غياب "النسبية" يُقصي "القرار النقابي المستقل"

0
0
0
s2smodern

أفرزت انتخابات رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي عن انتصار المحاصصة المذهبيّة والطائفيّة وذلك نتيجة توزيع الحصص وفق الأحجام والأوزان، مناصفة ثم مداورة بين الطوائف والمذاهب على غرار "الطائف"، بفوز لائحة "العمل النقابي" بمقاعد الهيئة الإدارية الـ 18. فيما اقترع 33 % من الناخبين لمصلحة لائحة "القرار النقابي المستقل" ولائحة " لجنة الحفاظ على موقع أستاذ التعليم الثانوي".
أثبتت المحاصصة الحزبيّة والمذهبيّة عقمها لما خلّفته تجربة السنتين الماضيتين من رضوخ لقرارات السلطة وأجندتها، وانتهاكات للعملية الديمقراطية واعتداءٍ على حرية الأساتذة. إنّ هذه المحاصصة نفسها قد أنتجت سابقاً إعلان وزير التربية إلياس بو صعب قراره المغطّى من مجلس الوزراء بمنح الإفادات بديلاً عن شهادات العام الدراسي 2013- 2014 مارست حينها أحزاب السلطة ضغوطًا لتؤمّن تغطية قرار الانقضاض على هيئة التنسيق النقابية، ونجحت بذلك رغم حاجتها إلى تشريع المجلس النيابي لجعل منح الإفادات إجراءً قانونياً. وهذا شبيه بما حصل في قضيّة بدل النقل للعاملين في القطاع الخاص، إذ أصرّت أحزاب السلطة على إقرار مرسوم بدل النقل وثم قوننته لاحقاً، وهو ما أدّى يومها إلى استقالة الوزير شربل نحّاس.



رئاسة رابطة الثانوي:
لم تحسم المفاوضات قرارها حول رئاسة الرابطة، رغم بوادر اتفاقٍ ضمني، بل أرجأت الحديث عن الموضوع إلى ما بعد انتخابات الهيئة الإدارية. في البداية، رجّح الأساتذة أن يكون منصب رئاسة الرابطة هذه المرة لـ "حركة أمل"، التي أعلنت مسبقاً عن مرشّحها النقابي نزيه جباوي، عقِبه إعلان "التيار الوطني الحر" عن مرشحه طوني حداد في اللحظة الأخيرة. هذا ما استدعى تأجيل اجتماع توزيع المهمات على الأعضاء من دون تحديد موعد جديد، وذلك برغم مرور أكثر من أسبوع على انتهاء عملية الانتخابات التي جرت في 15 كانون الثاني، أي المهلة التي ينصّ النظام الداخلي للرابطة الالتزام بها.
وبينما رجّحت الأوساط أن يكون نيل "حركة أمل" العدد الأدنى من المقاعد (مقعدان فقط) قد زعزع إمكانيّة حصوله على الرئاسة، رأى "التيار الوطني"، عبر مسؤوله التّربوي، أنّ أي اتفاق بين الأحزاب يجب أن يكون شاملاً، بمعنى أنه إذا تولّى حزب ما رئاسة إحدى الروابط فلا يستطيع أن يتولّى رئاسة رابطة أخرى.
الخوف من تداعيات الاختلاف على الرّئاسة حاضرٌ بقوّة. بدءاً من الانعكاسات على الانتخابات المقبلة في رابطة المهني، تليها رابطة معلمي التعليم الأساسي، وصولاً إلى فتح الباب أمام "القرار النقابي المستقل" للبدء بمعارضة واسعة. هذا الأمر جعل رئيس السن أحمد الخير، الذي سبق وسحب ترشيحه لمصلحة زميله جباوي، يسارع في تولّي الاتصالات مع جميع الأعضاء المنتخبين لتقريب وجهات النظر لما فيه من مصلحة للرابطة ووحدتها.
لا غرابة أنّ هذه الأحزاب التي أنتجت لائحة توافقيّة في منتصف ليل الانتخابات، ستسعى بأقصى جهودها للتوافق في ما بينها على رئيس للرابطة بهدف حفظ مكتسباتها.

سلسلة الرتب والرواتب:
تمحورت المعركة الانتخابية التي خاضها أساتذة التعليم الثانوي حول سلسلة الرتب والرواتب، تلك الّتي لم تقرّ في السابق بحجة الفراغ الدستوري. ومع انتخاب رئيس جديد لم تدرج السّلسلة ضمن جدول أعمال دورة المجلس النيابي بسبب ربطها بالموازنة العامة. ومن المفيد الإشارة هنا إلى أنّ تاريخ آخر موازنة أقرّها مجلس النواب اللبناني يعود إلى العام 2005، قبل أن تؤدي الخلافات السياسيّة إلى تجميد الموازنات التي أعدّتها الحكومات المتعاقبة من دون عرضها على مجلس النواب.
والنسخة الموجودة حالياً في أدراج المجلس النيابي هي السلسلة التي أعدّتها اللجنة النيابيّة الفرعيّة الثانية برئاسة النائب جورج عدوان والتي تعطي الأساتذة 33 %. وبالرّغم من سقوط حجة الفراغ الدستوري في بداية العهد الجديد، لم تتحرّك الرابطة لتعديلها وإدراجها، بل أعادت الكرّة عبر محاصصة طائفيّة ومذهبيّة، إذ تبنّت المكاتب التربويّة سلسلة عدوان في بيانها الأخير. وهذا ما يكبّد الأساتذة خسائر فادحة بالحقوق وبالموقع والراتب. ويبدو أن هذا ما يؤكّد نيّة التحضير لميزانية تحتوي على "سلسلة عدوانيّة".
وفي هذا الوقت، يؤكّد "المستقلون" على حقوقهم بإقرار السلسلة على أساس الـ 121 % لكلّ القطاعات (نسبة التضخم الحاصل منذ سنة 1996 عند تثبيت الأجور ولغاية نهاية العام 2011) والتي حصلوا منها على 45 % وتبقى لهم 75 %، مع الاحتفاظ بحقهم في الحصول على نسبة التضخم الحاصل منذ نهاية العام 2011 حتّى اليوم.

النسبيّة والمستقلون:
زُجّت قضايا الأساتذة في نفق مجهول. ويبدو أنّ هذا الجمود في العمل النقابي مستمرّ. وما ينقص الرابطة هو القرار النقابي المستقل الذي يضمنه قانون إنتخابي يقوم على النسبيّة يفرز تمثيلاً أفضل لكل القوى المكونة للمشهد السياسي.
إنّ النسبيّة وحدها تؤمّن إشراك الجميع بالقرار وتحقّق وحدة الرابطة وقوتها... بعيداً عن "تناتش" أحزاب السلطة على مقاعد الرابطة أو رئاستها. فالرابطة الحالية تدّعي التوافقية وهي في الأصل توافقيّة بين الأحزاب فقط وليس بين كل مكوّنات الأساتذة، ويبقى الأمل في اعتماد النسبية التي تؤمّن تمثيلاً صحيحًا للجميع كي يستعيد التعليم الثانوي الرسمي دوره التاريخي في محاولة قيادة الصراع على الصعد كافة.

 

  • العدد رقم: 306
`


لينا بعلبكي