عن رفيقي المثال أحدثكم

0
0
0
s2smodern

 كانت إحدى ليالي شباط القاسية عندما تلقيت خبر رحيلك. ذلك الخبر الذي كنت أرفض دائماً مجرد التفكير به. فمن أنت بالنسبة لي؟ جدي؟ أبي؟ أخي؟ صديقي؟ لا، أنت كل هؤلاء وأكثر. أنت رفيقي الذي تعلمت منه معنى الحياة الشريفة، معنى النضال من أجل الأفضل.


إنه ابراهيم رشيد نقولا، جدّي الذي علمنا الكثير، لا سيما أن لا شيء مستحيل، خاصةً عندما يكون هناك قراراً في مواجهة الظلم، فكان ولا يزال المثال الاعلى الذي نقتدي به في كل خطوة، تحديداً في العمل الحزبي. فتتستحق منا الف تحية وتحية، أنت ورفاقك في هذه قريتنا تلعباس الغربي الصغيرة في أقاصي عكار، قرية الشهداء التي قدمت 9 شهداء في مختلف الميادين دفاعاً عن الحق.
في يوم وداعه، تحدث الجميع عن نضالاته ورفاقه في الحزب الشيوعي اللبناني في القرية. سردوا كيف كانوا دائماً السباقين في الدفاع عن حقوق المستضعفين في القرية، فكانت قضاياهم محور نضالهم، وكلماتهم تعكس وجعهم. أبرز القضايا التي كانت تعاني منها تلعباس، ومعظم قرى سهل عكار، هي ضريبة العشر التي كان يفرضها الملاكون على الفلاحين الفقراء، لذا فكانت هذه القضية أولوية أولياتهم. خاضوا التحدي الكبير منعاً لاستغلال الملاكين لجهد وتعب الفلاحين، فكان قرارهم في منظمة الحزب في القرية عام 1954، المواجهة أو إسقاط ضريبة العشر. البداية كانت مع جرجس عوض الذي رفض دفع الضريبة، وتبعه باقي الفلاحين من الشيوعيين وأهالي القرية، الذين قرروا التوحّد لمواجهة الملاكين وعدم الاستسلام.
هذه الوحدة والإصرار على إنتزاع الحقوق، إستفزت الملاكين الذين يرفضون أن يقال لهم كلمة "لا". فحاولوا ترهيبهم بكل الوسائل المتاحة لهم، لكنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا عليهم دفع هذه الضريبة . مضوا في نضالهم، رافضين الإستغلال. لذا، وأمام هذا الإصرار، وبعد فشل الملاكين بإرغامهم على التراجع، لجؤوا الى أداتهم الترهيبية القمعية الأخيرة، رجال الشرطة من درك وغيره، لذا إستعانوا بمفرزة حلبا، طامحين بأن تقوم بما عجزوا هم عن القيام به، كسر إرادة الفلاحين، وإعادتهم الى "بيت الطاعة" مزلولين خاضعين.
توجه رجال الدرك، محملين ومشبعين بحقد الملاكين الى منزل مختار القرية، كان بحوزتهم أسماء 10 من الشيوعيين، فلم يجدوا سوا جدّي ويعقوب حيدر. قاموا فوراً بإلقاء القبض عليهم، ظنناً منهم أن هذا الإعتقال سيخيف أهل القرية، ويؤدي الى التراجع عن قرارهم. لكنهم صدموا بالعزيمة والإصرار لدى الأهالي برفض إرهاب الدرك أولاً، وإستغلال الملاكين، فشكل إعتقالهم حالة إحتجاج لدى أهالي القرية الموجودين، وتحول الى تدافع وتضارب. حينها تعرّض رجال الدرك لأهالي القرية، غير آبهين بوجود النساء. شكل لك هذا المشهد إستفزازاً لجدي، لم يستطع السكوت عنه أبداً، حتى لو كلفه ذلك حياته. فما كان منه الا أن قمت بقطع الكلابجات التي كان مقيضاً بها، ووجه ضربة قاسية الى عناصرالدرك. لم يفلتهم الا بعد تدخل أحد أبناء القرية . فعندما رؤوا هذه العزيمة والإصرار، فروا عائدين الى حلبا. على الأثر، قامت قوى أكبر بمداهمة القرية، وإلقاء القبض على النسوة لمدة 15 يوماً، والرجال لمدة 45 يوماً.
رغم إعتقالهم لفترة طويلة، لم يكن لذلك أي تأثير، بل على العكس بقوا مصرين على رفض الضريبة، ورفض أي نقاش حول أي تنازل، بسيط كان أم كبير. لذا وبعد أن أيقن الملاكين أن معركتهم مع الفلاحين معركة خاسرة، لأنها معركة بين الحق والباطل، فلا شك أن الحق سينتصر، قاموا بإطلاق سراحهم، وإستطاع الشيوعيون في تلعباس الغربي إلغاء ضريبة العشر، وعدم دفعها عام 1954، وأطلاق حالة إحتجاجٍ واسعة في سهل عكار.
في كل مرة أعود بذاكرتي الى الجلسات التي كان يحدثني فيها جدّي عن هذه القضية، أرى عيناه اللتين تلمعان فرحاً وحماساً، لا يخفيان إستعداده لإعادة تجربة الدفاع عن حقوق الفلاحين والطبقة العاملة. ورغم مرضه بقيّ حتى آخر يوم مستعداً لتلبية أي دعوة يقدمه له الحزب. فكان له الأهمية الكبيرة في حياته، حتى أكثر من عائلته أحياناً،التي أولاها إهتماماً كبيراً، أولاداً وأحفاداً، فربانا على مبادىء هذا الحزب المناضل . فباتت طريقه طريقنا. طريق النضال التي أفنى فيها عمره، وكان لنا المثال والقدوة. وها نحن اليوم نكمل هذه الطريق، من خلال إنضمامنا الى الحزب الذي كان جدي من رواده ومناضليه الأوائل. هذا الحزب بمسيرته التي هي مسيرتنا، ونضاله الذي هو نضالنا، وأهدافه التي هي أهدافنا، سنكمل هذه الطريق لنصل الى الهدف النهائي الى الوطن الحر والشعب السعيد.