المركزية الديمقراطية، جدلية تاريخية

0
0
0
s2smodern

الممارسة السياسية للحزب الثوري، محكومة بعدة مستويات مترابطة ومتزامنة، وكلها تصب في هدف الحزب العام نحو التغيير. أحد هذه المستويات هي قدرة الحزب على عكس الواقع، في جديده، في ممارسة فكرية، معبراً عنها في الرؤية الشاملة الاقتصادية، السياسية والاجتماعية، وترجمتها إلى ممارسة سياسية من خلال برنامج الحزب، كمستوى آخر. والفكري والسياسي هما مستويان محمولان عمليا عبر جسم الحزب وبنيته التنظيمية، كمستوى ثالث.
على هذا الأساس لا يمكن فك علاقة المستويات الثلاثة الضرورية في سياق التطور التاريخي للحزب وممارسته وتقييم فعاليته.


المركزية ــ الديمقراطية كمعبر عن وحدة الحزب ومقياس تطوره الداخلي
المستوى التنظيمي للحزب معبرا عنه في جسم الحزب وبنيته التنظيمية يمتاز بعوامل ثابتة وأخرى متحركة، وليس معطى مطلقاً خارج السياق التاريخي للمجتمع والحزب معاً. ثوابته تنبع من ثوابت دور الحزب السياسي وادواته الفكرية كإطار سياسي عليه ان يحمل منهجا فكريا هو الماركسية- اللينينة، ومن ضرورة وحدة الحزب الفكرية والسياسية معبرا عنها في برنامج الحزب. هذا الثبات لا يعني الجمود، بل يعني وحدة ضمن الممارسة تخضع للتطوير ضمن التطور الاجتماعي (الجانب المتحرك).
هذا ما يشكل الأرضية المادية للتنظيم المركزي - الديمقراطي، فالمركزية تعكس بشكل اساس وحدة ممارسة الحزب الفكرية والسياسية - التنظيمية لتحقيق برنامج الحزب وخطه، وكتكثيف وتعبير عن كامل هذه الممارسة. والمركزية تتكامل مع الجانب "الديمقراطي" من المعادلة، كتعبير عن تطور حياة الحزب من خلال كادره البشري الذي يلعب دور الوسيط المادي بين النظري والملموس.

كبح أي من جانبي المعادلة يكبح ممارسة الحزب ككل
استناداً لما سبق، حول خضوع هذه المعادلة في جانبيها للظرف التاريخي من جهة ولوظيفتها في إنجاح أهداف الحزب من جهة اخرى، وفي كون الجانبين في علاقة جدلية، فإما أن كل جانب يدفع في تقدم الآخر، وإما يعيق تطوره.
وحسب الظرف التاريخي من حياة الحزب، فقد تعيق المركزية حياة الحزب الديمقراطية إذا لم تقدر عن التعبير عن حياته الداخلية وبنيته ككل وتطور الإمكانات فيها وتطويرها، وإما أن بنيته نفسها أي الجانب الديمقراطي قد يكبح تحقق إمكانات الجانب المركزي كذلك. ولذلك فإن تعارض الجانبين قد يكبح تطور الحزب العام.


المعنى التاريخي لما سبق
إن مرحلة التراجع السابقة طبعت حياة الأحزاب الثورية في العالم، وكذلك الظروف الاجتماعية الثقافية التي سادت التي عكست ترهلا في بنية الأحزاب بمختلف مستوياتها، في جانبيها المركزي والديمقراطي.
وبشكل عام حصل تعارض بين المركزية (عبر عقل وخط الهيئات القيادية) التي أصبحت منفكة عن ضرورات تطور الجديد في الواقع وفي حياة الحزب وبالتالي عائقاً امام تطور الحزب وإنجاح أهدافه، وكبحت الجانب الديمقراطي الحامل لهذا الجديد. ولهذا من الضروري كسر هذا التعارض. ولكن هذا لا يعني أن تجاوز الترهل في بنية الحزب سينجز موضوعيا بمجرد كسر هذا التعارض، بل يعني فتح الطريق له. ولهذا جرى ويجري هذا الكسر في أغلب تجارب الأحزاب الثوري في المرحلة الراهنة عبر ابتداع جوانب ديمقراطية جديدة تتجاوز الترهل في هيئات الحزب القاعدية، عبر تكثيف ديمقراطي لمضمون القواعد الحزبية دون القفز عن وحدة الحزب نفسها، من أجل تجاوز الترهل قاعدياً.
فتح الطريق أمام هذا التجاوز يعني أن الهيئات القيادية المركزية "الجديدة" للحزب، كتعبير عن الإنتقال من التعارض المركزي السابق والترهل القاعدي الراهن، إلى مرحلة وعي الممارسة والرؤية السياسية وتوسيع القاعدة الشعبية، تلعب دوراً أساسياً في هذه المهام. أي أن الجدلية بين جانبي معادلة المركزية والديمقراطية لا زال يعطي ثقلاً كبيراً للجانب المركزي بالضرورة، من جهة الإستمرار بابتداع أدوات ديمقراطية داخلية لتجاوز الترهل القاعدي، واجتذاب العناصر الأكثر حيوية في الحزب لإعادة تكوين هيئاته القيادية، أي دون التسليم بأن بنية الحزب التنظيمية السابقة قادرة وحدها على إنجاز دفع الإمكانات الموجودة بشكل تلقائي و"طبيعي" نتيجة الترهل التاريخي الحاصل. ومن جهة أخرى لعب دور قاطرة الحزب ككل.
ولهذا فأي كبح جديد للدور المركزي عن وعي وعن غير وعي سينعكس من جديد كبحاً للجانب الديمقراطي من بنية الحزب كتعبير عن تطور حياته الداخلية، إضافة إلى تأخير في إنجاز مهامه الفكرية والسياسية.
هكذا تتكامل الدورة من جديد، ما بين المستويات الثلاث الفكري والسياسي والتنظيمي. فالتنظيمي والجانب المركزي فيه... عليه عبء ومسؤولية تحضير الأرضية لإنتاج الأدوات التي عبرها سيتم تجاوز التراجع الفكري والسياسي، وليس إزاء تطوير محصور فقط في التنظيمي نفسه.
هذا كله يمكن تكثيفه بأن الظرف التاريخي الإستثنائي يحتاج لأدوات استثنائية، لم تعد معها الأدوات السابقة (ليس بكليتها طبعا) أي في ظروف العمل "الانسيابي"، بقادرة على لعب الدور المطلوب منها، ومطلوب تطويعها. فالعمل الحزبي محكوم بالإبداع أيضاً.