كي نغدو نساء

0
0
0
s2smodern

يخرج من حنجرة نينا سيمون صوت يقول: "اتمنى لو عرفت كيف أكون حرّة/ اتمنى لو تمكنت من كسر الأغلال التي تقيّدني/ اتمنى لو تمكنت من قول كل ما يجب عليه قوله".

إحدى ابرز ايقونات الجاز، وصفها روبرت غلاسبر "بالنسخة النسائية لمايلز دايفيس، كانت تمشي رافعة الأوسط في وجه العالم، دافعت عن قناعاتها. كانت نصف غامضة ونصف مخيفة. كان الناس متيمون بها ويخافونها في آن، لم يدركوا كيفية التعامل معها. كانت دائماً تخبر الناس ما هم بحاجة الى سماعه". الناشطة في مجال حقوق الناس، غنّت للحبّ والمراة والناس، في الوقت الذي عانت خلاله من العنف والاستغلال من زوجها. قال عنها ماكسويل ان "صوتها هو صوت المرأة السوداء، هو صوت معاناة المرأة السوداء. انه صوت المرأة السوداء بوجه الرجل الأسود. انه صوت حقوق النساء. كانت إحدى ابرز النساء الرائدات في الحركة النسوية، ودون حتى ان تحاول. كانت فقط صريحة وصادقة".

المعاناة حوّلت سيمون الى نسوية. ومعاناتنا اليومية تحوّلنا الى نسويات دون ان نقرأ او نغوص في تاريخ الحركة النسوية في العالم. هي تلك اللحظات التي تشعرين فيها انك تعريتِ تماماً في نظرات احدهم، تستطيعين معرفة الى حدٍ ما، ما يجول في رأسه من افكار جنسية، تحارين بين ان تمقتيه او تمقتي نفسك، او تشتمي الواقع بكل تعقيداته الذي يتيح المجال لكل انواع الإهانة الجنسية لأيّ إمرأة. يمكن ان تصرخي او تضربيه فتتحولين الى "مسترجلة"، ويمكن ان تسكتي فتبدين إما خجولة او راضية، وهنا المشكلة الأكبر. فكلتا الحالتين ستتحملين تبعات تعكّر المزاج الذكوري.
ما تواجهه النساء يرتبط بشكلٍ اساسي بكونها إمرأة، ككائن "ضعيف" تحتاج لتوجيه الرجل، تقبع تحت سلطة إرث قولب نظرة المرأة الى نفسها ونظرة المجتمع لها وكيفية تحكمه بتصرفاتها. ان نغدو نساء، كما قالت سيمون دو بوفوار، عملية غير مرتبطة بالفكرة السطحية المختصرة في الشكل البيولوجي او بالتحصيل العلمي، بل تتعداها لفهم المرأة لكينونيتها وقيمتها الفعلية كفرد منتج بدرجة اساسية، بغض النظر عن شكلها وماذا ترتدي. نحن نتيجة قراراتنا، فبالاضافة الى بناء قيمنا، نحن نبني أنفسنا.

ظهور وسائل الإنتاج وتطورها جعل المرأة ملكية للمجتمع المتمثل بالذكر، من أبٍ واخٍ وزوجّ وابن، حتى بات كل رجل يعتبر نفسه وصيّاً على أيِّ امرأة. هذه الملكية رسّخت تفوّق الرجل وحريته على اعتبار النساء ملكية جنسية بالدرجة الأساسية. مع خروج النساء الى سوق العمل، بات، أنها تهدّد المركز المعنوي للرجل، بالأخص في المنحى المالي، فحين تتحرّر النساء اقتصادياً، تلقائياً تتحرّر من ايّ سلطة كانت. الحرية الصورية التي أُعطيت للنساء، اضعفت احتكار الرجل في اختيار زوجته، فباتت النساء يخترن ازواجهم، الأمر انسحب الى اختيارهن من يسمح له في خرق مساحتهم الخاصة، مما شكّل تهديداً للسلطة المطلقة الممنوحة للرجل.

عكست مواقع التواصل الثقافة العامة، وبطبيعة الحال النظرة الدونية للنساء. وعليه لا تناقش اي إمرأة في موقفها السياسي او الديني، بل تجنح الآراء الى إهانتها أولاً من كونها إمرأة، ووفق شكلها الخارجي ثانياً. انت لا تتعدين مظهرك. يقولونها لك علناً او في الممارسة. تعاملين وفق ما يعكسه مظهرك. إن كنت جميلة، ستقابلين بما يعتقدونه اهتماماً وتقديراً، فيما هي تصرفات لا تتعدى القبح عبر عزلك في زاوية الرّغبة الجنسية. هذا "اللطف" يتوقع ان يقابل بابتسامة، فلا تحاولي الاعتراض او بأبسط الأحوال ان تبدي رأياً ما، فقط وافقي على ما يقال.

فإن كان الذائق العام يقول أنها إمرأة متوسطة الجمال او بشعة، فهي بالتالي تتحدث في مواضيع حساسة للفت انظار الرجال. وإن كانت جميلة فهي تتعدى على مجال ليس لها، وعليها الاكتفاء بعرض الأزياء والثياب ومساحيق التجميل. وان ابت التراجع تهدد بالعقاب الجنسي، اي الاغتصاب، لتعود الى مكانها الدوني كأنثى. حتى وإن اراد البعض الوقوف الى جانب النساء، ياتي كنوع من الثناء على مظهرها الخارجي بكونها اجمل من ان تُقابل بهذا النوع من الإهانات. فإن كانت متوسطة الجمال فهذا يبرّر الهجوم او توصف "بأخت الرجال".

في أمرٍ بات شبه روتيني، تنهار التعليقات المهينة على الإعلامية ديما صادق عند إبدائها رأياً في اي موضوع، لكن ايٍّ من ردود يصبّ في الموضوع عينه، بل تذهب الى إهانتها وتحقيرها لادأنها فقط إمرأة، إضافة الى كونها جميلة، فتأخذ الإهانات بعداً آخر يدعوها بالإكتفاء بالثياب والشَعر.
المساحة الافتراضية تسمح بإطلاق العنان لمكنوناتنا، خاصة انها تسمح للناشطين بالتخفّي تحت اسم او صورة غير حقيقية، واي رادع اخلاقي او حتى ديني يندثر. عقب تعليق الصحافية جوي سليم على منشور شربل خوري المشككة بإحدى عجائب مار شربل، انهالت عليها التهديدات بالاغتصاب والقتل. حملت التهديدات ابعاداً سادية تظهر ان الجنس عند مجموعات كثيرة، ليس إلا نوعاً من عقاب يمارسه الرجل على المرأة، فيما يحتكر هو فقط اللذة. يعود بنا الأمر الى حصر فكرة الحبّ والشهوة بالرجل، فيما المرأة هي فقط المتلقي او العامل المساعد للرجل في هذه العملية. العمل على إهانة النساء يقوم بإفراغ العلاقة الجنسية من كل مشاعر الحبّ والشغف لتغدو مجرد علاقة تبرز علاقة الضعف والقوة، حيث هي خضوع النساء (العنصر الضعيف) للرجل (العنصر القوي)، كترجمة لعلاقة الربّ بعباده، وعلاقة المسيح بالكنيسة. هذه الأعراف الكنسية المرسّخة في المجتمعات المتديّنة، تلاقي أرضيةً خصبة حتى عند المجموعات "الثورية" و"التقدمية".

تريدين التحليق، وسيعملون جاهدين لابقاءك على الأرض أو فيها، سيضعونك في القاع، ويقولون لك "ان مهمتك الأساسية كانثى الانجاب، فاثبتي للمجتمع انك إمرأة كاملة وتكاثري". يمكنك رفض الأمر، والإصرار على التحليق، وإن اردت الانجاب، إفعلي ذلك، وإن اردت الابتعاد، فاذهبي. اقطعي المحيطات والقارات، واصعدي الى الفضاء. اصعدي الى فوق وانظري اليهم من بعيد. شاهدي كم هم صغار وضعفاء من فوق. انظري الى هشاشتهم وخبثهم. راقبي مللهم، واضحكي، واكملي طريقك الى فوق. ارمي حبالاً لتصحبي معك نساءً ورجالاً فهموا ان هذا القعر ليس مكانهم.