أبو فريد والطريق رقم 7

0
0
0
s2smodern

في ذكراك الرابعة والعشرين على رحيلك لا يسعنا إلا أن نستعيد صفحات حياتك النضالية من تاريخ رجل قاوم من أجل تحرير الإنسان والوطن حتى الرمق الأخير... 24 عاماً مخزون ذاكرة المقاومين عن تاريخ لم يُنس... كتبوا حروفه بدمائهم.
منذ نعومة أظفاره في بلدته "عندقت" العكارية وكبقية القرى اللبنانية التي تفتقر إلى كل شيء، عاش أبو فريد طفولة قاسية ومريرة، وبالرغم من قساوة الحياة آنذاك لم تقتل براءة الأطفال الذين يحكون واقعا مأساويا لذكريات الضيعة ، فقد كان دوماً من الأوائل في مدرسة راهبات اليسوعية ولم يسجل نتيجة الدرجة الثانية ولا مرة في حياته حتى في المقالب والورشنة، وما زالوا أهالي الضيعة يتناقلون في احاديثهم عن شقاوته وذكاءه وأخلاقه، إنه أبو فريد أو "شيطان مار بولا" و"الفلتة" و"نائب ضابط "، "المدرب" و"المقدم" و"القائد" تعددت ألقابه بتعدد مهامه وأدواره الصعبة والشاقة طيلة مشواره الطويل.
نقرأ في مذكراته عن المقاومة والآمال التي ناضل من أجلها طوال مسيرته العسكرية والحزبية، يا من أدخلت في قاموس المقاومة العزة والكرامة، فأين أصبحت؟ وكيف استحال الوضع من مشروع وطني تحرري علماني إلى مشروع طائفي مذهبي تقسيمي، وكم نحن بحاجة إلى رجال مواقف مثلك؛ كي يعيدوا إلى المقاومة نهجها الوطني ووضعها على السكة السوية.


بدأ حياته النضالية مقاوماً ومدافعاً عن أرضه ووطنه من خلال المؤسسة العسكرية التي أحبها وعشقها، فقد تطوع في الجيش اللبناني عام 1943، خاض أول معركة ضد الاحتلال على أرض فلسطين عام 1948 شارك في معارك تحرير المالكية وقدّس فكانت أول نكسة حيث جاءتهم الأوامر من القيادة العربية المشتركة بالانسحاب والتراجع إلى داخل الأراضي اللبنانية.
أكمل نضاله في صفوف الجيش اللبناني، ففي ليل العشرين من حزيران - ثورة 1958 التي تفجر ضد حكم كميل شمعون، وتدخل" الأسطول السادس" ... أصدر الحزب الشيوعي بياناً، بتوقيع نقولا شاوي الأمين العام للحزب، يدعو الشيوعيين بأن يردّوا على أي عدوان، فتحرك الشيوعيون وانفصل أبو فريد عن الجيش والتحق به أنصاره، وقاد الثورة بكل أبعادها الوطنية وانضم إلى قوى الانتفاضة الشعبية، وتولى القيادة العسكرية والتدريب في مركز المقاومة الأساسي للحزب الشيوعي اللبناني في الطريق الجديدة وحرش بيروت وفي مدرسة عائشة بكار، والتي عززت كثيراً من نفوذه وشعبيته ورسّخت المحبة، وتعاطف الناس مع الشيوعيين.
أصدر كميل شمعون بحقه الحكم بالإعدام، فتم إخراجه من بيروت إلى بلغاريا عام 1959 وما إن خمدت الثورة وطل عهد "اللواء فؤاد شهاب" حتى أصدر " عفوا عاما " وعاد إلى بيروت؛ وبذلك ينهي أهم مرحلة في حياته العسكرية بمعاش تقاعدي زهيد.
"شيطان مار بولا" لم يهدأ له بال، راح يفتش عن عمل ليعيل عائلته المؤلفة من ست أولاد، توظف في بنك" إنترا" حيث تم تعيينه كمراقب عام على الأراضي التابعة لبنك "إنترا" في منطقة المونتيفردي، استلم مفاتيح المكتب والمنزل وركب سيارته "الفيات" 1100 النيلية اللون وذهب إلى المونتيفردي، وبدأ يستطلع ويستكشف المنطقة، وراح يتجول بطرقاتها الضيقة المحيطة بالجبال ومن وادٍ إلى وادٍ، لاحظ أن كل الطرقات مرقمة بالتسلسل حتى وجد ضالته في الطريق رقم 7 في أسفل الوادي والتي أصبحت فيما بعد معسكراً لتدريب الشيوعيين والمقاومين في الحرس الشعبي والأنصار لمواجهة العدو الصهيوني في سبعينيات القرن الماضي، وهنا من المونتيفردي بدأت نواة المقاومة، وفي هذا الوادي المقابل لليرزة يتدرب الشباب وصوت أبو فريد...! بحزم... انتباه... انبطاح... سدِّد... إرْم... زحف الضفدعة. لا شك أن الموقع خطر وحساس، فأثناء الرماية كانت تختلط أصوات قرقعة الرصاص بين مركز ذخيرة الجيش اللبناني في اليرزة ومركز الرماية للحزب؛ فكانت تضيع الطاسة بين الرصاص الصادر من معسكر التدريب ومخازن الجيش في اليرزة، وللوصول إلى الطريق رقم 7 قام الشباب بإنشاء نفق على طول الطريق من أغصان الشجر الخضراء واليابسة المؤدي إلى المعسكر للتمويه حتى لا يكتشف أمرهم، وكانت كل دورة تتألف من حوالي 15 شيوعياً وحتى من الأصدقاء ومن غير الشيوعيين.
في تلك الفترة كانت التدريبات ناشطة في أكثر من منطقة فكان يتنقل "أبو فريد" بين معسكرات التدريب، عام 1970 معسكر "قبريخا" جاء الشباب من كل حدب وصوب ومن الخارج للتدريب لأجل دعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال وكانوا يقضون عطلتهم في مخيم التدريب "قبريحا" ويستحمون في البحيرة ويقومون ببناء ملاجئ هرباً من القصف، لم تكن عطلة بل أعمال شاقة ولكن الجميع لا ينسى ذلك الزمن الجميل من النضال والتوق إلى بناء دولة المواطنة.
حدث ولا حرج عن "شيطان مار بولا" ففي التظاهرات كان يدافع عن الطلاب والرفاق في المواجهات ضد السلطة، فلم يعجبه الأمر فما كان منه إلا أن قرر إنشاء دورة تدريبة وهي للدفاع عن النفس في ملجأ ببناية الأستاذ "أحمد غربية" في منطقة صفير من أجل مواجهة أزلام السلطة والدرك، أما التدريبات كما يقال على السلاح الأبيض وكان سلاحهم (القشاط والعصي ولوي الأيدي والركل والبوكس...) إلخ.
الحماسة هذه بين الشباب والروح الثورية الحقيقية والتعاون والمحبة جمعتهم في كل الأوقات وكتب "أبو فريد" في مذكراته عن تلك المراحل في الفقرة التالية: "... أيام لا يمكن لأي من المشاركين فيها أن ينساها، فالروح الرفاقية بكل ما تعني هذه الكلمة من مشاركة في السراء والضراء، كانت سائدة بين الرفاق مندفعين ومستعدين لتنفيذ أية مهمة".
يقول عنه المفكر والكاتب "محمد دكروب": صورة هذا المناضل الشجاع، المخلص والواعي والمقدام، والقريب القريب إلى قلب كل من عرفه؟ ".
بعد 24 عاماً لا نحسد على عيشتنا، فعام يذهب وآخر يأتي وكل شيء فيك يزداد سوءاً يا وطني، لكن طيفـك ما زال حاضراً يمـلأ أركـان مسـامعـي فسجّـل لك على الأوراق أشـواقـي.
لك منا نحن عائلتك ومن كل الرفاق والأصدقاء الذين عرفوا "أبو فريد" ألف تحية عسكرية وألف وردة حمراء.

 

 

  • العدد رقم: 318
`


هدى البيطار