تحديات العمل النقابي في التعليم الخاص

0
0
0
s2smodern

"يا حضرة المدير، علمتك الدولة العلية أن تسميني أجيرا، كتبت اسمي أجيراً وعلى الأعياد غنّتني أميراً!"

معركة جديدة تشنها السلطة للأطباق على ما تبقى من مكونات العمل النقابي في لبنان.
حسب الوزير باسيل، زمن الغوغائية ولّى. زمن العمل النضالي والنزول إلى الشارع والمطالبة بالحقوق ولّى. هكذا يطمح العهد الجديد، الذي حصر همّه في كسب المواقع، وفرض الإنضباط التام في الهيئات النقابية، وتدجين المجتمع المدني، والسيطرة على النقابات في يد أحزاب السلطة.


جاءت المعركة الأخيرة في نقابة معلمي الخاص، لتظهر مدى خوف أحزاب السلطة وحذرها الشديد ممّن دافعوا عن حقوق المعلمين، وناضلوا باستقلالية. ممّا دفعها إلى التكاتف على مختلف تناقضاتها في معركة يرعاها التدخل المباشر للأحزاب الطائفية من أجل إسقاط آخر رمز من رموز هيئة التنسيق النقابية.
وسط كل هذا الضجيج يكمن التساؤل أين إرادة المعلمين الذين لم تتجاوز مشاركتهم نسبة 40%؟ لماذا رغم كل المناشدات لم يدركوا خطورة المرحلة؟ ما هي الأسباب الكامنة وراء انفصال الجسم التعليمي عن ممثليه؟ عدم ثقته بأي إمكانية تغيير للواقع القائم، وتفضيل الانصياع إلى مؤسساتهم التعليمية. ربما علينا إعادة التفكير بعلاقة المعلم بنقابته، وبهيكلية هذه النقابة وآلياتها التمثيلية.
منذ تأسيس النقابة والانتخابات تتم بالمحاصصة بين المؤسسات التعليمية الطائفية، حيث يتم التوزيع على الشكل التالي: سبعة أعضاء مسيحيين وخمسة مسلمين، والنقيب مسيحي، بينما يحتفظ ممثل المقاصد بحق استقالة النقيب عند أي خلاف جدي بين الطرفين. هذه المعادلة تغيرت عقب انتخابات سنة 1971 حيث فاز النقيب انطوان السبعلي على مرشح المقاصد، فانقسمت حينها النقابة إلى نقابتين جراء رفض السبعلي التراجع. استمر الإنشقاق حتى عام 1992، عندما تم إعادة إنشاء نقابة موحّدة وتصحيح "المسار"، من خلال تعزيز حضور المؤسسات التعليمية الإسلامية، والحفاظ على الدور التاريخي للمؤسسات الكاثوليكية، وخروج السبعلاني - وما يمثله من عمل نقابي مستقل - من النقابة. فبحسب رأي أحد المحللين التربويين، لم يكن الإنشقاق، في أساسه، ناجم عن صراع أصحاب المؤسسات فيما بينهم، بقدر ما كان بسبب تحول النقابة إلى موقع متمايز يدافع عن حقوق المعلمين ضد استغلال المؤسسات التعليمية .
منذ عام 1992 والنقابة في حالة سبات عميق وغياب عن الساحة النضالية، بينما انتقل شرف النضال النقابي إلى الزملاء في القطاع الرسمي. هكذا، أصبحنا نقتات على نضالات روابط أساتذة التعليم الرسمي، وذلك بفضل وحدة التشريع بين القطاعين العام والخاص. ومع احتدام النضال النقابي في المطالبة بسلسلة الرتب والرواتب، برزت بعض المحاولات الفردية الطامحة لإحياء النفس النقابي النضالي، ومن بينها، معركة انتخابات فرع بيروت عام 2014، حيث حاول بعض المعلمين الترشح في وجه أحزاب السلطة، عبر تشكيل لائحة ناقصة، تحت شعار "نقابيّات ونقابيّون بلا قيود". واستطاعت من نيل حوالي 30% من أصوات معلمي بيروت. والجدير بالذكر أن هذه الأصوات تعود بشكل كبير إلى معلمي المدارس ذات الطابع العلماني. وقد رفعت هذه المجموعة شعارات هدفت إلى صون وحدة التشريع وإلغاء المادة 29 المتمثلة بالصرف التعسفي، ودعت لاستقلالية العمل النقابي والممارسة الديمقراطية.
منذ بداية معركة سلسلة الرتب والرواتب ومشاركة نقيب المعلمين نعمة محفوض إلى جانب حنا غريب ضمن نضالات هيئة التنسيق النقابية، تم ضخ الزخم النقابي إلى الجسم التعليمي الخاص. فمارس المعلمون تحدي إقفال مدارسهم الخاصة والتسلح بقرار نقابتهم في وجه إدارات مؤسساتهم. تجدر الإشارة هنا، إلى أن ما يقلق السلطة، ليس توقف آلاف الطلاب في المدرسة الرسمية عن التعلم، بل ما يخيفها جديا، هو إضراب المدارس الخاصة. حيث إصطفت، للأسف، لجان الأهل - التي نشأت بعيد إضراب المعلمين التاريخي في العام 1975 - إلى جانب المدارس بدل محاسبتها ومراقبتها لرفع الأقساط بشكل غير مبرر. لذلك كله، أتخذ القرار باقصاء اللغة النقابية الحرة وفرض الخطاب الحزبي التابع.
من أجل أن تتحول النقابة إلى ملجأ لصون حقوق المعلمين وحمايتهم من بطش المؤسسات الخاصة، إلى نقابة منبثقة عن صناديق الاقتراع وصراع ديمقراطي راقي بدلا من التوافق التحاصصي؛ ومن أجل نقابة تمثل طموح وآمال ومهنية الجسم التعليمي الخاص؛ على كل معلم حرّ أن يشارك في خوض أوسع نقاش حول كيفية استعادة القرار المستقل، وأن يساهم في عملية التغيير من خلال الانتساب إلى النقابة، والمشاركة في المعارك الانتخابية، والدفاع عن حقوقه المكتسبة. لقد آن الاوان ليستعيد المعلمون في القطاع الخاص ثقتهم بدورهم النضالي، وصوغ مشروع مطلبي موحد يحاكي المصلحة المشتركة لكل معلم.

 

 

  • العدد رقم: 318
`


يانا السمراني