مفهوم المواطنة وتحديات الأمر الواقع

0
0
0
s2smodern

  من بديهيات الأمور، ونحن نحاول مقاربة الحلول للأزمة المتمادية والمرتبطة بالقضية الأساسية لدى غالبية اللبنانيين، ألا وهي مسألة المواطنة ومفهوم بناء العقد الاجتماعي وسيادة القانون وقيام الدولة المدنية،

فمن الحكمة بمكانٍ، ونظراً لما يشوب تلك الموضوعات من خلل يطال جميع مستوياتها، أن نسعى لأخذ المبادرة في البدء بمراجعة نقدية لكل ما هو سائد من ممارسات تتجاوز نصوص القوانين الوضعية منها، والإلهية على حد سواء؛ وإنتفاء كل ما ورد في الشرائع العالمية، للحفاظ على الحقوق المدنية والراعية لحرية المعتقد، والتعددية الفكرية الضامنة لحرية الأفراد في تحديد خياراتهم الشخصية بملء إراداتهم، وإنطلاقاً من قناعاتهم الذاتية.
فالقانون الوضعي وُجد في سبيل خدمة المواطنين، بجميع فئاتهم وميولهم، بدئاً بترسيخ بنية المجتمع المدني بعيداً عن الاصطفاف الطائفي والمناطقي، وتوفير الحرية للجميع دونما إستثناء، ويُمكّنهم من ممارستها، قولاً وفعلاً، ويرعاهم في حق الإعتقاد وتأدية الشعائر والتقاليد، على قاعدة "الدين لله والوطن للجميع"، ويضمن لهم حرية الرأي والتعبير، دون تمييز يفرضه أي إعتبار، ويصون لهم الحقوق الأساسية في إطار الكرامة والسيادة. وإذ ذاك تُراعى فيه الحاجة والإعتبارات التي وُضِع لأجلها، وفي حال الإختلاف على أي من بنوده، يتولى الجميع مهمة تعديله أو إعادة صياغته، بما يتلائم وشروط تطبيقه على الجميع دونما إستثناء، وبما يلبي المصالح المشتركة، وتبعاً لرغبات الأكثرية، من خلال المؤسسات التشريعية، بما تتيح التفاعل مع الواقع، دونما خوف أو خجل في مخالفة الأعراف السائدة والمتصاعدة في المرحلة الراهنة.

أما القانون الإلهي، فمن سماته الأساسية أنه ثابت وأزلي وشمولي وغير قابل لإعادة النظر أو التعديل في أي من بنوده، وبعض سلبياته، على سبيل المثال لا الحصر، وجود أشخاص محددين يناط بهم دون سواهم مهام تفسير هذا القانون، ولديهم صلاحيات التشريع والإفتاء، وما على الجميع سوى الإمتثال لهذا التفسير دون أي جدال، وكل من يخالف سيواجه تهمة المرتد عن العقيدة، ويستحق بالتالي اللعنة، وما يترتب عليها من عقاب.

فإذا كان التدين، في الجانب المتعلق بممارسة الشعائر الدينية، ومختلف العبادات إرتباطاً بمقاصدها السماوية، فهو يمثل حقيقة لا جدال فيها، ويبقى في موضع تقدير وإجلال وإحترام لدى كل عاقل. غير أن ما يحصل في الجانب الآخر يدل، وبكل وضوح، على نهج مختلف كلياً، يتجلى بإعتماد الدين كنزعة يتوجب التقيد بها، بذات المعايير على مستوى الأفراد والجماعات، من حيث الإعتقاد والتزام الطقوس على خلافها، ويتم ذلك بتوجيه من المرجعيات الدينية على تنوعها المُوكَلة إليها حصراً مهام صلة الوصل مع الله، فتتحول بمرحلة لاحقة الى سلطة تمارس نفوذها، عبر اللجوء الى شتى صنوف الترغيب والترهيب، بغية فرض الامتثال والرضوخ. وهذا ما يتناقض مع القيم، ولا ينسجم مع الرسالات السماوية الداعية لنشر العدالة والمساواة بين بني البشر، وتُسهم بشكل تدريجي في إستيلاد التطرف والإنجراف في موجات التعصب التي تجتاح العالم، عبر ردات فعل تؤسس لصراعات طائفية وإثنية، لا طائل منها سوى المزيد من الانقسام وإلغاء مفهوم المواطنة.