النضال الطلابي.. يُسقط أوهام النظام فننتصر

0
0
0
s2smodern

 

الجامعة اللبنانية هي الجامعة الوطنية التي تكرّست بنضالات الطلاب والأساتذة سويًّا ففُرضت بقوة الحق، حق اللبنانيين بتعليم مجاني، وهذا الحق يصبّ مباشرة في خدمة المجتمع وتطويره من خلال الأبحاث الجامعية في مختلف الاختصاصات بمجالاتها المتعددة.

منذ أول حق لم يُؤمّن للطلاب، بدأوا برسم خطّهم الضروري الذي يحتّم عليهم ترتيب الأولويات لتكون الجامعة الوطنية ساحة صراع مباشرة مع النظام الذي يعمد فيها إلى إيهام الطلاب بحرصه على مطالبهم وحقوقهم "المقبولة" التي لا تتعارض مع تدجينه للجامعة في هدف تطويعها لخدمة مصلحته.


انطلاقاً من هذا الدور تحدّدت معالم النضال لطلاب الجامعة اللبنانية، مشكّلين عقبة أمام النظام الطائفي السائد في لبنان والذي طالما قام بتطويع الجامعة، مما وضعنا أمام معركة متعددة الأوجه والمسارات.

من هنا تأتي حتمية العمل لوضع أسس وأطر تراكم بشكل موجّه ومرن، لتخطي عقبة خوف الطلاب من التنظيم والبيروقراطية والطائفية ولتأطير نضالاتهم ضمن السياسة العامة لحماية الجامعة وعودتها لأداء دورها التحرري في بناء ثقافة وطنية تحررية في العلوم والتكنولوجيا وفي تطوير اللغة. وما هو بديهي أنه ليس لهذا الدور من أرضية في أجواء التبعية للنظام وسياسته المهمشة للجامعة اللبنانية.

ورغم كل محاولات استخدام الجامعة كساحة إضافية للتعبئة الطائفية، سهّل فضاء الجامعة وحاجات طلابها إلى خروجهم من خطاب الطائفية لأن القضايا الطلابية وحّدت معظم الطلاب الذين يعانون يومياً من الإهمال على أكثر من صعيد، بدءاً بالحاجات الأساسية البديهية مثل عدم توفر مقعد دراسي وصولاً إلى منهج دراسي غير ملائم أو مباني غير مجهزة..

وكما يُقال الحق سلطان، فكان اتحاد الطلاب حتميّاً كما جاءت قوة المواجهة رغم كل مساعي التشتيت والتفريع، ليشكّل مجمع الحدث الجامعي ساحة أساسية للمواجهة مع السلطة الإدارية المتمثلة بإدارة الجامعة والمجالس الطلابية غير الشرعية. إذ أن تضارب مصالح القوى السياسية التي تنتج عن سياسة المحاصصة في السلطة برزت إلى العلن مع انتهاء عقد شركة الخرافي المشغلة لمجمع الحدث والمناطة بأعمال الصيانة واختيار شركة جديدة أخرى وعمدهم إلى صرف جزء كبير من العمال. وبطبيعة الحال هذا ما دفع العمال إلى الإضراب احتجاجاً على طردهم التعسفي، فتعطلت الكهرباء والإنترنت عن الجامعة وعاشت أيّاماً من الظلمة، فنتج عن ذلك تأجيل للإمتحانات الجزئية، من دون أي مراعاة لحقوق الطلاب كما العمال ولمعايير الشفافية في الصفقات التي تتخذ صفة المحاصصة دوماً. وسط هذا الواقع بدأ عدد من الطلاب بالتحرك وخاصة الطلاب في السكن الجامعي الذين عانوا من انقطاع الكهرباء وكل المقومات الأساسية للحياة.

هذه التحركات كانت قد بدأت مع "نادي نبض الشباب" وسعيه لتخفيض أسعار السلع في كافيتريا السكن الجامعي وتزايد غضب الطلاب مع أيام من انقطاع الكهرباء والأنترنت والخدمات الأساسية، لتتشكل بعد ذلك "لجنة السكن الجامعي" من طلاب مستقلين وأندية وحتى من بعض الطلاب المنتسبين للأحزاب الذين رفضوا صفقات أحزابهم. هكذا تكرّس شكل مسار المواجهة الجديد بخروج كل طالب من إطار الزواريب الضيقة للتطلع إلى مصلحة الجامعة الأساس. فبدأت الاعتصامات تتوالى في مجمع الحدث حتى يوم ٤ نيسان الذي شهد تظاهرة طلابية أمام السكن الجامعي بمشاركة تعدّت الآلاف من الطلاب، وكانت قد دعت إليها كل الأندية والمنظمات، كما انضم بعض الطلاب الذين لم ينصاعوا لقرارات أحزابهم وخرجوا عن إطارها للالتحاق بموجة الاحتجاجات التي تنادي بحقوقهم الطلابية.

وشكّلت هذه التظاهرة الحاشدة حاضراً أعاد للحركة الطلابية أمجاد نضالاتها دفاعاً عن جامعة الفقراء، والذي لم تشهد مثيله أروقة الجامعة منذ فترة بعيدة. وجاء بعده تصعيد للخطاب الطلابي حيث أعلن طلاب السكن الجامعي إضرابهم عن دفع الرسوم الشهرية حتى تحقيق مطالبهم. ولم يقتصر التحرك على طلاب مجمع الحدث الجامعي، بل تعدّاه إلى مختلف فروع الجامعة اللبنانية في صيدا والنبطية وبعلبك وفرن الشباك والفنار حيث أعلن الطلاب تضامنهم مع زملائهم في معركة الحقوق البسيطة. وعلى إثر ذلك هابت الأحزاب وإدارة الجامعة الوضع الاحتجاجي الذي ساد مختلف الجامعات وسارعت إلى حل المشكلة وتسوية أوضاع العمال، وبنفس طريقتها المعهودة في تمرير صفقاتها، ولكن هذه المرة أخذت بعين الاعتبار تنفيذ بعض مطالب الطلاب. فأصبحت أسعار السلع موازية في كافيتريا السكن لما في الأسواق، وعادت الخدمات الأساسية وجُهّزت غرف السكن بكل ما تحتاجه من أثاث وأجهزة تسخين وغيرها.

إن نجاح الخطوة الأولى يكمن في هذه التجربة التي أخرجت الطلاب من أطر الأوهام التي وضعها النظام الذي طالما حاول إقناعهم "بالمقبول". والمضحك في الأمر أن المجالس الطلابية غير الشرعية لم تتوانَ عن متابعة النهج نفسه، فجاء الإعلان عن تحقيق هذه الحقوق البديهية على شكل جوائز ترضية للطلاب. إلاّ أن هذه الحيلة لم تنطلِ على معظم الطلاب الذين حملوا شعار "استقلالية الجامعة"، معتبرين استرداد بعضٍ من حقوقهم في ظلّ الفساد الذي أُغرِقت به الجامعة اللبنانية، هو الخطوة الأولى نحو تحقيق الاستقلالية.

إذاً، وعي الطلاب لحقوقهم واتحادهم هو السبيل الوحيد لتكريس الحقوق لحماية جامعتهم. ويداً بيد بمساعدة كل غيور على الجامعة الوطنية من الأساتذة سوف تعود الجامعة لدورها التحرري الذي يضع النظام الرأسمالي أمام معركة مع مستقبل يحمل بذور نهايته.

  • العدد رقم: 317
`


بشار بحسون