دوري لأنهم قالوا لي أن جدتي في انتظاري. وصل دورنا أخيرا بعد تأخر اوراقنا عند الضابط فقام باستدعائنا أنا وأبي، برغم صغر عمري حينها، إلا انني كنت على علم بالأسباب فسرت خطوة للأمام وخمسة الى الوراء. كنت أحمل قلادة صغيرة أصلي لها كي لا يحول الشريط عائقا بيني وبين مستقبلي. دخلنا أنا وأبي الى المكتب فسلمنا بطاقاتنا، وقد ختم عليها بالأحمر "يرحل دون عودة". حاولت أن أفسّر الجملة بغير معناها وحاولت أن اقنع نفسي أن المنبه على وشك أن يرن ويوقظني من الكابوس، لكنك في أوقات كتلك تدرك أن حتى الموت لن ينقذك. اصفر أبي ونظر الي بعيون خائبة معتذرة وكأنه يلوم نفسه على كل ما يحصل، أنا قد بدأت أعد جيش الدموع، وهذا الجيش كان على وشك أن ينهار، نظرت الى الضابط وتوسلت اليه بأن يزيل الختم ويعيدني الى أبي لبنان، أن يسمح لي مرة أخرى بمعانقة جبله وتوديع ما تركته من ذكريات لكن قسوة العنصرية كانت أقوى من طفلة تتوسل. تخليت عن رجفتي العبثية وأخرجت اوراق تثبت أني منذ نعومة أظفاري في لبنان، أظهرت الشهادات المدرسية وبطاقات لنشاطات شاركت فيها، ولكن عنجهية العنصرية كانت أقوى من أي ورقة ختمتها طفولتي. ثلاث ساعات وأنا أنتظر في الخارج، أبكي تارةً، وأصرخ تارةً أخرى. وبين هذه وتلك تصيبني نوبات من الحقد المجنون، إذ أن أبي أخبرني أن الذل الذي آوينا اليه سببه دولارات أميركية ندفعها مقابل اقامتنا في لبنان. أثناء انتظاري تعرّفت على فتاة تعاني مما أعانيه، أخبرتني أن أمها لبنانية وهي غير مسموح لها بعبور الشريط الوهمي لرؤيتها، كانت الدموع في عينيها عنيدة ولكنها على وشك الانهيار. لم أتطرق حينها أو لم اتوقف عند فكرة جنسية أمها، لكنني اليوم أعجب كل العجب من بلد يحاضر بالتقدم والتطور والحضارة، وبأنه يسبق الدول المجاورة بحضارته ولغته وثقافته وما زالت حتى اليوم لا تستطيع المرأة اللبنانية تلك التي عانت الأمرّين- بأن تمنح جنسيتها لعائلتها.

مضى على هذه الحادثة ست سنوات. كانت الأزمة السورية تشق طريقها لتصبح كارثة. كانت قوانين ذاك الشريط الوهمي أرحم بمئة مرة مما هي عليه الآن. فقد تطورت القوانين من قسيمة العودة الى كفيل وصولاً الى كفيل مع الزامية تواجد مبلغ من المال لا يقل عن الألف دولار أميركي، وكأن القوانين اليوم تقول "هنا يمر الغني فقط".

هذه الأزمة التي لم تترك زاوية بي لم تنهشها، لم تترك تفصيلاً جميلاً واحداً للفقراء. كانون الأول ٢٠١٢، أمي كانت عائدة من سوريا بعدما ذهبت لزيارة جدتي المريضة والتي حُرمت أنا من زيارتها بسبب اوراق أميركية وحدود استعمارية. وصلت أمي للحدود اللبنانية ووقفت بالطابور بانتظام منتظرة دورها كالعادة، أوراقها نظامية وما كسرناه أنا وابي كانت هي قد دفعته كي لا يتكرر السيناريو معها. أخذ الضابط اوراق أمي وطلب منها الانتظار في الخارج حتى تجهز الأوراق فتتسهل، مضى أكثر من ثلاث ساعات وأمي ما زالت تنتظر الفرج. السائق قد تركها وذهب مسبقاً، لأنه لا يستطيع انتظارها! ثلاث ساعات والحجة أن الأمن العام على الحدود قد ارسل برقية للأمن العام في بيروت ليتأكد من مصداقية أمي، وهو في انتظار الرد، بغض النظر عن أن التكنولوجيا حينها كانت تتيح لهم بأن ينهوا المسألة بدقائق، إلا أن أمي قد عانت وذاقت الأمرّين في تلك الساعات الثلاث، إذ أنها حين احسّت بالتعب وحاولت الجلوس على المقعد بالخارج، صرخ بها أحد عناصر الأمن وبدأ بنعتها بما حفظه من كلمات عنصرية، ولم يسمح لها بالقاء جنبها لأكثر من ثلاث ساعات، وحين حاولت دخول الحمام العام، صعقت إذ أن هناك حراساً للحمام يستفسرون عن جنسيتك، فادإن كنت لبنانياً، هنيئاً لك، أما اذا كنت تحمل الهوية السورية فنعتذر، إذ انك ستدفع لقاء دخولك للحمام. هذا لا يزال مقبولاً مقارنةً بالأمهات اللواتي تعرضن للذل والصريخ لأن أبناءَهم وبناتهم، الذين لم يتجاوز أكبرهم الخمس سنوات، كانوا يبكون من الألم أو الزحمة او روائح سجائر الضابط الذي كان يدخنها تحت لافتة "ممنوع التدخين"، فطردن الى الخارج وتعرّض الأولاد للعنف الكلامي والتهديدات من الضباط بالقتل! وقد هددن الأمهات "بتعليق اولادهن" ان لم "يخرسوا" في الحال! فما كان من الأمهات اللواتي أُجبرن على اتخاد لأنفسهن موقف الضعيف المذلول إلا أن بدأن بالبكاء او الرحيل الى الخارج.
وهذا كله أيضا لا يزال مقبولاً مقارنةً بأم فقدت رضيعها بسبب البرد القاسي، إذ أن الساهرين على الناس رفضوا إدخال المرأة مع ابنها الرضيع الى الداخل لحمايتهما من يدي كانون المجرمتين، ففقد الطفل حياته بعد أن توقف قلبه من شدة البرد!

وما لا ينس على ذاك الشريط الوهمي، على تلك الحدود وذاك العار التاريخي، أن النظام الأبوي قد خدّر الشعوب بالذكورية حتى باتت نهجاً يتخذه الشعب "بشرف" ومفاخرة. كنّا حين نقف في الطوابير يقف الضابط من وراء الشباك الأمني ليختار الإمرأة الأجمل ويعطيها الأولوية على غيرها - ليأخذ رقم هاتفها قبل غيرها - هذا عدا عن التحرّش اللفظي الذي أحياناً تتحمله النساء لإنهاء معاملاتهن والرحيل. لا أنس كيف طلب السائق مرة من أمي بأن تأخذ اوراق الجميع هي لتختمها، لأن الأمن العام على الحدود لا يحترم عرق الكادحين اذا لم يكن له تضاريس !
في صيف أحد السنين كنا أنا وأمي في سوريا في زيارة، وأردنا العودة لأن أبي لا يمكنه المجيء، عندما وصلنا - عند - الحدود أنزلنا الضباط على جانب الطريق وتركنا هناك لساعات والسبب ؟ لا نحمل "تصريح الوالد". لا يمكن للمرأة السورية بأن تخرج مع أولادها خارج الحدود السورية دون تصريح من الوالد أو أحد اقاربه! أي أن عم الأولاد يمكنه أن يخرج بهم لكن أمهم لا! وهذا ما حصل معنا، انتظرنا أبي حتى جاء وأصطحبنا عن الحدود! هنا تصبح قراءة كتاب "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" لفريدريك انجلس حاجة ماسة وجوهرية.


اتفاقية سايكس- بيكو وقعت عام 1917، وكانت تقضي بطلاق أمي (سوريا) وأبي (لبنان)، لكن مدتها 100 عام أي انها انتهت في العام الماضي لكن الاستعمار في داخلنا لم ينتهِ، ما زالت الطفلة في داخلي بعيدة عن أمها ما زالت الحدود تلك من أكبر كوابيسي، اذ ان آخر مرة زرتها لم يسمح لي بالدخول لأزور جدتي، وجدتي الآن قد ماتت وانا لم أُقبّل يديها المتجعدتين لآخر مرة، ودون ان أودّع تفاصيلها الجميلة وطعامها اللذيذ، ما زلت حتى اليوم اتفقّد صوراً لسوريا على هاتفي لأنني اخاف أن انسى كيف بدت لي الجنة يوماً، لم اودّع طفولتي العالقة بكفتيْ الشام وانا خائفة من ان اللقاء ليس بقريب، كأنني في أزمة الحضانة، ربح أبي الحكم لست سنوات متتالية، ست سنوات لم أر بها أمي. وأمي بقيت وفية وأرادت ان تربح الحضانة هي أو ان تراني مرة أخرى لكن المحكمة تخاف عليَّ منها، إذ ان سوريا كلّ يوم تُغتصب.