طاغور في عظمته التائهة!..

0
0
0
s2smodern


_1_
لا تعجب ولا تتعجب يا صاحبي إن رأيت ميخائيل نعيمة يكتب في غرباله الجديد واضعاً طاغور شاعر الهند فيقول فيه: "كان أنشودة عذبة في فم الحياة، فكانت الحياة أنشودة عذبة في فمه"
***
إن نعيمة أبدع في وصفه وأجاد. لكن ما قاله جاء مشوباً بعيب المبالغة...
وقديماً قال لينين أن الحقيقة إذا بالغت بها سخفتها!...
ولا ريب عندي، إن الحقيقة تفرض علينا أن نرى في طاغور شاعر الاستعمار البريطاني، يحاول أن يكون الى جنب شكسبير... في تاريخ الأدب العالمي!...
وعبثاً نبحث في شعره على فقراء الهند الذين يسكنون الأكواخ، والذين وصفهم غاندي في كتابه: "قصة اللاعنف": لكنني رأيت أن أعود إلى ما كنت قد كتبته سابقاً: كيف تكون طاغور عظيماً!...
وكم أضرت العظمة بالأدب والادباء فحب العظمة غرور قاتل... وداء العبقرية في الفن والادب!...
وقبل أن أبدأ جولتي في تراث العظمة عند طاغور والتي إكتسبتها، مرفقة بكمية ضخمة من تمجيد ناسك الشخروب...
أرى أن اذكّر القارىء بما كتبه هذا الناسك: "تقرأ طاغور فلا تجد في حروفه لسرعة العاصفة أو فم البراكين ولا نسمع في اناشيده هزيم الرعود وهدير البحار وصفير الأعاصير!... وزئير الأسود والنمور... وتبصر النجوم ترنو على نجوم.. وعيوناً تفتش عن عيون وقلوباً تصلي في الهياكل وفي الحقول".
***
وقال أيضاً" : ما إستمالته السياسة ولا استمالة حب الكسب..."
لكن الأعجب مما قيل فيه: "لقد أدهش طاغور أن يكون له مكان فيه يفيض بالنور ويعج بالحركة وادهشته أن يحس بنبض الخليقة كل نبض قلبه"...
وراح هكذا يعدد أنواع وأشكال إندهاش طاغور في هذا الكون المدهش!...هنا عدت إلى ما كنت قد كتبت سنة 2010 في جريدة "الأنوار" وكلي دهشة من اندهاش طاغور في الشخروب!...
_2_
قال غاندي: ويا للعجب مما قال: "إن طاغور منارة الشرق كله"!...
***
وكم تمنيت لو قال: "هو شاعر الشرق... أضاع الحقيقة في البحث عن لذة الأوهام الصوفية والشطحات الروحية"
لكن ما العمل؟... "إن المبالغة كانت دائماً أبشع وسيلة لتشويه الحقيقة!"...
اجل، ما العمل؟...
ولا غنى لنا عن التساؤل لدهشة واندهاش: متى كان طاغور منارة لشعبه في كفاحه من أجل الاستقلال والحرية والعدالة الانسانية؟!..
***
إن أرباب الفكر الرجعي قد بالغوا في الاشادة بطاغور الشاعر وطاغور المعلم الحكيم!...
ولكن يكفينا أن نذكّر الآن بما قاله الأديب السويدي "فرديرك أيدن": يوم منح طاغور جائزة نوبل سنة 1913: هل يُحمل كلامي على محمل الجد إن قُلت: إن هذا الحدث هو الأهم في القرن العشرين؟!...
لكن يجب أن لا ننسى أن طاغور نال تلك الجائزة تقديراً من يهود "النوبل" على كتابه: "قربان الاغاني" الذي لن نجد فيه أغنية واحدة تصلح كمرآة تعكس طموحات الشعب الهندي بالخلاص من إستبداد وظلم الاقطاع وطغيان التاريخ البريطاني!...
يوم كان غاندي في جنوب أفريقيا دعا الهنود إلى ما أسماه بالمراهق العظيم!...
فما كان موقف طاغور من هذا الزحف؟!...
لقد انبرى يعارض هذا الزحف... كما عارض من قبل مقاطعة البضائع الانكليزية... ولو بحثنا، فلن نجد في كل ما كتبه من مسرحيات ودواوين شعر أثراً يعكس طموحات الشعب الذي قدم الوف الشهداء... وشلالاً من الوفاء، من أجل الاستقلال ولقمة العيش... فكيف يكون عظيماً؟!...
***
ويخيل إليّ أن فقدان هذا الأثر من تراثه هذا الذي أهله لنيل جائزة نوبل وحرمان تولستوي وغوركي وإميل زولا وأناتول فرانس وغيرهم من أوباء الطليعة... فحرمان هؤلاء يعود إلى مواقفهم الطليعة... وكانوا أعظم من الجائزة واللجنة التي تقررها!...
وبعد صدقني يا قارئي العزيزي ما كنت أتردد في مباركة ما قيل في طاغور من تمجيد وتعظيم لو أن طاغور نال جائزة "نوبل" مكافأة له على ملحمة كتبها محرضاً شعبه على الكفاح من أجل الاستقلال... والانعتاق من عبادة سيبا لا البقرة...