جورج بطل غياب لا يُبطل الحضور

0
0
0
s2smodern


لم يكن جورج بطل في حياته منصرفاً إلى ذاته. منذ انتسابه إلى الحزب الشيوعي، تحوّل اهتمامه الأساسي إلى عمل الحزب ونضاله، من أجل قضايا الإنسان والوطن والشعب.
تعرّف جورج على فكر الحزب في أجواء الشيوعيين في مشغرة. ومن موقع فكري وسياسي انتمى إلى صفوفه. وترسخت قناعته بالفكر الماركسي، الذي وجد فيه ما يروي طموحه للمعرفة، والحلم بعالم افضل، لإنسان أرقى، ولمجتمع ينتفي فيه الظلم الاجتماعي.


وانطلاقاً من ذلك، لم يختر البقاء على رصيف الانتظار، أو المكوث على هامش الحياة، بل مشى في طريق النضال وصعوباته، منصرفاً عن الاستمتاع بما لدى عائلته الميسورة من امكانيات مادية، وانخرط في نضال حزبه، وأسهم في نشاطاته الفكرية والسياسية، وفي صياغة وثائق بعض مؤتمراته، وفي مقالات نُشرت في صحافة الحزب.
تميّز بالجرأة في الرأي والنقاش وتقييم المراحل، وفي نقده لنواقص وأخطاء، متوخياً التصحيح والحرص على الحزب ودوره. وبرغم تقلبات الظروف السياسية، وما واجهه الحزب الشيوعي من صعوبات وحالات مأزومة، ظل على قناعته ووفائه لحزبه.
ومع كل ما تركته التدخلات الخارجية من صدمات موجهة لإضعاف العمل الوطني ودور الحزب الشيوعي، ظل مثابراً، ولم يدخل اليأس إلى نفسه، فقد كانت له مشاركة مع قياديين في الحزب، في اللقاءات الوطنية مع كمال جنبلاط، وفي انتفاضة العام 1958، وألقى كلمة الحزب في مهرجان بتخنيه الشهير في العام 1965، دعماً لحقوق ومطالب مزارعي التفاح، إلى جانب كمال جنبلاط، وجميل لحود، ونهاد سعيد، والياس الخازن، وغيرهم.
أما في الجانب الشخصي والعلاقات والاجواء الاجتماعية، فقد كان لبنانياً مشغرانياً، ودوداً في طبيعته، مماثلاً لرفيقه خليل الدبس، يستطيب اجواء الفرح ونغمات العود، التي كنتُ اعزفها في بعض السهرات، والأغاني ذات النكهة الجبلية والبقاعية. كيف لا وهو ابن مشغرة، التي على وقع موسيقةٍ تدفق ينابيعها، وانسياب مياهها، وزغردة عصافيرها، واصداء منجيرة الرعيان في منحدراتها الخضراء، أبدَعَ زكي ناصيف وأدّى أجمل اغنياته وألحانه.
أمضى جورج بطل 15 عاماً في تمثيل حزبه في مكتب المجلة العالمية للاحزاب الشيوعية ("قضايا السلم والاشتراكية") متابعاً ومشاركاً بكفاءة، ومشكّلا في الوقت ذاته، مرجعاً للطلاب اللبنانيين الممنوحين في جامعات أوروبا الشرقية، بالإضافة الى بيته المفتوح، وقلبه المحبّ، للزوار والعابرين في براغ من رفاق واصدقاء.
تميّزت الممارسات الحزبية للبطل، بالشفافية والاستقامة، ولم يبخل على حزبه بشيء، فاعطى له معظم سنين حياته، وبقي الحلم مقيماً فيه.
ومع تقدمه في السّن، ظل على ما عرفته، متوقد الذهن ونضر الذاكرة متابعاً باهتمام وضع حزبه، حتى بعدما اضطرته الاسباب الصحية للانكفاء عن المواقع القيادية.
ما تركه جورج من مسيرته الحزبية، ومساهماته الفكرية والسياسية، وجرأته وصلابته المبدأية، يبقى مثالا حيّاً للمناضل الشيوعي، يغتني به الحزب وتاريخه.

  • العدد رقم: 279
`


موريس نهرا