الحروب الإعلامية.. ودور الشيوعيين

0
0
0
s2smodern

 لا يختلف إثنان على أن للإعلام أثره المباشر على شخصية وسلوك الفرد، ويقال أن أول من نادى بمصطلح الحرب النفسية هو محلل عسكري بريطاني يدعى فوللر..

وهي تهدف إلى تحطيم شخصية وسلوك العدو، والتمكن منه بالخوف والقلق. وفي وقتنا الحاضر أعطيت للإعلام صفة السلطة الرابعة لما تمتلك من حضور ونفوذ على الناس عبر أجيال متعددة وإلى يومنا هذا. كم اعتبر الإعلام "سلاح ذو وجهين".. وجه للتضليل ولدعاية مأجورة مغرضة نظرا لتفشي ظاهرة إستجداء لمكاسب مادية غير مشروعة، والنفوذ والسيطرة، ووجه معاكس دفاعي. ومما لا شك فيه أن للإعلام تأثيراً واضحاً في تسيير مجريات الأمور في الحياة العامة خصوصاً بعد توفر وسائل الإعلام نتيجة الحداثة في التكنولوجيا وغزو الفضاء ودخول وسائط التواصل الإجتماعي إلى منازل ملايين البشر.
الحرب الإعلامية بين الدول كما بين المؤسسات لأحزاب ولمنظمات ليست حديثة العهد، وهي من للممكن أن تكون إما عسكرية أو إقتصادية أو سياسية أو غيره. وتعتبر من أخطر أنواع الحروب لما تحتوي من أفكار وإشاعات ومعلومات خاطئة ومؤثرات نفسية على متلقي المعلومة وبالأخص الشباب والأطفال ومفاعيلها في العمل على غسل الدماغ.
وفي كل الحروب يكاد يكتمل الإجماع على أن مسألة الحرب هي مسألة دعائية نفسية إعلامية سواء في قيامها أو في إدارتها في نتائجها. ويذهب البعض لإعتبار أن الحروب من إختصاص علم النفس. ولو عدنا بالزمن إلى أيام نابليون بونابرت، لوجدنا أن هذه الشخصية التاريخية لم تكن عسكرية فقط وإنما كانت صحفية أيضا وهو بنفسه كان.. كتب مقالات عديدة.
عندما وقعت المواجهة مع روسيا سنة 1812 اعتبر في إحدى مقالاته بأن تأثير 4 صحف كفيل بمقاتلة 100 ألف مقاتل. واستطاع بدعايته أثناء غزوه لمصر من إقناع المصريين بقربه من الإسلام وتردده على الأماكن الدينية لدرجة أن المصريين بدأوا ينادونه ب "علي" بونابرت باشا ونشر ذلك في الصحيفة المحلية المصرية التي أصدرها بنفسه.
وفي الحرب العالمية الثانية عندما كانت الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية بحاجة للإتحاد السوفياتي لمواجهة النازية الألمانية تحولت كل وسائل إعلامهم ودعاياتهم وأفلامهم السينمائية بإتجاه تعظيم دور وتضحيات الشعب والجند السوفياتي. وعند إنتهاء الحرب وظهور النتائج الكبرى بهزيمة النازية.. بما فيها الشهرة التي أظهرت خروج ستالين كرمز لا مثيل له أثناء محاصرة موسكو من قبل الألمان، وبإقامة إحتفالات الثورة البلشفية، والتي كانت حافزا في رفع معنويات الجيش الأحمر، ورافعة الإنتصار على الفاشية لاحقا. حتى انقلبت وسائل الإعلام الغربية على السوفيات، وبدأوا يخوفون الأميركيين وحُلفاءهم منهم لدرجة أن أحد وزراء دفاعهم ولشدة خوفه من السوفيات توهم بقدومهم؛ فقفز من النافذة وهو يصيح الروس قادمون.. الروس قادمون.

وعندما بدأت ملامح تفكك الإتحاد السوفياتي في أوائل 1990.. ساهمت وسائل إعلام الغرب بضخ كثيف ملفق في دوائر "الإمبريالية وشركائهم". وبتولي الرئيس يلتسين مسؤولياته في روسيا لم تتناول وسائل الإعلام الأميركية يلتسين إلا من باب التهكم في بعض الصور الكاريكاتورية.. على أنه يتناول الفودكا ك "سكير". في حين صور بوتين لاحقا في الكثير من وسائلهم الإعلامية على أنه مصاص دماء قادم لإحتلال أوروبا وإخضاعها لسلطته خاصة بعد إنتزاع القرم من أوكرانيا. وذهبت الإدارة الأميركية في الفترة الأخيرة إلى حجب محطة "آر تي" الروسية باللغة الإنكليزية عن البث، ضاربة عرض الحائط كل إدعاءاتها للدفاع عن الحريات الإعلامية والديمقراطية التي يتشدقون بها.
سنة 2003 غزت الولايات المتحدة العراق، كانت قد مهدت له بحملة إعلامية لا مثيل لها، بحيث أخضعت خمس شركات إعلامية كبرى، أبرزها شركة "روبرت ماردوخ نيوز كوربوريشن"، إضافة لوسائل الإعلام الأخرى لحملتها الإعلامية الممنهجة بإعتبار أن صدام حسين طاغية ويمتلك أسلحة جما شامل، كما كذب يومها وزير دفاعهم كولن باول في مجلس الأمن؛ ليتبين لاحقا حجم المأساة الإنسانية التي دفعها الشعب العراقي، وحجم الأموال التي نهبت لصالح الدوائر الإعلامية المأجورة.
وكان للإعلام أثره اللافت بما يسمى الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا وغيرها من قبل وسائل الإعلام الغربي بشكل خاص تحت شعار "إكذب إكذب وسوف يصدقونك".. إلى أن حققوا غاياتهم المرحلية، واستبدلوا الحكام العرب المستنذفين شعبيا بآخرين تقتضي مصالحهم المشتركة بذلك، وأرفقوا مهامهم بإحداث فوضى عارمة في بعض الدول أدت إلى سفك الدماء والدمار.
وقد عانينا نحن الشيوعيين بخاصة، واليساريين العرب بعامة، عانينا منذ عقود وحتى يومنا هذا من الملاحقات والقتل والتعذيب والإضطهاد، وحتى إباحة دمائنا وصولا إلى الحرمان الوظيفي والتشكيك بالشهادات الجامعية التي كان يتم الحصول عليها من الدول الإشتراكية السابقة؛ والتي أثبت حاملوها في ما بعد جدارتهم.
إذن، لا زلنا نحن الشعوب الباحثة عن الأمن الإقتصادي والإجتماعي والحرية والإستقلال على وجه هذه الكرة الأرضية نتعرض باستمرار من قوى العدوان مدعومة من منظومتها الداخلية لأكثر الحروب الإعلامية عدوانية، وهي التي ترصد لذلك عبر إمبراطوريتها الإعلامية الضخمة كل طاقاتها وأدواتها بما يخدم أهدافها وبخاصة وضع اليد على الموارد المادية للإمساك بالورقة السياسية، أي بالقرار السياسي عبر الميديا السوداء.
ولا يخفى على أحد كيف تحضر في الغرف لمغلقة للدول الكبرى كافة الدراسات والأبحاث عن طبيعة وبيئة كل مجتمع وظروف حياته وأهوائه وإحتياجاتة المعيشية، كذلك الدينية وغيرها. وتصرف كميات هائلة من الأموال وصولا لتهيئة الجمعيات والأفراد بما فيها المؤسسات الخيرية والإنسانية، وتلزمها الصفة العالمية مغطاء أممي في حين يكون خيطها الأخير مشروكا بواحدة من دوائر الإستخبارات العالمية التي تعد وتحضر العملاء لإشاعة الأكاذيب والتهويلات وفقا لإستنتاجاتهم. وهنا يقع على عاتقنا نحن الشيوعيين اللبنانيين، وشبابنا الصاعد تبعاً لحجمنا المتواضع كيفية تحصين فهمنا وقناعاتنا الفكرية الماركسية، منشأ الفهم الإقتصادي والإجتماعي والصراع الطبقي. لردع الخطر الذي يستهدف شعبنا. وإذا كانت البرامج التثقيفية واحدة من أهم مهامنا الحزبية إلا أنها تبقى ناقصة ما لم تستكمل بالثقافة الذاتية والحوارات الدائمة في قواعدنا الحزبية خاصة وأننا ما زلنا حتى تاريخه فقراء بحيازة وسائل الإعلام الكفيلة بإيصال أفكارنا لأوسع شريحة بمجتمعنا والدفاع عنها.
إن عملية غسل الأدمغة، لهي تضليل إعلامي يترافق وعمل الأجهزة الغربية العدوانية الناشطة حيث تقضي الحاجة، وبالمقابل فإن العمل على إنتاج وسائل إعلامية مضادة تكون دون أي شك عاملا مساعدا في التخفيف من أثرها السلبي على المجتمعات. حيث أنه في أكثر الأحيان يجري تصويرالنظام السياسي في لبنان على إنه حالة لا يمكن تغييرها وعلينا تسليم أمرنا للنغمة المعتمدة "نحن محكومون بالنظام التوافقي"وكأنه بغير ذلك نسير نحو الحرب علما أن كل شعوب العالم المتحضر، والتي تعمل تحت سقف الأنظمة والقوانين لا ترتقي بخلافاتها السياسية إلى حد وضع الوطن في دائرة الخطر مقابل بقاء سلطتها الطائفية. وهنا لا يسعنا إلا أن نذكر ما كان يشيع عند دخول الإسرائيليين إلى لبنان سنة 1982 من أن العين لا تقاوم المخرز.. وكان للشيوعيين وجبهة المقاومة الوطنية يومها وجهة نظرها الصائبة ردها الواضح بهذا الشأن، كما كانت إجاباتنا صريحة حول الضخ الإعلامي المتفلت الرجعي.. بسؤاله لنا ماذا فعلتم لشعبكم ووطنكم.. متعامين عن كل الحراكات النضالية منذ ثلاثة وتسعين عاماً وما أثرته هاتي الأعوام في سوح النضال.
وإذا كان الإعلام المأجور داخليا قد ساهم من داخل المنظومة الإعلامية العالمية في تشجيع القوى المذهبية الإسلامية وشبابها للإنخراط في حرب تدميرية في العديد من الدول العربية تحت شعارات عقائدية دينية تخفي في طياتها اهدافا سياسيةً، فإن العجز الإعلامي الوطني والتقدمي كان مقصرا في مواجهتها وتحجيم فعلها.
من هنا ونحن نعيش في عالم متخبط مأزوم تكثر فيه الصراعات والمشاكل بأحجام مختلفة وفي دول متطورة ونامية على حد سواء، يبقى للأصوات الخفية اللهثة خلف المكاسب على أنواعها ودون أي حس إنساني أو أخلاقي صوتها وقلمها في إشعال الفتن والحروب ورؤية الدماء تسيل. وكلما كان سلاح الوعي ناضجا وحاضرا، كان الإنتصار النتيجة الحتمية.. وهو رهان الشعوب على الدوام.